وتبقى حاجة عمر إلى ابن عباس لكفاءته العلمية وقابليته على تسديده حتى اعترف هو له بذلك ، وأخذ ذلك الجاحظ فقال في رسالة نفي التشبيه : «ولو لم يعرف ـ عمر ـ ذلك ـ نفي التشبيه ـ إلّا بعبد الله بن العباس وحده كان ذلك كافياً ، وبرهاناً شافياً ، فإن الأعجوبة فيه أربت على كلّ عجب ، وقطعت كلّ سبب ، وقد رأيتم حاجة عمر إليه ، واستشارته إياه ، وتقويمه لعثمان وتغييره عليه. ولو لم يكن للفضيلة من بين أقرانه مستحقاً ، وبها مخصوصاً ما خصّه الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم بالدعوة المستجابة ، ولما خصّه بعلم الكتاب والسنّة ، وهما أرفع العلم وأشرف الفكر. ويدلك على تقديمه للغاية ، وايثاره للتعلم والإستبانة قوله حين قيل له في حداثته وقبل البلوغ في سنّه : ما الّذي آتاك هذا العلم وهذا البيان والفهم ؟ قال : قلب عقول ولسان سؤول»(١).
لذلك لا عجب أن اتخذ له مجالس شورى من الصحابة من أهل بدر يسألهم عندما تضيق به السُبل ، وتتوالى عليه العُضل. ولما كان أولئك الصحابة لم يكونوا كلهم كما ينبغي ، كان عليه أن يختار منهم من يثق بعلمه وفهمه فيختصه ليكون عنده ومعه في غالب أوقاته حضراً وسفراً. فكان ذلك هو ابن عباس فلم يرَ مانعاً من تقريبه ، على ما بينهما من إختلاف في الرأي في مسألة الخلافة. وتفاوت في الأخلاق من الفظاظة إلى الوداعة.
ولعل هناك جانباً آخر كان له حسابه في نفس عمر فهو يرى في تقريبه لابن عباس إجراء فيه تطييب لقلوب الهاشميين ونحو تخفيف لما في نفوسهم من معاناة فوت الخلافة ، وعلى كلّ تقدير فهو إجراء فيه حنكة سياسية لا تخلو من أثر فاعل.
_________________________
(١) رسائل الجاحظ ١ / ٣٠٠ تحـ عبد السلام محمّد هارون.
![موسوعة عبد الله بن عبّاس [ ج ٢ ] موسوعة عبد الله بن عبّاس](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1165_mosoa-abdollahebnabbas-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

