ويوجهه للبحث عنها ومعرفة حقيقتها ، وظاهره يبرّر تفسيرات لها من خلال ما يسمع من الناس ، أو يفسره العلماء من أجل إخمادها وطيّها والمرور عنها ، وبالرغم من عدم القناعة ، ولأنّه لا يملك إجابة غير التي تُملى عليه من محيطه ، فإنّ نداء الحقيقة الباطني يسكت ليثور مرّة أخرى مذكّراً بتواجده ملفتاً النظر إليه ، وفي كلّ مرة يثور فيها تكون ثورته أكبر من التي سبقتها ، ولكنّ المشكلة أنّه لا جواب يشفي صدر المستبصر ، فيدخل في حيرة تمنحه في كلّ مرّة دوافع أقوى وبشكل أوسع من أجل الوصول إلى الحقيقة والحصول على الأجوبة الشافية المقنعة لكلّ نداءات الحقيقة ؛ ولذلك كان هذا الصراع في حياة المؤمن المستبصر قبل استكشاف الحقيقة بتمامها هو عمليّة تمهيد خلال سنوات طويلة ، وإعداد نفسيّ عظيم من أجل قبول الحقّ والحقيقة والتمسّك بها بقوّة بعد الرحلة الطويلة في البحث عنها ، وعند الإمساك بها واعتناقها تكون رحلة الاستكشاف قد انتهت ، وبدأت رحلة جديدة في حياة المستبصر ، وهي رحلة ذات مقاييس جديدة تتحدّث عن إنسان تائه في صحراء كبيرة انقطعت عنه فيها كلّ مقومات الحياة ، وإذا به ينتقل إلى واحة خضراء فيها كلّ ما يتمنّاه للحياة الإيمانيّة الآمنة المطمئنّة.
حاول عزيزي القارئ
أنْ تستشعر كلّ تلك المعاناة ، وكلّ ذلك الوقت الذي مرّ في حياة الضياع والغياب عن الحقيقة وحاول أنْ تستشعر لحظة اكتشافها وتجلّي نورها ، حاول أنْ تستشعر لحظات السرور العظيم والفرح الغامر ، ولحظات الزمن الماضي والندم على ما ذهب منه ضياعاً ، ولاحظ كلّ تلك المشاعر المختلطة والتي تبدو متناقضة ومتداخلة في بعضها ، وما ينتج بعدها من انفعالات وسلوك جديد موافق للحقّ الذي استبصره ومناقض تماماً للمحيط الذي يعيش فيه ، حيث يعيش بين سرور الاستبصار واعتناق الحقيقة وعشقها ، وبين الواقع الحزين المؤلم للمحيط ، حيث لا يجد من يشاركه
