أن يحمل على لغة من يقول : تَقَاه يَتْقِيه ، بفتح التاء من المستقبل وسكونها ، حتى قد قالوا : أتقى الأتقياء ، وبنوا منه تَقِي يَتْقِي مثل سَقَى يَسْقِي إلا أن المستعمل تحريك التاء من يتقي ، وعليه ورد الشعر ، كما قال :
|
زِيَادَتَنَا نَعْمَانُ لاَ تَنْسَيَنَّهَا |
|
تَقِ الله فِينَا والكتابَ الذي تَتْلُو |
وقال آخر :
|
جَلاَهَا الصّيْقَلُونَ فأَخْلَصُوهَا |
|
خفَافاً كُلُّهَا يَتْقِي بأثْرِ |
وقال آخر :
|
وَلاَ أَتَقِي الغَيُورَ إذا رَآنِي |
|
وَمثْلِي لزَّ بالحمس الرَّبِيسِ |
فلما وجدوا الثلاثي منه مستعملا بنوا عليه فعل التعجب ، وبنوا منه فَعِيلا كالتقيّ وقالوا منه على هذه القضية : ما أتقاه لله. وقولهم ما أَنْتَنَه لإنما حملوه على أنه من باب نَتَنَ يَنْتنُ نَتناً ، وهي لغة في أَنْتَن يُنْتِنُ فمن قال : نتن قال في الفاعل مُنْتن ، ومن قال منتن بناه على أنْتَنَ. هذا قول أبي عبيد عن أبي عمرو ، وقال غيره : مُنْتِن في الأصل مُنْتِين فحذفوا المدة فقالوا : مُنْتِن ، والقياس أن يقولوا : نَتَن فهو نَاتِن أو نَتِين ، ولو قالوا نَتُنَ فهو نَتْنٌ على قياس صَعُبَ فهو صَعْب كان جائزاً. وقولهم ما أظلهما وأضوأها من هذا القبيل أيضاً ، لأن ظَلِمَ يَظْلَم ظلمة لغة في أظلم ، وكذلك ما أضوأها يعنون الليلة إنما هو من ضَاء يَضُوء ضَوْءاً وضُوَاء ، وهي لغة في أضاء يُضِيء إضاءة ، وإذا كان الأمر على ما ذكرت كان التعجب على قانونه. وأما قوله : قالوا للفقير ما أفْقَرَهُ فيجوز أن يقال : إنهم لما وجدوه على فَعِيل توهموه من باب فَعُلَ بضم العين مثل صَغُر فهو صَغير وكبر فهو كبير ، أو حملوه على ضده فقدَّروه من باب فَعِل بكسر العين كغَنِى فهو غَنِيّ ، كما حملوا عَدُوَّة الله على صَدِيقة ، وذلك من عادتهم : أن يحملوا الشيء على نقيضه ، كقوله :
|
إِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ |
|
لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا |
فوصَلَ رضيَتْ بعلي لأنهم قالوا في ضده : سَخِط عَلَيَّ ، ومثل هذا موجود في كلامهم ، أو حملوه على فَعيل بمعنى مفعول ، فقد قالوا : إنه المكسورُ الفَقَار ، وإذا حُمل على هذا الوجه كان في الشذوذ مثله إذا حمل على افتقر. وأما قولهم ما أغناه فهو على النَّهْج الواضح ، لأنه من قولهم غَنِيَ يَغْنَي غِنًى فهو غَنِيّ ، فلا حاجة بنا إلى حَمْله على الشذوذ. وأما قولهم للمستقيم ما أَقْوَمَه فقد حملوه على قولهم : شيء قَوِيم ، أي مستقيم ، وقام بمعنى استقام صحيحٌ ، قال الراجز : وقَامَ مِيزَانُ النَّهَارِ فَاعْتَدَلْ ... ويقولون : دينار قائم ، إذا لم يزد على مثقال ولم ينقص ، وذلك لاستقامة فيه ، فعلى هذا الوجه ما أَقْوَمَه غيرُ شاذ. وقولهم للمتمكن
![مجمع الأمثال [ ج ١ ] مجمع الأمثال](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4714_majma-alamsal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
