إنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيتك أخذته على الرجال ، فقد أعطيناكه ، فقال النبي صلىاللهعليهوسلم : «ولا تسرقن» فقالت : والله إنّي لأصيب من مال أبي سفيان هنات ، فما أدري أيحلّهن لي أم لا؟ فقال أبو سفيان : نعم ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر فهو لك حلال ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «وإنك لهند بنت عتبة؟» قالت : نعم ، فاعف عما سلف عفا الله عنك ، قال : «ولا تزنين» قالت (١) : فهل تزني الحرة؟ ثم قال : «ولا تقتلن أولادكن» (٢) قالت : ربيناهم صغارا وقتلتموهم كبارا ، وأنت أعلم وهم ، فضحك عمر حتى استلقى ، ويقال : إن رسول الله صلىاللهعليهوسلم ضحك من قولها ثم قال : «ولا يأتين ببهتان يفترينه (٣) بين أيديهن وأرجلهن» والبهتان : أن تقذف المرأة ولدا من غير زوجها ، على زوجها ، لتقول لزوجها هو منك وليس منه ، قالت : والله إن البهتان لقبيح ، وبعض التجاوز أمثل ، وما تأمرنا إلّا بالرشد ومكارم الأخلاق ، ثم قال : (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ) ، يعني في طاعة الله ، فيما نهى النبي صلىاللهعليهوسلم عنه من النوح ، وتمزيق الثياب ، وأن تخلو مع غريب في حضر أو سفر ، أو تسافر فوق ثلاثة أيام إلّا مع ذي محرم ، ونحو ذلك ، قالت هند : ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء ، فأقرّ النسوة بما أخذ عليهن النبي صلىاللهعليهوسلم ، ثم بعث عمر بن الخطاب فبايعهن واستغفر لهن النبي صلىاللهعليهوسلم فذلك قوله : (وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ) لما كان في الشرك منهن ، (رَحِيمٌ)(٤) فيما بقي.
أنبأنا أبو طاهر أحمد بن محمّد ، وأبو الفضل محمّد بن ناصر بن علي ، وجماعة قالوا : أنا أبو الفضل محمّد بن عبد السلام بن أحمد الأنصاري ، أنا الحسن بن أحمد بن إبراهيم ، أنا الحسن بن محمّد (٥) بن كيسان النحوي ، نا إسماعيل بن إسحاق القاضي ، نا محمّد بن أبي بكر ، نا سعيد بن عامر ، عن جويرية قال :
قال النبي صلىاللهعليهوسلم لهند يوم الفتح : «كيف ترين الإسلام؟» قالت : بأبي وأمي ، ما أحسنه لو لا ثلاث خصال : التجبية (٦) والخمار ، وزقوّ (٧) هذا العبد الأسود فوق الكعبة ، فقال : «أما قولك
__________________
(١) بالأصل و «ز» : قال.
(٢) بالأصل : «يقتلن أولادهن» والمثبت عن «ز».
(٣) في «ز» : ولا تأتين ببهتان تفترينه.
(٤) سورة الممتحنة ، الآية : ١٢.
(٥) في «ز» : «أحمد» وكتب فوقها : محمد.
(٦) بالأصل و «ز» : «التحبية» والصواب ما أثبت ، والتجبية وهو وضع اليدين على الركبتين في الصلاة ، أو على الأرض. وأراد هنا الركوع (راجع اللسان : جبى).
(٧) بالأصل : زفو ، والمثبت عن «ز» ، والزقو : الصياح. ولعلها أرادت الأذان وصوت بلال يرفع الأذان.
![تاريخ مدينة دمشق [ ج ٧٠ ] تاريخ مدينة دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2571_tarikh-madina-damishq-70%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
