فَضَلُّوا فتصافَنُوا ماءهم ، وهو أن يُطْرَح في القَعْبِ حَصَاة ثم يُصَب فيه من الماء بقدر ما يغمر الْحَصَاة ، وتلك الحصاة هي المَقْلة ، فيشرب كل إنسان بقدر واحد ، فقعدوا للشرب ، فلما دار القَعْبُ فانتهى إلى كعبٍ أَبْصَرَ النمريَّ يحدِّد النظر إليه ، فآثره بمائه ، وقال للساقي : اسْقِ أخاكَ النمري ، فشرب النمري نصيبَ كعب ذلك اليوم من الماء ، ثم نزلوا من غدهم المنزلَ الآخر ، فتصافَنُوا بقية مائهم ، فنظر إليه النمري كنَظَره أمسه ، فقال كعبَ كقوله أمس ، وارتحل القوم وقالوا : يا كعب ارْتَحِلْ ، فلم يكن به قوة للنهوض ، وكانوا قد قربوا من الماء ، فقيل له : رِدْ كعبُ إنك وَرَّاد ، فعجز عن الجواب ، فلما يئسوا منه خَيَّلوا عليه بثوب يمنعه من السبع أن يأكله ، وتركوه مكانه ، ففَاظَ ، فقال أبوه مامةُ يرثيه :
|
ما كان من سُوقَةٍ أَسْقَى على ظَمَإِ |
|
خمراً بماء إذا ناجُودُها بَرَدَا |
|
مِنَ ابن مَامَةَ كعبٍ حين عَىَّ به |
|
زَوُّ المنيةِ إلا حرة وَقَدَا |
|
أوفى على الماء كعبٌ ثم قيل له |
|
رِدْ كعبُ إِنَّكَ وَرَّادٌ فما وَرَدَا |
زو المنية : قدرها ، وعَىَّ به : أي عيت به الأحداث إلا أن تقتله عَطشا.
أَجْسَرُ مِنْ قَاتِلِ عُقْبَةَ.
قال أبو عمرو القعيني : هو عُقْبة بن سلم من بني هُنَاءة من أهل اليمن صاحب دار عُقْبة بالبصرة ، وكان أبو جعفر وَجَّهه إلى البحرين ، وأهل البحرين ربيعة ، فقتل ربيعة قتلا فاحشاً ، قال : فانْضَمَّ إليه رجل من عبد القيس ، فلم يزل معه سنين ، وعزل عُقْبة فرجَعَ إلى بغداد ، ورحل العَبْدِي معه ، فكان عقبة واقفاً على باب المهدي بعد موت أبي جعفر ، فشدَّ عليه العبدِيُّ بسكين فوجأه في بطنه فمات عقبة ، وأُخِذَ العبديُّ فأدخل على المهدي ، فقال : ما حملك على ما فعلت؟ فقال : إنه قَتَلَ قومي ، وقد ظَفِرْتُ به غير مرة ، إلا أني أَحْبَبْتُ أن يكون أمره ظاهراً حتى يعلم الناس أني أدركْتُ ثأري منه ، فقال المهدي : إن مثلك لأهل أن يستَبقى ، ولكن أكره أن يجترئ الناس على القُوَّاد فأمر به فضُرِبت عنقه ، ويقال : إن الوَجْأة وقعت في شرجة منطقة عقبة ، قال : فجعل المهديُّ يسائل العبدي ، والعبدي يبكي ، إلى أن دخلَ داخل فقال : يا أمير المؤمنين مات عقبة ، فضحك العبدي ، فقال له المهدي : مِمَّ كنت تبكي؟ قال : من خوف أن يعيش. فلما مات أيقنتُ أني أدركت ثأري.
أَجْبَنُ مِنْ صَافِرِ.
قال أبو عبيد : الصَّافِرُ كلُّ ما يصفر من الطير ، والصفير لا يكون في سباع الطير وإنما يكون في خَشَاشها وما يُصَاد منها ، وذكر محمد بن حبيب أنه طائر يتعلَّق من الشجر
![مجمع الأمثال [ ج ١ ] مجمع الأمثال](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4714_majma-alamsal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
