التوديع ـ كانت تَجاوَزتْ حُدودَ الوَصْف والبَيان .
فالأحزانُ قد بَلَغتْ مُنتهاها ، والقَلَق والاضطرابُ قد بَلَغَ أشُدَّه ، والعواطفُ قد هاجتْ هَيَجان البحار المُتلاطمة ، والدُموع مُتواصلة تَتَهاطَل كالمطَر ، وأصواتُ البكاء لا تَنقطع ، والقلوبُ مُلْتَهبة ، بل مُشْتَعلة ، والهُموم والغُموم مُتراكمة مِثْلَ تَراكُم الغُيوم .
فَبَعْد أنْ قُتِلَ جميعُ أصحاب الإمام الحسين ( عليه السلام ) وبَنو هاشم ، ولَمْ يَبْق مِن الرجال أحَد ، عَزَم الإمامُ علىٰ لِقاء الله تعالىٰ ، وعلىٰ مُلاقاة الأعداء بِنَفْسه المقدّسة ، فأقبَلَ إلى المُخيّم للوداع ، ونادىٰ : « يا سُكينة ويا فاطمة ، يا زينبُ ويا أُمّ كلثوم : عليكُنَّ مِنّي السَلام ، فهذا آخِرُ الإجتماع ، وقد قَرُبَ مِنكُنَّ الإفْتِجاعَ » !
فَعَلَتْ أصواتُهنَّ بالبُكاء ، وصِحْنَ : الوداع . . الوداع ، الفِراق . . الفِراق ، فجاءَتْه عَزيزتُه سُكينة وقالتْ : يا أبَتاه إسْتَسْلَمْتَ لِلْمَوت ؟ فإلىٰ مَن أتّكلَ ؟
فَقال لَها : « يا نورَ عَيني كيف لا يَسْتَسْلمُ للموت مَن لا ناصِرَ له ولا مُعين ، ورَحمةُ الله ونُصرَتُه لا تُفارقكم في الدنيا والآخرة ، فاصْبِري علىٰ قَضاء الله ولا تَشْكَيْ ، فإنّ الدنيا فانِية ، والآخرة باقية » .
قالت : أبَه رَدُّنا إلى حَرَم جَدّنا رسولِ الله ؟
