الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: قلم
الطبعة: ١
الصفحات: ٧١٦
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

الأشتريّ ، إجازةً في سنة إحدىٰ وسبعين وستمائة بروايته عن والده ، قال : أخبرني الإمام مجدالدين أبو القاسم عبدالله بن محمد القزويني ، قال : أنبأنا جمال السنّة أبو عبدالله محمد بن حمّويه بن محمد الجويني ، قال : أنبأنا جمال الإسلام أبو المحاسن عليّ ابن شيخ الإسلام الفضل بن محمد الفارندي ، قال : أنبأنا الإمام عبدالله بن عليّ شيخ وقته المشار إليه في الطريقة ومقدَّم أهل الإسلام في الشريعة ، قال : نبّأنا أبو الحسن عليّ بن محمد بن بندار القزوينيّ بمكّة نبّأنا عليّ بن عمر بن محمد الحبري قراءة عليه ، نبّأنا محمد بن عبيدة القاضي ، نبّأنا إبراهيم بن الحجّاج ، نبّأنا حمّاد عن عليِّ بن زيد وأبي هارون العبدي ، عن عديّ بن ثابت ، عن البراء بن عازب ، قال :

أقبلنا مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم في حجّة الوداع ، حتىٰ إذا كنّا بغدير خُمّ ، فنادىٰ فينا : الصلاة جامعة ، وكُسِح للنبيّ تحت شجرتين ، فأخذ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بيد عليّ ، وقال :

«ألست أولىٰ بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا : بلىٰ. قال ألستُ أولىٰ بكلّ مؤمن من نفسه ؟ قالوا : بلىٰ. قال : أليس أزواجي أمّهاتِهم ؟ قالوا : بلىٰ.

فقال رسول الله : فإنَّ هذا مولىٰ من أنا مولاه ، أللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه».

ولقيه عمر بن الخطّاب بعد ذلك ، فقال له : هنيئاً لك يا ابن أبي طالب ، أصبحتَ وأمسيتَ مولىٰ كلّ مؤمن ومؤمنة.

ثمّ قال : أورده الإمام الحافظ شيخ السنّة أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقيّ في فضائل أمير المؤمنين عليّ رضي‌الله‌عنه ونقلتُهُ من خطّه المبارك.

وقال : أخبرنا الشيخ الإمام عماد الدين عبدالحافظ بن بدران بن شبل بن طرحان المقدسيّ ، بقراءتي عليه بمدينة نابلس ، والشيخ الصالح محمد بن عبدالله الأنصاريّ الحَرَسْتاني(١) إجازةً ، بروايته عن أبي عبدالله محمد بن الفضل الفراوي إذناً ،

___________________________________

(١) نسبة إلىٰ حَرَسْتا ـ بالتحريك وسكون السين ـ : قرية علىٰ نحو فرسخ من دمشق [معجم البلدان : ٢ / ٢٤١]. (المؤلف)

٥٢١

بروايته عن الشيخ الإمام أبي بكر أحمد بن الحسين ، قال : أنبأنا عليّ بن أحمد بن عبيد ، قال : نبّأنا أحمد بن سليمان المؤدّب ، قال : حدّثنا عثمان ، قال : حدّثنا زيد بن الحباب ، قال : حدّثنا حمّاد بن سلمة ، عن عليّ بن زيد بن جدعان ، عن عديِّ بن ثابت ، عن البراء ، قال : أقبلنا مع رسول الله ... (١) الحديث.

٣٣ ـ نظام الدين القميّ ، النيسابوريّ :

مرت روايته بلفظ أبي سعيد الخُدريّ (ص ٢٢١).

٣٤ ـ وليّ الدين الخطيب :

أخرج في مشكاة المصابيح(٢) ـ المؤلَّف سنة (٧٣٧) ـ (ص ٥٥٧) بطريق أحمد عن البراء بن عازب وزيد بن أرقم بلفظه المذكور ص (٢٧٢).

٣٥ ـ جمال الدين الزرنديّ ، المدنيّ : المتوفّىٰ سنة بضع وخمسين وسبعمائة.

رواه في كتابه نظم درر السمطين(٣) من طريق الحافظ أبي بكر البيهقيّ بإسناده عن البراء بن عازب باللفظ المذكور عن الحمّوئي ، وفيه : حتىٰ إذا كنّا بغدير خُمّ يوم الخميس ثامن عشر من ذي الحجّة ، فنودي فينا : الصلاة جامعة ...

٣٦ ـ أبو الفدا إسماعيل بن كثير الشاميّ ، الشافعيّ : المتوفّىٰ (٧٤٤).

روىٰ في كتابه البداية والنهاية(٤) (٥ / ٢٠٩ ـ ٢١٠) بلفظ أحمد بن حنبل عن البراء بن عازب من طريق الحافظين أبي يعلى الموصليّ والحسن بن سفيان المذكورين ، وعن البراء ـ أيضاً ـ من طريق ابن جرير ، عن أبي زرعة ، عن موسى بن إسماعيل المنقري ، عن حمّاد بن سلمة ، عن عليّ بن زيد وأبي هارون العبدي ، عن

___________________________________

(١) فرائد السمطين : ١ / ٦٤ ح ٣٠ ، ص ٦٥ ح ٣١.

(٢) مشكاة المصابيح : ٣ / ٣٦٠ ح ٦١٠٣.

