كلمته مثلا ، ثم قال لجذيمة : الرأيُ أن تكتب إليها ، فإن كانت صادقةً في قولها فَلْتُقْبِل إليك ، وإلاَّ لم تمكنها من نفسك ، ولم تَقَعْ في حِبالتها وقد وَتَرْتَها وقتلتَ أباها ، فلم يوافق جذيمة ما أشار به ، فقال قَصير :
|
إني امْرُؤ لا يُمِيلُ العَجْزُ تَرْوِيَتِي |
|
إذا أتَتْ دُونَ شَيْءٍ مرة الوذمِ |
فقال جذيمة : لا ، ولكنك امرؤ رأيُكَ في الكِنِّ لا في الضِّحِّ ، فذهبت كلمته مثلا ، ودعا جَذيمة عمرو بن عَدِيٍّ ابنَ أخته فاستشاره فشجَّعه على المسير ، وقال : إن قومي مع الزباء ، ولو قد رَأَوْكَ صاروا معك ، فأحَبَّ جذيمةُ ما قاله ، وعصى قصيرا ، فقال قصير : لا يُطَاع لقَصِير أمرٌ ، فذهبت مثلا ، واستخلف جذيمةُ عمرَو بن عديٍّ على ملكه وسلطانه ، وجعل عمرو بن عبد الجن معه على جنوده وخيوله ، وسار جذيمةُ في وُجُوه أصحابه ، فأخذ على شاطئ الفُرَات من الجانب الغربي ، فلما نزل دعا قصيرا فقال : ما الرأيُ يا قصير؟ فقال قصير : ببقَّةَ خَلَّفْتُ الرأي ، فذهبت مثلا ، قال : وما ظَنُّكَ بالزباء؟ قال : القول رادف ، والحزم عثَرَاتُه تُخَاف ، فذهبت مثلا ، واستقبله رسُلُ الزباء بالهَدَايا والألطاف ، فقال : يا قصير كيف ترى؟ قال : خَطْبٌ يسير في خَطْب كبير ، فذهبت مثلا ، وسَتَلْقَاكَ الجيوشُ ، فإن سارت أمامك فالمرأة صادقة ، وإن أخَذَتْ جنبتيك وأحاطت بك من خلفك فالقومُ غادرون بك ، فارْكَبِ العصا فإنه لا يُشَقُّ غُبَاره ، فذهبت مثلا ، وكانت العصا فَرَساً لجذيمة لا تُجَارى ، وإني راكبُها ومُسَايرك عليها ، فلقيته الخيولُ والكتائب ، فحالت بينَهُ وبين العصا ، فركبها قصير ، ونظر إليه جذيمة على مَتْن العصا مُوَلِّيا فقال : وَيْلُ امه حَزْماً على متن الْعَصَا ، فذهبت مثلا ، وجرت به إلى غروب الشمس ، ثم نَفَقَتْ ، وقد قطعت أرضا بعيدة ، فبنى عليها بُرْجاً يقال له : بُرْجُ العصا ، وقالت العرب : خَيْرٌ ما جاءت به العصا ، فذهبت مثلا ، وسار جَذيمة وقد أحاطت به الخيلُ حتى دخل على الزباء ، فلما رأته تكشفت فإذا هي مَضْفُورة الاسب ، فقالت : يا جذيمة أدأب عروس ترى؟ فذهبت مثلا ، فقال جذيمة : بَلَغ المَدَى ، وجفَّ الثَّرَى ، وأمْرَ غَدْرٍ أرى ، فذهبت مثلا. ودعت بالسيف والنِّطْع ثم قالت : إن دماء الملوك شِفَاء من الكَلَب ، فأمرت بطَسْت من ذهب قد أعَدَّته له وسَقَتْه الخمر حتى سَكِر وأخذت الخمر منه مأخذها ، فأمرت بِرَاهِشَيْهَ فقُطِعا ، وقَدَّمت إليه الطستَ ، وقد قيل لها : إنْ قَطَر من دمه شيء في غير الطَّسْت طُلِب بدمه ، وكانت الملوك لا تُقْتَل بضرب الأعناق إلا في القتال تَكْرِمةً للملك ، فلما ضعفت يَدَاه سقطَتَا فقَطَر من دَمه في غير الطست ، فقالت : لا تضيعوا دم الملك ، فقال جذيمة : دَعُوا دَماً ضيعه أهله ، فذهبت مثلا ، فهلَكَ جَذيمة ، وجعلت الزباء دمه في ربعة لها ، وخرج قصير من الحي الذي
![مجمع الأمثال [ ج ١ ] مجمع الأمثال](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4714_majma-alamsal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
