الخيزران فقالت : من ترين؟ فقلت : أدخليها فإنه لا بد من فائدة أو ثواب. فدخلت امرأة كأجمل النساء وأكملهن لا تتوارى ، فوقفت إلى جانب عضادة الباب (١) ، فسلمت متضائلة ، ثم قالت : أنا مرية بنت مروان بن محمّد الأموي ، فقالت زينب : وكنت متكئة واستويت جالسة ، فقلت : مرية فإياك لا حيا الله ، ولا قرّبك ، فالحمد لله الذي أزال نعمتك ، وهتك سترك ، ولذلك تذكرين يا عدوّة الله حين أتاك عجائز أهل بيتي يسألنك (٢) أن تكلمي صاحبك في الإذن لي في الدفن لإبراهيم بن محمّد ، فوثبت عليهن ، وأسمعتهن (٣) ما أسمعت ، وأمرت بإخراجهن ، فأخرجن على الجهة التي أخرجن عليها؟
قال : فضحكت. فما أنسى حسن ثغرها ، وعلو صرّتها (٤) بالقهقهة ، ثم قالت : إي بنت عم ، أي شيء أعجبك من حسن صنيع الله لي على العقوق حتى أردت أن تتأسى في فيه؟ الله إني فعلت بنساء من أهل بيتك ما فعلت. فأسلمني الله إليك ذليلة ، جائعة ، عريانة ، فكان هذا مقدار شكرك الله على ما أولاك بي؟! ثم قالت : السّلام عليكم ، وولّت ، فصاحت بها الخيزران : ليس هذا لك ، عليّ استأذنت ، وإليّ قصدت فما ذنبي؟ فرجعت وقالت : لعمري ، لقد صدقت يا أخية ، وكان مما ردني إليك ما أنا عليه من الضرّ والجهد ، قالت زينب : فنهضت إليها الخيزران لتعانقها فقالت : ما فيّ لذلك موضع مع الحال التي أنا عليها ، قال : فقالت لها الخيزران : فالحمام إذا ، وأمرت جماعة من جواريها بالدخول معها إلى الحمام وتنظيفها ، فدخلت فطلبت ماشطة ترمي ما على وجهها من الشعر ، فخرجت جارية من جواري الخيزران وهي تضحك ، فقالت لها الخيزران : ما يضحكك؟ قالت : أضحك يا سيدتي من هذه المرأة ومن تحكّمها علينا ، وانتهارها لنا ؛ فإنها تفعل من ذلك فعلا ما تفعلينه أنت ، فلم تزل حتى خرجت من الحمام ، فوافتها الخلع (٥) والطيب ، فأخذت من الثياب ما أرادت ، ثم تطيبت وخرجت إلينا. فعانقتها الخيزران ، وأجلستها في الموضع الذي يجلس فيه أمير المؤمنين المهدي ، إذا دخل. فقالت لها الخيزران هل لك في الطعام؟ فإنا لم نطعم [بعد](٦) فقالت : والله ما فيكن أحد أحوج إليه مني ، فعجلوه ، فأتي بالمائدة ؛ فجعلت تأكل
__________________
(١) عضادة الباب : جانب العتبة منه.
(٢) بالأصل : يسلنك.
(٣) بالأصل : وأسمعتيهن.
(٤) في المختصر : صوتها. والصرة : بالكسر ، أشد الصياح (القاموس).
(٥) الخلع واحدتها خلعة ، وهي ما يخلع على الإنسان ، وخيار المال (القاموس).
(٦) استدركت عن هامش الأصل ، وبعدها صح.
![تاريخ مدينة دمشق [ ج ٧٠ ] تاريخ مدينة دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2571_tarikh-madina-damishq-70%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
