وأما الثاني : فقوله تعالى : (وَالطُّورِ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ) [الطور : ١ ـ ٧].
قال ابن الخطيب : وهذا الوجه يظهر غاية الظهور على قال من قال : «ق» اسم جبل فإن القسم يكون بالجبل والقرآن ، وهناك أقسم بالطور والكتاب المسطور وهو الجبل والقرآن وإن فهم بقرينة حالية فهو كون محمد ـ صلىاللهعليهوسلم ـ على الحق فإن الكفار كانوا ينكرون ذلك (١).
قوله : (بَلْ عَجِبُوا) يقتضي أن يكون هناك أمر مضروب (٢) عنه فما ذلك؟ أجاب الواحدي ووافقه الزمخشريّ أنه تقرير كأنه قال : ما الأمر كما تقولون (٣). قال ابن الخطيب : والتقدير والقرآن المجيد إنك لمنذر ، وكأنه قال بعده : إنهم شكوا فيه. ثم أضرب عنه وقال : بل عجبوا أي فلم يكتفوا بالشك ولا بالردّ حتى عجبوا بل جزموا بالخلاف حتى جعلوا ذلك من الأمور العجيبة.
فإن قيل : فما الحكمة في هذا الاختصار العظيم في موضع واحد حذف المقسم عليه والمضرب عنه ، وأتى بأمر لا يفهم إلا بعد الفكر العظيم ولا يفهم مع الفكر إلا بالتوثيق العزيز؟!.
قال ابن الخطيب : أما حذف المقسم عليه فلأن الترك في بعض المواضع يفهم منه ظهور لا يفهم من الذكر ، لأن من ذكر الملك العظيم في مجلس ، وأثنى عليه يكون قد عظّمه ، فإذا قال له غيره : هو لا يذكر في هذا المجلس يكون بالإرشاد إلى ترك الذكر دالّا على عظمة فوق ما استفيد بذكره فالله (تعالى (٤)) ذكر (٥) المقسم عليه لبيان هو أظهر من أن يذكر. وأما حذف المضرب عنه ، فلأن المضرب عنه إذا ذكر وأضرب عنه بأمر آخر ، وكان بين المذكورين تفاوت ما ، فإذا عظم (٦) التفاوت لا يحسن ذكرهما مع الإضراب ، مثاله يحسن أن يقال : الوزير يعظم ، فلا يماثل الملك بعظمه ، ولا يحسن أن يقال : البواب يعظّم فلا يماثل الملك بعظمه لكون البون بينهما بعيدا ، إذ الإضراب للتدريج ، فإذا ترك المتكلم المضرب عنه صريحا وأتى بحرف الإضراب استفيد منه أمران :
أحدهما : الإشارة إلى أمر آخر قبله مضرب عنه.
__________________
(١) وانظر تفسير الإمام الفخر الرازي ٢٨ / ١٤٨ و ١٤٩.
(٢) كذا في النسختين والأصح كما في الرازي مضرب لأنه من الرباعي.
(٣) قال في الكشاف : إنكار لتعجبهم مما ليس بعجب وهو أن ينذرهم بالخوف. وانظر الكشاف ٤ / ٣ و ٤ والرازي ٢٨ / ١٤٩.
(٤) زيادة من (أ).
(٥) في (ب) وهو الأصحّ ترك.
(٦) في (ب) علم.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٨ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3122_allubab-fi-ulum-alkitab-18%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
