مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ)(١) ، فأيّ مانع لهم من التفكير في السُبل الّتي تضمن لهم أحتجان الأمر من بعده ، فقدّروا ودبّروا ـ والآن فقل وتآمروا ـ لذلك تحيّنوا الفرص وتربّصوا ، فبدأوا يصارحونه بالخلاف وجهاً لوجه ، وبدت مواقفهم تتكشف شيئاً فشيئاً.
وخذ على ذلك شاهداً قضية بعث اُسامة ، حيث أمره صلىاللهعليهوآلهوسلم أن يخرج أميراً على جيش إلى مؤتة وسمّى أشخاصاً بأعيانهم للخروج في جيشه كان منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص واسيد بن حضير وبشر بن سعد والزبير بن العوام(٢). لكنهم لم يخرجوا ولم يستجيبوا لأمره ، وصعد المنبر يخطب في المسلمين قائلا : (نفّذوا جيش اُسامة ، لعن الله من تخلّف عن جيش اُسامة)(٣). فمهما كانت نوايا الذين كانوا يتملصون من الخروج بأعذار فلم يقبلها منهم صلىاللهعليهوآلهوسلم وسكت على مضض. لذلك أراد صلىاللهعليهوآلهوسلم أن يكبح جماح تلك
_________________________
(١) المائدة / ٦٧.
(٢) راجع طبقات ابن سعد ٢ ق ٢ / ٤١ ط ليدن ، ومهذب تاريخ ابن عساكر لابن بدران الدمشقي ٢ / ٣٩١ في ترجمة اُسامة ، وشرح النهج لابن أبي الحديد ١ / ٥٣ و ٢ / ٢٠ و ٤٥٩ و ٤ / ١٧٣ ، ومقدمة الملل والنحل للشهرستاني ، وشرح المواقف في أول تذييل المواقف نقلاً عن الترمذي ، ونقل بعضهم ذلك عن البلاذري وغيره.
وقد علّق الدكتور صبحي الصالح على اللعن في كتابه النظم الإسلامية نشأتها وتطوّرها / ٧٩ ط دار العلم للملايين ، فقال : وكان الرسول عليهالسلام كان يستشف حجب الغيب ويدرك ما يكون من أمر المسلمين لو تهاونوا في مثل هذا الأمر الخطير ، فهو أمر ترتب عليه نتائج حاسمة في علاقات المسلمين بالدول الأجنبية ، لذلك لم يستنكف أن يستخدم عبارة (اللعن) ولكن هل أستجاب القوم أستجابة متماثلة ؟
لقد تخلف عن الغزوة قوم ورغب فيها آخرون ـ ثم حكى مقالة الفريقين نقلاً عن الشهرستاني ـ وقال : ولقد يخيّل إلى كثير من مؤرخي الفكر الإسلامي أن لا ضير فيما قالته الفئة المتخلفة ... ولكن مجرد إقدامهم على التخلف قد يعدّ دون شك ثغرة من الثغرات لا ندري من أي مكان أتوها. ونحن أيضاً نقول له :
|
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة |
وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم |
(٣) المصدر السابق.
![موسوعة عبد الله بن عبّاس [ ج ٢ ] موسوعة عبد الله بن عبّاس](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1165_mosoa-abdollahebnabbas-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