(٣) نظم درر السمطين : ص ١٠٩.

(٤) البداية والنهاية : ٥ / ٢٢٩ ، ٢٣٢ حوادث سنة ١٠ ه‍.

٥٢٢

عديّ بن ثابت ، عن البراء ، ومن حديث موسى بن عثمان الحضرمي عن أبي إسحاق السبيعي ، عن البراء وزيد بن أرقم ، وأخرج في (ص ٢١٢) عن أبي هريرة بلفظ الخطيب البغداديّ.

٣٧ ـ تقيّ الدين المقريزيّ ، المصريّ : المتوفّىٰ (٨٤٥).

ذكره في الخطط(١) (٢ / ٢٢٣) بطريق أحمد عن البراء بن عازب بلفظه المذكور.

٣٨ ـ نور الدين بن الصبّاغ المالكيّ ، المكّيّ : المتوفّىٰ (٨٥٥).

حكاه في الفصول المهمّة(٢) (ص ٢٥) عن أحمد والحافظ البيهقي ، عن البراء بن عازب بلفظهما المذكور.

٣٩ ـ القاضي نجم الدين الأذرعيّ ، الشافعيّ : المتوفّىٰ (٨٧٦).

قال في بديع المعاني (ص ٧٥) : وقد ورد أنَّ عمر بن الخطّاب رضي‌الله‌عنه حين سمع قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه» ، قال لعليٍّ رضي‌الله‌عنه : هنيئاً لك أصبحت مولىٰ كلّ مؤمن ومؤمنة.

٤٠ ـ كمال الدين الميبُذي :

ذكر في شرح الديوان المعزوّ إلىٰ أمير المؤمنين (ص ٤٠٦) حديث أحمد عن البراء بن عازب وزيد بن أرقم بلفظه المذكور.

٤١ ـ جلال الدين السيوطي : المتوفّىٰ (٩١١). رواه في جمع الجوامع ، كما في كنز العمّال(٣) (٦ / ٣٩٧) نقلاً عن الحافظ ابن أبي شيبة بلفظه المذكور (ص ٢٧٢).

٤٢ ـ نور الدين السمهوديّ ، المدنيّ ، الشافعيّ : المتوفّىٰ (٩١١).

___________________________________

(١) الخطط : ١ / ٣٨٨.

(٢) الفصول المهمّة : ص ٤٠.

(٣) كنز العمّال : ١٣ / ١٣٣ ح ٣٦٤٢٠.

٥٢٣

رواه في كتابه ـ وفاء الوفا بأخبار دار المصطفىٰ(١) (٢ / ١٧٣) ، نقلاً عن أحمد بطريقه عن البراء وزيد.

٤٣ ـ أبو العبّاس شهاب الدين القسطلانيّ : المتوفّىٰ (٩٢٣).

قال في المواهب اللدنيّة(٢) (٢ / ١٣) ـ في معنى المولىٰ ، وقولِ عمر : أصبحت مولىٰ كلِّ مؤمن ـ : أي وليّ كلِّ مؤمن.

٤٤ ـ السيّد عبدالوهاب الحسينيّ ، البخاريّ : المتوفّىٰ (٩٣٢).

مرّ لفظه (ص ٢٢١).

٤٥ ـ ابن حجر الهيتميّ : المتوفّىٰ (٩٧٣).

قال في الصواعق المحرقة(٣) (ص ٢٦) في مفاد الحديث : سلّمنا أنَّه أولىٰ ، لكن لا نسلِّم أنَّ المراد أنَّه أولىٰ بالإمامة ، بل بالاتّباع والقرب منه ... إلىٰ أن قال : وهو الذي فهمه(٤) أبو بكر وعمر ـ وناهيك بهما ـ من الحديث ؛ فإنّهما لمّا سمعاه قالا له : أمسيت يا ابن أبي طالب مولىٰ كلِّ مؤمن ومؤمنة. أخرجه الدارقطني.

٤٦ ـ السيِّد عليّ بن شهاب الدين الهمدانيّ :

رواه في مودّة القربىٰ(٥) بلفظ البراء.

٤٧ ـ السيِّد محمود الشيخاني ، القادريّ ، المدنيّ :

قال في كتابه ـ الصراط السويِّ في مناقب آل النبيّ ـ : أخرج أبو يعلىٰ والحسن ابن سفيان في مسنديهما عن البراء بن عازب رضي‌الله‌عنه قال : كنّا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في حجّة

___________________________________

(١) وفاء الوفا بأخبار دار المصطفىٰ : ٣ / ١٠١٨.

(٢) المواهب اللدنيّة : ٣ / ٣٦٥.

(٣) الصواعق المحرقة : ص ٤٤.

(٤) ستقف علىٰ حقّ القول في المفاد ، وأنَّ الملأ الحضور ما فهم إلّا ماترتئيه الإمامية. (المؤلف)

(٥) اُنظر : المودّة الخامسة.

٥٢٤

الوداع ... إلىٰ آخر اللفظ المذكور عنهما.

ثمّ قال : قال الحافظ الذهبي : هذا حديثٌ حسنٌ اتّفق علىٰ ما ذكرنا جمهور أهل السنّة. انتهىٰ.

ثمّ قال : في بيان ما هو الصحيح من خطبة الغدير : والصحيح ممّا ذكرنا ـ أيضاً ـ قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ألستُ أولىٰ بكلِّ مؤمن من نفسه ؟ قالوا : بلىٰ.

