إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ، قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ)(١) قال : فجعل جبريل يردد ذلك عليها ، وتقول (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ) قال : وتغفلها (٢) جبريل فنفخ في جيب درعها ، ونهض عنها فاستمر بها حملها فقالت : إن خرجت نحو المغرب فالقوم يصلون نحو المغرب ، ولكن أخرج نحو المشرق ، فبينا هي تمشي إذ فاجأها (٣) المخاض فنظرت : هل تجد شيئا تستتر به فلم تجد إلا جذع النخلة ، فقالت : أستتر بهذا الجذع من الناس ، وكان تحت الجذع نهر يجري ، فانضمت إلى النخلة ، فلما وضعته خرّ كلّ شيء يعبد من دون الله في مشارق الأرض ومغاربها ساجدا لوجهه ، وفزع إبليس فخرج ، فصعد ، فلم ير شيئا ينكره ، وأتى المشرق فلم ير شيئا ينكره ، ودخل الأرض فلم ير شيئا ينكره ، وجعل لا يصبر ، فأتى المغرب لينظر فلم ير شيئا ينكره ، وجعل لا يصبر ، فبينا هو يطوف إذ مر بالنخلة ، فإذا هو بامرأة معها غلام قد ولدته ، وإذا الملائكة قد أحدقوا بها وبابنها وبالنخلة. فقال : هاهنا حدث الأمر. فمال إليهم فقال : أي شيء هذا الذي حدث؟ فكلمته الملائكة فقالوا : نبي ولد بغير ذكر ، فقال : نبي ولد بغير ذكر؟ قالوا : نعم ، قال : أما والله لأضلنّ به أكثر العالمين ، أضلّ اليهود فكفروا به ، وأضلّ النصارى فقالوا : هو ابن الله ، قال : وناداها ملك من تحتها (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا)(٤) قال أبو الحسن : والسري هو النهر بكلام أهل اليمن.
قال : قال إبليس ، ما حملت أنثى إلا بعلمي ولا وضعته إلّا على كفي ، ليس هذا الغلام ، لم أعلم به حين حملته أمه ، ولم أعلم به حين وضعته.
أخبرنا أبو القاسم بن السّمرقندي ، أنا أبو الحسين بن النقور ، أنا عيسى بن علي ، أنا أبو القاسم البغوي ، نا داود بن (٥) عمرو ، نا مسلم بن خالد ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : (كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً)(٦) قال : وجد عند مريم عنبا في غير زمانه.
__________________
(١) سورة مريم ، الآيات ١٨ ـ ٢١.
(٢) تغفلها جبريل : تحين غفلتها.
(٣) كذا بالأصل و «ز» ، وفي المختصر والمطبوعة : فجئها ، وفجئه الأمر وفجأه وفاجأه : هجم عليه من غير أن يشعر به (تاج العروس : فجأ).
(٤) سورة مريم ، الآية : ٢٤.
(٥) تحرفت بالأصل إلى : عن ، والمثبت عن «ز».
(٦) سورة آل عمران ، الآية : ٣٧.
![تاريخ مدينة دمشق [ ج ٧٠ ] تاريخ مدينة دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2571_tarikh-madina-damishq-70%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
