هلكت العصا بين أظهرهم حتى قدم على عمرو بن عَدِيٍّ وهو بالحِيرَة ، فقال له قصير : أثائر أنت؟ قال : بل ثائر سائر ، فذهبت مثلا ، ووافق قصير الناس وقد اختلفوا ، فصارت طائفة مع عمرو بن عدي اللَّخْمي ، وجماعة منهم مع عمرو بن عبد الجن الجَرْمي ، فاختلف بينهما قصير حتى اصطلحا وانْقَاد عمرو بن عبد الجن لعمرو ابن عدي ، فقال قصير لعمرو بن عدي : تَهَيَّأْ واستعدَّ ولا تُطِلَّنَّ دم خالك ، قال : وكيف لي بها وهي أمْنَعُ من عُقَاب الجو؟ فذهبت مثلا ، وكانت الزباء سألت كاهنةً لها عن هلاكها ، فقالت : أرى هلاكك بسبب غلام مَهِين ، غير أمينٍ ، وهو عمرو بن عدي ، ولن تموتي بيده ، ولكن حَتْفك بيدك ، ومن قِبَله ما يكون ذلك ، فحذِرَتْ عمرا ، واتخذت لها نَفَقاً من مجلسها الذي كلنت تجلس فيه إلى حصن لها في داخل مدينتها ، وقالت : إن فَجَأني أمرٌ دخلت النفق إلى حصني ، ودعت رجلا مُصَوِّرا من أجْوَد أهل بلاده تصويراً وأحسنهم عملا ، فجَهّزَتْه وأحسنت إليه ، وقالت : سِرْ حتى تُقْدم على عمرو بن عدي متنطرا فتخلوا بحَشَمه وتنضمّ إليهم وتُخَالطهم وتعلمهم ما عندك من العلم بالصور ، ثم أثبِتْ لي عمرَو بن عدي معرفة ، فصَوِّرْهُ جالساً وقائما وراكبا ومتفضلا ومتسلحاً بهيئته ولبسته ولونه ، فإذا أحكمت ذلك فأقبِلْ إلي ، فانطَلَقَ المصور حتى قدم على عمرو بن عدي وصنع الذي أمرته به الزباء ، وبلغ من ذلك ما أوْصَتْه به ، ثم رجع إلى الزباء بِعلم ما وجَّهته له من الصورة على ما وصفت ، وأرادت أن تعرف عمرو بن عدي فلا تراه على حال إلا عرفته وحذرته وعلمت علمه ، فقال قصير لعمرو بن عدي : اجْدَعْ أنْفِي ، واضرب ظَهْرِي ، ودعني وإياها ، فقال عمرو : ما أنا بفاعلٍ ، وما أنت لذلك مُسْتَحِقا عندي ، فقال قصير : خَلِّ عني إذن وخَلاَك ذم ، فذهبت مثلا ، فقال له عمرو : فأنت أبْصَرُ ، فجَدَع قصير أنفه ، وأثر آثارا بظهره ، فقالت العرب : لِمَكْرٍ ما جَدَع قصير أنفه ، وفي ذلك يقول المتلمس :
|
وفِي طَلَبِ الأوْتَارِ ما حَزَّ أنْفَهُ |
|
قَصِير ، ورَام الموتَ بالسيف بَيْهَسُ |
ثم خرج قصير كأنه هارب ، وأظهر أن عمراً فعل ذلك به ، وأنه زعَم أنه مَكَر بخاله جَذيمة وغَرَّه من الزباء ، فسار قصير حتى قدم على الزباء ، فقيل لها : إنَّ قصيراً بالباب ، فأمرت به فأدخل عليها ، فإذا أنفُه قد جُدِع وظهره قد ضرب ، فقالت : ما الذي أرى بك يا قصير؟ قال : زعم عمرو أني قد غررت خاله ، وزينت له المَصِيرَ إليك ، وغَشَشته ، ومالأتُكِ ففعل بي ما تَرَيْن ، فأقبلت إليك وعرفْتُ أني لا أكون مع أحد هو أثقل عليه منك ، فأكرمَتْه وأصابَتْ عنده من الحزم والرأي ما أرادت ، فلما عرف أنها استرسلت إليه ووثِقْت به قال : إن لي بالعراق أموالا كثيرة وطَرَائِفَ وثياباً وعِطْراً
![مجمع الأمثال [ ج ١ ] مجمع الأمثال](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4714_majma-alamsal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