قال : فإنّ هذا مولىٰ من كنتُ مولاه ، أللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه» فلقيه عمر رضي‌الله‌عنه فقال : هنيئاً لك أصبحت وأمسيت مولىٰ كلِّ مؤمن ومؤمنة. انتهىٰ ما هو الصحيح والحسان ، وليس في ذلك من مخترعات المدّعي ومفترياته ...

يأتي تمام كلامه في الكلمات حول سند الحديث.

٤٨ ـ شمس الدين المناويّ ، الشافعيّ : المتوفّىٰ (١٠٣١).

قال في فيض القدير (٦ / ٢١٨) : لمّا سمع أبو بكر وعمر ذلك ـ حديث الولاية ـ قالا فيما أخرجه الدارقطني عن سعد بن أبي وقّاص : أمسيت يا ابن أبي طالب مولىٰ كلِّ مؤمن ومؤمنة.

٤٩ ـ الشيخ أحمد باكثير المكيّ ، الشافعيّ : المتوفّىٰ (١٠٤٧).

رواه في وسيلة المآل في عدِّ مناقب الآل(١) بلفظ البراء بن عازب.

٥٠ ـ أبو عبدالله الزرقانيّ ، المالكيّ : المتوفّىٰ (١١٢٢).

قال في شرح المواهب (٧ / ١٣) : روى الدارقطني عن سعد قال : لمّا سمع أبو بكر وعمر ذلك قالا : أمسيت يا ابن أبي طالب مولىٰ كلِّ مؤمن ومؤمنة.

٥١ ـ حسام الدين بن محمد بايزيد السهارنپوريّ :

ذكره في مرافض الروافض بلفظ مرَّ (ص ١٤٣).

___________________________________

(١) وسيلة المآل : ص ١١٧.

٥٢٥

٥٢ ـ ميرزا محمد البَدَخشانيّ :

ذكره في كتابيه ـ مفتاح النجا في مناقب آل العبا(١) ونُزُل الأبرار بما صحّ في أهل البيت الأطهار(٢) ـ عن البراء وزيد من طريق أحمد.

٥٣ ـ الشيخ محمد صدرالعالم :

ذكره في معارج العلىٰ في مناقب المرتضىٰ من طريق أحمد عن البراء وزيد.

٥٤ ـ أبو وليّ الله أحمد العمريّ ، الدهلويّ : المتوفّىٰ (١١٧٦).

مرّ لفظه (ص ١٤٤).

٥٥ ـ السيِّد محمد الصنعانيّ : المتوفّىٰ (١١٨٢).

ذكر في الروضة النديّة شرح التحفة العلويّة(٣) عن محبّ الدين الطبري ما أخرجه من طريق أحمد عن البراء.

٥٦ ـ المولوي محمد مبين اللكهنويّ :

ذكره في وسيلة النجاة(٤) عن البراء وزيد.

٥٧ ـ المولوي وليّ الله اللكهنويّ :

ذكره في مرآة المؤمنين(٥) في مناقب أهل بيت سيِّد المرسلين بلفظ أحمد ، ثمّ قال : وفي رواية : بخٍ بخٍ لك يا عليُّ أصبحت وأمسيت ...

___________________________________

(١) مفتاح النجا : الورقة ٥٧ ـ المخطوطة المرقّمة ٤٨٤٢ في مكتبة المرعشي النجفي في قم المقدّسة.

(٢) نُزُل الأبرار : ص ٥٢.

(٣) الروضة الندية شرح التحفة العلوية : ص ١٥٥.

(٤) وسيلة النجاة : ص ١٠٢.

(٥) مرآة المؤمنين : ص ٤١.

٥٢٦

٥٨ ـ محمد محبوب العالم :

ذكر في تفسير شاهي عن أبي سعيد الخُدريّ ما مرّ في (ص ٢٢١) بلفظ النيسابوري.

٥٩ ـ السيّد أحمد زينيّ دحلان المكيّ ، الشافعيّ : المتوفّىٰ (١٣٠٤).

قال في الفتوحات الإسلاميّة (٢ / ٣٠٦) : وكان عمر رضي‌الله‌عنه يحبُّ عليَّ بن أبي طالب وأهل بيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقد جاء عنه في ذلك شيء كثير ، فمن ذلك : أنَّه لمّا قال النبيُّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه» ، قال أبو بكر وعمر رضي‌الله‌عنهما : أمسيت يا ابن أبي طالب مولىٰ كلِّ مؤمن ومؤمنة.

٦٠ ـ الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطيّ ، المدنيّ ، المالكيّ :

ذكره في كفاية الطالب في حياة عليّ بن أبي طالب (ص ٢٨) من طريق ابن السمّان عن البراء بن عازب ، ومن طريق أحمد عن زيد بن أرقم باللفظ المذكور.(١)

عودٌ إلى البدء

إنَّ هذه التهنئة المشفوعة بأمر من مصدر النبوّة ، والمصافقة بالبيعة المذكورة مع

___________________________________

(١) حديث التهنئة أخرجه عبدالرزّاق ، وعنه الذهبي في كتابه في الغدير برقم ٩٥ وابن كثير أيضاً : ٧ / ٣٤٩ ، وأخرجه أحمد في المناقب رقم ١٣٨ وفي فضائل الصحابة : ١٠١٦ ، وأخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في زيادته في مسند أبيه : ٤ / ٢٨١.

