يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ)(٤٥)
قوله تعالى : (كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ) غلب من يعقل على غيره ، وجميعهم مراد.
والضمير في «عليها» للأرض.
قال بعضهم : وإن لم يجر لها ذكر ، كقوله : (حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ) [ص : ٣٦].
ورد هذا بأنه قد تقدم ذكرها في قوله : (وَالْأَرْضَ وَضَعَها).
وقيل : الضمير عائد إلى الجارية.
قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة : هلك أهل الأرض. فنزلت (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) [القصص : ٨٨] فأيقنت الملائكة بالهلاك (١). وقاله مقاتل.
ووجه النعمة في فناء الخلق : التسوية بينهم في الموت.
وقيل : وجه النّعمة أن الموت سبب النّقل إلى دار الجزاء والثواب.
قوله : (وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ) أي ويبقى الله ، فالوجه عبارة عن وجود ذاته سبحانه وتعالى.
قال ابن عباس رضي الله عنهما : الوجه عبارة عنه ، كما قال (وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ).
ويقال : هذا وجه الأمر ، ووجه الصواب ، وعين الصواب ، ومعنى (ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) أي : هو أهل لأن يكرم ، وهذا خطاب مع كل سامع.
وقيل : خطاب للنبي صلىاللهعليهوسلم (٢).
فإن قيل : كيف خاطب الاثنين بقوله : (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما).
وخاطب ها هنا الواحد فقال : (وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ) ، ولم يقل : «وجه ربّكما»؟.
فالجواب (٣) : أن الإشارة ها هنا وقعت إلى فناء كل أحد ، فقال : (وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ) أيها السامع ليعلم كل أحد أن غيره فان ، فلو قال : ويبقى وجه ربكما ، لكان كل أحد يخرج نفسه ، ورفيقه المخاطب عن الفناء.
فإن قيل : فلو قال : «ويبقى وجه الرّب» من غير خطاب ، كان أدلّ على فناء الكل؟.
فالجواب : إن كان الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف ، والإبقاء إشارة إلى القهر ، والموضع موضع بيان اللطف ، وتعديد النعم ، فلهذا قال : بلفظ الرب وكاف الخطاب (٤).
__________________
(١) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥ / ٢٦٧) وعزاه إلى ابن أبي حاتم في «تفسيره» عن مقاتل.
(٢) ينظر : البحر المحيط ٨ / ١٩١.
(٣) ينظر : تفسير الرازي ٢٩ / ٩٤.
(٤) ينظر : الرازي ٢٩ / ٩٥.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٨ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3122_allubab-fi-ulum-alkitab-18%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
