بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ) (١).
وسبب نزول هذه الآية وهو كما ذكره البخاري في صحيحه ، في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة ، عن ابن أبي مليكة قال : كاد الخيِّران أن يهلكا : أبو بكر وعمر ، لمّا قدم على النبيّ صلىاللهعليهوسلم وفد بني تميم ، أشار أحدهما بالأقرع ابن حابس الحنظلي أخي بني مجاشع ، وأشار الآخر بغيره ، فقال أبو بكر لعمر : إنّما أردتَ خلافي ، فقال عمر : ما أردتُ خلافك ، فارتفعت أصواتهما عند النبي صلىاللهعليهوسلم فنزلت : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ) ـ إلى قوله ـ ( عَظِيمٌ ) (٢) (٣).
إذن فرفع الصوت والصراخ والمماراة وترك الاستماع لرسول الله وعدم احترام مجلسه ومعاملته كمعاملة الناس بعضهم لبعض كلّها من الأفعال التي لا تجوز ، وهي محبطة للأعمال وموجبة للخسران المبين. ولكن الرواية الآنفة الذكر تخالف الآية ، وتُظهر أنّ هذا الأمر المحبط للأعمال أمر طبيعيّ وليس فيه شيء ، وربّما يعتبره البعض في زماننا هذا نوع من الديمقراطية النبويّة. ولكنّ وضاعي الحديث قصدوا أكثر من ذلك ، فهي إشارة إلى أنّ عدم احترام شخص رسول الله ومجلسه وكلامه ورفع الصوت عنده أمر مشروع ؛ لأنّه إنسان عادي مثله مثلهم ، وهذا ما يبرّر صراخ أبي بكر وعمر في سبب نزول الآية ، ثمّ يبرّر حوادث أخرى لهما ولغيرهما ، بل وربّما تحول الصراخ واللغط عند رسول الله إلى فضيلة للصارخ ، وهو ما اعتبره رواة الحديث ومن جاء بعدهم من علماء أهل السنّة والجماعة وتلقّاه العامّة بالرضا والقبول.
__________________
(١) الحجرات : ٢.
(٢) الحجرات : ٢ ـ ٣.
(٣) صحيح البخاري ٨ : ١٤٥ ، مسند أحمد ٤ : ٦.