وأخرجه الحسن بن سفيان ، وأبو يعلىٰ في مسنديهما ، وعنهما الذهبي : برقم ٩٣.

وأخرجه ابن جرير الطبري ، وعنه ابن كثير في تاريخه : ٥ / ٢١٠ ، وأخرجه القطيعي في زياداته في مناقب عليّ لأحمد رقم ١٦٤ وفي فضائل الصحابة لأحمد : ١٠٤٢ .

وأخرجه ابن عساكر في تاريخه بعدّة طرق بالأرقام : ٥٤٨ ـ ٥٥٣ ، وأخرجه الذهبي في كتابه في الغدير ـ جزء له في حديث من كنت مولاه ـ برقم ٩٣ ، وفي تاريخ الإسلام : ٣ / ٦٣٣ ، وابن كثير في البداية والنهاية : ٧ / ٣٤٩ بعدّة طرق ، وابن منظور في مختصر تاريخ دمشق : ١٧ / ٣٥٤ ، والباعوني في جواهر المطالب : ١ / ٨٤ ، والسيوطي في جمع الجوامع : ٢ / ٣٠٠ ، والعصامي في سمط النجوم العوالي : ٢ / ٤٨٣. (الطباطبائي)

٥٢٧

ابتهاج النبيّ بها بقوله : «الحمد لله الذي فضّلنا علىٰ جميع العالمين» ، علىٰ ما عرفته من نزول الآية الكريمة في هذا اليوم المشهود الناصّة بإكمال الدين ، وإتمام النعمة ، ورضا الربِّ بما وقع فيه.

وقد عرف ذلك طارق بن شهاب الكتابيُّ الذي حضر مجلس عمر بن الخطاب فقال : لو نزلت فينا هذه الآية(١) لاتّخذنا يوم نزولها عيداً(٢) ، ولم ينكرها عليه أحدٌ من الحضور ، وصدر من عمر ما يشبه التقرير لكلامه.

وذلك بعد نزول آية التبليغ ، وفيها ما يشبه التهديد إن تأخّر عن تبليغ ذلك النصِّ الجليِّ ؛ حذار بوادر الدهماء من الأمّة.

كلُّ هذه لا محالة قد أكسب هذا اليوم منعةً وبذخاً ورفعةً وشموخاً ، سرَّ موقعها صاحب الرسالة الخاتمة وأئمّة الهدىٰ ومن اقتصّ أثرهم من المؤمنين ، وهذا هو الذي نعنيه من التعييد به ، وقد نوّه به رسول الله فيما رواه فرات بن إبراهيم الكوفي في القرن الثالث ، عن محمد بن ظهير ، عن عبدالله بن الفضل الهاشميّ ، عن الإمام الصادق ، عن أبيه ، عن آبائه ، قال :

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «يوم غدير خُمّ أفضل أعياد أُمّتي ، وهو اليوم الذي أمرني الله تعالىٰ ذكره بنصب أخي عليّ بن أبي طالب عَلَماً لأُمّتي يهتدون به من بعدي ، وهو اليوم الذي أكمل الله فيه الدين. وأتمَّ علىٰ أُمّتي فيه النعمة ، ورضيَ لهم الإسلام ديناً».كما يُعرب عنه قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حديث أخرجه الحافظ الخركوشيّ ، كما مرّ (ص ٢٧٤) : «هنِّئوني هنِّئوني».

___________________________________

(١) يعني قوله تعالى : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) الآية. راجع (ص ٢٣٠ ـ ٢٣٨). (المؤلف)

(٢) أخرجه الأئمة الخمسة : مسلم [في صحيحه : ٥ / ٥١٧ ح ٣ كتاب التفسير] ، ومالك ، والبخاري ، والترمذي [في سننه : ٥ / ٢٣٣ ح ٣٠٤٣ و ٣٠٤٤] ، والنسائي [في سننه : ٢ / ٤٢٠ ح ٣٩٩٧] كما في تيسير الوصول : ١ / ١٢٢ [١ : ١٤٥ ح ١] ، ورواه الطحاوي في مشكل الآثار : ٣ / ١٩٦ ، والطبري في تفسيره : ٦ / ٤٦ [مج ٤ / ج ٦ / ٨٢] ، وابن كثير في تفسيره : ٢ / ١٤ عن أحمد [في مسنده ١ / ٦٥ ح ٢٧٤] والبخاري. ورواه جمع آخر. (المؤلف)

٥٢٨

واقتفىٰ أثر النبيّ الأعظم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام نفسه فاتّخذه عيداً ، وخطب فيه سنةً اتّفق فيها الجمعة والغدير ، ومن خطبته قوله :

