فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ، المسجد الحرام ، ومسجد الرسول صلىاللهعليهوسلم ، ومسجد الأقصى (١).
هذا الحديث استنبط منه علماء أهل السنّة ومنهم ابن تيمية ، عشرات الأحكام المتناقضة ، أذكر لك بعضاً منها.
قال ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري : وفي هذا الحديث فضيلة هذه المساجد ومزيّتها على غيرها ، لكونها مساجد الأنبياء ، ولأنّ الأوّل قبلة الناس وإليه حجّهم ، والثاني كان قبلة الأمم السالفة ، والثالث أسّس على التقوى. واختلف في شدّ الرحال إلى غيرها كالذهاب إلى زيارة الصالحين أحياء وأمواتاً ، وإلى المواضع الفاضلة لقصد التبرّك بها والصلاة فيها ، فقال الشيخ أبو محمد الجويني : يحرم شدّ الرحال إلى غيرها عملاً بظاهر هذا الحديث ، وأشار القاضي حسين إلى اختياره ، وبه قال عياض وطائفة ، ويدلّ عليه ما رواه أصحاب السنن من إنكار بصرة الغفاري على أبي هريرة خروجه إلى الطور ، وقال له : لو أدركتك قبل أنْ تخرج ما خرجت. واستدلّ بهذا الحديث ، فدلّ على أنّه يرى حمل الحديث على عمومه ، ووافقه أبو هريرة.
(لاحظ عزيزي القارئ أنّ أبا هريرة هو الذي يروي الحديث ، ثمّ يقوم بمخالفته ، بزيارته لمسجد الطور وشدّ الرحال إليه من أجل الصلاة فيه والتبرّك به ، وهذا تناقض واضح وفاضح ، ألم يكن أبو هريرة مقتنعاً بما روى عن رسول الله). ويضيف ابن حجر قائلاً :
__________________
(١) صحيح البخاري ٢ : ٥٦ ، صحيح مسلم ٤ : ١٢٦ باختلاف يسير في اللفظ.