«إنّ الله عزّ وجلّ جمع لكم ـ معشر المؤمنين ـ في هذا اليوم عيدين عظيمين كبيرين ، ولا يقوم أحدهما إلّا بصاحبه ؛ ليكمل عندكم جميل صنعه ، ويقفكم علىٰ طريق رشده ، ويقفو بكم آثار المستضيئين بنور هدايته ، ويسلككم منهاج قصده ، ويوفِّر عليكم هنيء رِفده ، فجعل الجمعة مجمعاً ندب إليه لتطهير ما كان قبله وغسل ما أوقعته مكاسب السوء من مثله إلىٰ مثله ، وذكرىٰ للمؤمنين ، وتبيان خشية المتّقين ، ووهب من ثواب الأعمال فيه أضعاف ما وهب لأهل طاعته في الأيّام قبله ، وجعله لا يتمّ إلّا بالائتمار لما أمر به ، والانتهاء عمّا نهىٰ عنه ، والبخوع بطاعته فيما حثَّ عليه وندب إليه ، فلا يُقبل توحيده إلّا بالاعتراف لنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنبوّته ، ولا يقبل ديناً إلّا بولاية من أمر بولايته ، ولا تنتظم أسباب طاعته إلّا بالتمسّك بعصمه وعصم أهل ولايته ، فأنزل علىٰ نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في يوم الدوح ما بيّن به عن إرادته في خلصائه وذوي اجتبائه ، وأمره بالبلاغ وترْكِ الحفْل بأهل الزيغ والنفاق وضمن له عصمته منهم ...» إلىٰ أنَّ قال :

«عودوا رحمكم الله بعد انقضاء مجمعكم بالتوسعة علىٰ عيالكم ، وبالبرّ بإخوانكم ، والشكر لله عزَّ وجلّ علىٰ ما منحكم ، واجمعوا يجمع الله شملكم ، وتبارّوا يصل الله أُلفتكم ، وتهادَوا نعمة الله كما منّاكم بالثواب فيه علىٰ أضعاف الأعياد قبله أو بعده إلّا في مثله ، والبرّ فيه يُثمر المال ويزيد في العمر ، والتعاطف فيه يقتضي رحمة الله وعطفه ، وهيّئوا لإخوانكم وعيالكم عن فضله بالجهد من وجودكم ، وبما تناله القدرة من استطاعتكم ، وأظهروا البِشْر فيما بينكم والسرور في ملاقاتكم». الخطبة(١).

وعرفه أئمّة العترة الطاهرة ـ صلوات الله عليهم ـ فسَمَّوه عيداً ، وأمروا بذلك

___________________________________

(١) ذكرها شيخ الطائفة بإسناده في مصباح المتهجّد : ص ٥٢٤ [ص ٦٩٨]. (المؤلف)

٥٢٩

عامّة المسلمين ونشروا فضل اليوم ومثوبةَ من عمل البرّ فيه ، ففي تفسير فرات بن إبراهيم الكوفي(١) في سورة المائدة ، عن جعفر بن محمد الأزدي ، عن محمد بن الحسين الصائغ ، عن الحسن بن عليّ الصيرفي ، عن محمد البزّاز ، عن فرات بن أحنف ، عن أبي عبدالله عليه‌السلام قال :

قلت : جعلت فداك للمسلمين عيد أفضل من الفطر والأضحىٰ ويوم الجمعة ويوم عرفة ؟

قال : فقال لي : «نعم ، أفضلها وأعظمها وأشرفها عند الله منزلة هو اليوم الذي أكمل الله فيه الدين وأنزل علىٰ نبيّه محمد (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)».

قال : قلت : وأيُّ يوم هو ؟ قال : فقال لي : «إنّ أنبياء بني إسرائيل كانوا إذا أراد أحدهم أن يعقد الوصيّة والإمامة من بعده ، ففعل ذلك ، جعلوا ذلك اليوم عيداً ، وإنَّه اليوم الذي نصب فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليّاً للناس عَلَماً وأنزل فيه ما أنزل ، وكمُل فيه الدين ، وتمّت فيه النعمة على المؤمنين».

قال : قلت : وأيّ يوم هو في السنة ؟ قال : فقال لي : «إنّ الأيّام تتقدّم وتتأخّر ، وربّما كان يوم السبت والأحد والإثنين إلىٰ آخر الأيام السبعة»(٢).

قال : قلت : فما ينبغي لنا أن نعمل في ذلك اليوم ؟ قال : «هو يوم عبادة وصلاة وشكر لله وحمد له وسرور لما منَّ الله به عليكم من ولايتنا. فإنّي أُحبّ لكم أن تصوموه».

___________________________________

(١) تفسير فرات الكوفي : ص ١١٧ ح ١٢٣.

(٢) الظاهر أنَّ في لفظ الحديث سقْطاً ، ولعلّه ما سيأتي في لفظ الكُلَيني عن الإمام نفسه من تعيينه باليوم الثامن عشر من ذي الحجّة. (المؤلف)

٥٣٠

وفي الكافي لثقة الإسلام الكليني(١) (١ / ٢٠٣) عن عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن القاسم بن يحيىٰ ، عن جدّه الحسن بن راشد ، عن أبي عبدالله عليه‌السلام قال : قلت : جعلت فداك ، للمسلمين عيد غير العيدين ؟ قال : «نعم يا حسن ، أعظمهما وأشرفهما».

قلت : وأيّ يوم هو ؟ قال : «يوم نصب أمير المؤمنين عليه‌السلام عَلَماً للناس». قلت : جعلت فداك وما ينبغي لنا أن نصنع فيه ؟

قال : «تصوم يا حسن ، وتكثر الصلاة علىٰ محمد وآله ، وتبرأ إلى الله ممّن ظلمهم ، فإنّ الأنبياء ـ صلوات الله عليهم ـ كانت تأمر الأوصياء باليوم الذي كان يُقام فيه الوصيّ أن يُتّخذ عيداً».

قال : قلت : فما لمن صامه ؟ قال : «صيام ستّين شهراً»(٢).

وفي الكافي أيضاً(٣) (١ / ٢٠٤) عن سهل بن زياد ، عن عبدالرحمن بن سالم ، عن أبيه ، قال :

سألت أبا عبدالله عليه‌السلام هل للمسلمين عيدٌ غير يوم الجمعة والأضحىٰ والفطر ؟ قال : «نعم ، أعظمها حرمةً».

قلت : وأيّ عيد هو جعلت فداك ؟ قال : «اليوم الذي نصّب فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمير المؤمنين ، وقال : من كنت مولاه فعليٌّ مولاه».

قلت : وأيّ يوم هو ؟ قال : «وما تصنع باليوم ؟ إنّ السنة تدور ، ولكنّه يوم ثمانية عشر من ذي الحجّة».

___________________________________

(١) الكافي : ٤ / ١٤٨ ح ١.

(٢) ستُوافيك هذه المثوبة من رواية الحفّاظ بإسناد رجاله كلّهم ثقات. (المؤلف)

(٣) الكافي : ٤ / ١٤٩ ح ٣.

٥٣١

فقلت : ما ينبغي لنا أن نفعل في ذلك اليوم ؟ قال : «تذكرون الله ـ عزّ ذكره ـ فيه بالصيام والعبادة والذكر لمحمد وآل محمد ، فإنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أوصىٰ أمير المؤمنين عليه‌السلام أن يتّخذوا ذلك اليوم عيداً ، وكذلك كانت الأنبياء تفعل ، كانوا يوصون أوصياءهم بذلك فيتّخذونه عيداً».

وبإسناده عن الحسين بن الحسن الحسيني ، عن محمد بن موسى الهمداني ، عن عليّ بن حسّان الواسطيّ ، عن عليّ بن الحسين العبديّ ، قال : سمعت أبا عبدالله عليه‌السلام يقول : «صيام يوم غدير خُمّ يعدل عند الله في كلّ عام مائة حجّة ومائة عمرة مبرورات متقبّلات ، وهو عيد الله الأكبر». الحديث.

وفي الخصال ـ لشيخنا الصدوق(١) ـ بإسناده عن المفضّل بن عمر قال : قلت لأبي عبدالله عليه‌السلام : كم للمسلمين من عيد ؟ فقال : «أربعة أعياد».

قال : قلت : قد عرفت العيدين والجمعة. فقال لي : «أعظمها وأشرفها يوم الثامن عشر من ذي الحجّة ، وهو اليوم الذي أقام فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمير المؤمنين عليه‌السلام ونصبه للناس عَلَماً».

قال : قلت : ما يجب علينا في ذلك اليوم ؟ قال : «يجب(٢) عليكم صيامه شكراً لله وحمداً له ، مع أنَّه أهل أن يُشكَر كلَّ ساعة ، كذلك أمرت الأنبياء أوصياءها أن يصوموا اليوم الذي يُقام فيه الوصيّ ، ويتّخذونه(٣) عيداً». الحديث.

وفي المصباح(٤) لشيخ الطائفة الطوسي (ص ٥١٣) عن داود الرقّي ، عن أبي

___________________________________

(١) الخصال : ص ٢٦٤ ح ١٤٥.

(٢) المراد بالوجوب هو الثبوت في السنّة الشامل للندب ـ أيضاً ـ كما يكشف عنه التعبير بـ (ينبغي) في بقيّة الأحاديث ، وله في أحاديث الفقه نظائر جمّة. (المؤلف)

(٣) كذا في المصدر بإثبات النون.

(٤) مصباح المتهجّد : ص ٦٨٠.

٥٣٢

هارون عمّار بن حريز العبدي ، قال : دخلت علىٰ أبي عبدالله عليه‌السلام في اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة ، فوجدته صائماً. فقال لي : «هذا يومٌ عظيمٌ عظّم الله حرمته على المؤمنين ، وأكمل لهم فيه الدين ، وتمّم عليهم النعمة ، وجدّد لهم ما أخذ عليهم من العهد والميثاق».

فقيل له : ما ثواب صوم هذا اليوم ؟ قال : «إنَّه يوم عيد وفرح وسرور ، ويوم صوم شكراً لله ، وإنَّ صومه يعدل ستّين شهراً من أشهر الحُرُم». الحديث.

وروىٰ عبدالله بن جعفر الحميري ، عن هارون بن مسلم ، عن أبي الحسن الليثي ، عن أبي عبدالله عليه‌السلام أنَّه قال لمن حضره من مواليه وشيعته :

«أتعرفون يوماً شيّد الله به الإسلام ، وأظهر به منار الدين ، وجعله عيداً لنا ولموالينا وشيعتنا ؟»

فقالوا : الله ورسوله وابن رسوله أعلم ، أيوم الفطر هو يا سيّدنا ؟ قال : «لا». قالوا : أفَيَومُ الأضحىٰ هو ؟ قال : «لا ، وهذان يومان جليلان شريفان ، ويوم منار الدين أشرف منهما ، وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة ، وإنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا انصرف من حجّة الوداع وصار بغدير خمّ ...».

وفي حديث الحميري بعد ذكر صلاة الشكر يوم الغدير : «وتقول في سجودك : أللّهمّ إنَّا نفرّج وجوهنا في يوم عيدنا الذي شرّفتنا فيه بولاية مولانا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلّى الله عليه».

وقال الفيّاض بن محمد بن عمر الطوسي سنة تسع وخمسين ومائتين وقد بلغ التسعين : إنَّه شهد أبا الحسن عليّ بن موسى الرضا عليه‌السلام في يوم الغدير وبحضرته جماعة من خاصّته قد احتبسهم للإفطار ، وقد قدّم إلىٰ منازلهم الطعام والبرّ والصِّلات والكسوة حتى الخواتيم والنعال ، وقد غيّر من أحوالهم وأحوال حاشيته ، وجُدِّدت لهم آلة غير الآلة التي جرى الرسم بابتذالها قبل يومه ، وهو يذكر فضل اليوم وقدمه.

٥٣٣

وفي مختصر بصائر الدرجات بالإسناد عن محمد بن العلاء الهمداني الواسطي ويحيى بن جريح البغداديِّ ، قالا ـ في حديث ـ : قصدنا جميعاً أحمد بن إسحاق القمّي صاحب الإمام أبي محمد العسكري ـ المتوفّىٰ (٢٦٠) ـ بمدينة قمّ ، وقرعنا عليه الباب ، فخرجت إلينا من داره صبيّة عراقيّة ، فسألناها عنه ، فقالت : هو مشغولٌ بعيده ، فإنّه يوم عيد ، فقلنا سبحان الله أعياد الشيعة أربعة : الأضحىٰ ، والفطر ، والغدير ، والجمعة ... الحديث.

ما عشتَ أراكَ الدهرُ عَجباً

إلىٰ هنا أوقفك البحث والتنقيب علىٰ حقيقة هذا العيد وصلته بالأمّة جمعاء ، وتقادم عهده المتّصل بالدور النبويِّ ، ثمّ جاء من بعده متواصل العُرىٰ من وصيّ إلىٰ وصيّ ، يُعلم به أئمّة الدين ، ويُشيد بذكره أُمناء الوحي ، كالإمامين أبي عبدالله الصادق وأبي الحسن الرضا بعد أبيهم أمير المؤمنين ـ صلوات الله عليهم ـ وقد توفِّي هذان الإمامان ونُطَف البويهيّين لم تنعقد بعدُ ، وقد جاءت أخبارهما مرويّةً في تفسير فرات والكافي المؤلَّفين في القرن الثالث ، وهذه الأخبار هي مصادر الشيعة ومداركها في اتّخاذ يوم الغدير عيداً منذ عهد طائل في القِدَم ، ومنذ صدور تلكم الكَلِم الذهبيّة من معادن الحُكْم والحِكَم.

إذا عرفت هذا فهلمّ معي نسائل النويري والمقريزي عن قولهما : إنّ هذا العيد ابتدعه معزّ الدولة عليّ بن بويه سنة (٣٥٢). قال الأوّل في نهاية الأَرَب في فنون الأَدَب(١) (١ / ١٧٧) في ذكر الأعياد الإسلاميّة :

وعيد ابتدعته الشيعة ، وسمّوه عيد الغدير ، وسبب اتّخاذهم له مؤاخاة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم عليَّ بن أبي طالب يوم غدير خُمّ ، والغدير : تصبّ فيه عين وحوله شجر كثير ملتفّ بعضها ببعض ، وبين الغدير والعين مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، واليوم الذي ابتدعوا فيه هذا

___________________________________

(١) نهاية الأَرَب : ١ / ١٨٤.

٥٣٤

العيد هو الثامن عشر من ذي الحجّة ؛ لأنّ المؤاخاة كانت فيه في سنة عشر من الهجرة ، وهي حجّة الوداع ، وهم يُحيون ليلتها بالصّلاة ، ويُصلّون في صبيحتها ركعتين قبل الزوال ، وشعارهم فيه لبس الجديد وعتق الرقاب وبرّ الأجانب والذبائح.

وأوّل من أحدثه معزُّ الدولة أبو الحسن عليّ بن بويه علىٰ ما نذكره إن شاء الله في أخباره في سنة (٣٥٢) ، ولمّا ابتدع الشيعة هذا العيد واتّخذوه من سننهم عمل عوامّ السنّة يوم سرور نظير عيد الشيعة في سنة (٣٨٩) ، وجعلوه بعد عيد الشيعة بثمانية أيام ، وقالوا : هذا يوم دخول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم الغار هو وأبو بكر الصدّيق ، وأظهروا في هذا اليوم الزينة ونصب القباب وإيقاد النيران. انتهىٰ.

وقال المقريزي في الخطط(١) (٢ / ٢٢٢) : عيد الغدير لم يكن عيداً مشروعاً ، ولا عمله أحد من سالف الأمّة المقتدىٰ بهم ، وأوّل ما عرف في الإسلام بالعراق أيّام معزّ الدولة عليّ بن بُوَيه ، فإنّه أحدثه سنة (٣٥٢) فاتّخذه الشيعة من حينئذٍ عيداً. انتهىٰ.

وما عساني أن أقول في بحّاثة يكتب عن تاريخ الشيعة قبل أن يقف علىٰ حقيقته ، أو أنَّه عرف نفس الأمر فنسيها عند الكتابة ، أو أغضىٰ عنها لأمرٍ دُبِّر بليل ، أو أنَّه يقول ولا يعلم ما يقول ، أو أنَّه ما يبالي بما يقول ، أوَليس المسعودي المتوفّىٰ (٣٤٦) يقول في التنبيه والإشراف (ص ٢٢١) : وولدُ عليّ رضي‌الله‌عنه وشيعته يعظِّمون هذا اليوم ؟ أوَليس الكُليني الراوي لحديث عيد الغدير في الكافي(٢) توفِّي سنة (٣٢٩) ؟ وقبله فرات بن إبراهيم الكوفي المفسِّر الراوي لحديثه الآخر في تفسيره(٣) ـ الموجود عندنا ـ الذي هو في طبقة مشايخ ثقة الإسلام الكليني المذكور ، فالكتب هذه أُلِّفت قبل ما ذَكَراه ـ النويري والمقريزي ـ من التاريخ (٣٥٢).

___________________________________

(١) الخطط : ١ / ٣٨٨.

(٢) الكافي : ٤ / ١٤٩ ح ٣.

(٣) تفسير فرات الكوفي : ص ١١٧ ح ١٢٣.

٥٣٥

أوَليس الفيّاض بن محمد بن عمر الطوسي قد أخبر به سنة (٢٥٩) ، وذكر أنَّه شاهد الإمام الرضا ـ سلام الله عليه ـ المتوفّىٰ سنة (٢٠٣) يعيِّد في هذا اليوم ، ويذكر فضله وقِدَمه ، ويروي ذلك عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم‌السلام ؟

والإمام الصادق المتوفّىٰ سنة (١٤٨) قد علّم أصحابه بذلك كلّه ، وأخبرهم بما جرت عليه سنن الأنبياء من اتّخاذ يوم نصبوا فيه خلفاءهم عيداً ، كما جرت به العادة عند الملوك والأُمراء من التعييد في أيّام تسنّموا فيها عرش الملك ، وقد أمر أئمة الدين عليهم‌السلام في عصورهم القديمة شيعتهم بأعمال بِرِّيّة ودعوات مخصوصة بهذا اليوم وأعمال وطاعات خاصّة به. والحديث الذي مرَّ عن مختصر بصائر الدرجات يعرب عن كونه من أعياد الشيعة الأربعة المشهورة في أوائل القرن الثالث الهجري.

هذه حقيقة عيد الغدير ، لكنّ الرجلين أرادا طعناً بالشيعة ، فأنكرا ذلك السلف الصالح ، وصوّراه بدعةً معزوَّةً إلىٰ مُعزِّ الدولة ، وهما يحسبان أنَّه لا يقف علىٰ كلامهما من يعرف التاريخ ، فيناقشهما الحساب.

(فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ)(١)

___________________________________

(١) الأعراف : ١١٨ ، ١١٩.

٥٣٦

التتويج يوم الغدير

ولما عرفت من تعيين صاحب الخلافة الكبرىٰ للملوكيّة الإسلاميّة ونيله ولاية العهد النبويّ ، كان من الحريّ تتويجه بما هو شارة الملوك ، وسِمة الأُمراء ، ولمّا كانت التيجان المكلّلة بالذهب المرصَّعة بالجواهر من شناشن ملوك الفرس ، ولم يكن للعرب منها بدلٌ إلّا العمائم ، فكان لا يلبسها إلّا العظماء والأشراف منهم ، ولذلك جاء عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله : «العمائم تيجان العرب». رواه القضاعي والديلمي ، وصحّحه السيوطيّ في الجامع الصغير(١) (٢ / ١٥٥) ، وأورده ابن الأثير في النهاية(٢).

وقال المرتضىٰ الحنفيّ الزبيديّ في تاج العروس (٢ / ١٢) : التاج : الإكليل ، والفضّة والعمامة ، والأخير على التشبيه : ـ جمع تيجان وأتواج ـ والعرب تسمّي العمائم : التاج. وفي الحديث : «العمائم تيجان العرب». جمع تاج ، وهو ما يُصاغ للملوك من الذهب والجوهر ، أراد أنَّ العمائم [للعرب] بمنزلة التيجان للملوك ؛ لأنّهم أكثر ما يكونون في البوادي مكشوفي الرؤوس أو بالقلانس ، والعمائم فيهم قليلة ، والأكاليل تيجان ملوك العجم ، وتوّجَهُ : أي سوّده وعمّمه.

وفي (٨ / ٤١٠) : ومن المجاز : عُمِّم ـ بالضمّ ـ أي سُوِّد ؛ لأنّ تيجان العرب العمائم ، فكلّما قيل في العجم : تُوِّج من التاج ، قيل في العرب : عمّم. قال :

وَفيهمُ إذ عُمِّم المُعمَّمُ.

وكانوا إذا سوّدوا رجلاً عمّموه عمامةً حمراء ، وكانت الفرس تُتوِّج ملوكها ، فيقال له : المُتوَّج.

___________________________________

(١) الجامع الصغير : ٢ / ١٩٣ ح ٥٧٢٣.

(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر : ١ / ١٩٩.

٥٣٧

وعدَّ الشبلنجي في نور الأبصار(١) (ص ٢٥) من ألقاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : صاحب التاج ، فقال : المراد العمامة ؛ لأنّ العمائم تيجان العرب كما جاء في الحديث.

فعلىٰ هذا الأساس عمّمه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذا اليوم بهيئة خاصّة تُعرب عن العظمة والجلال ، وتوّجه بيده الكريمة بعمامته ـ السحاب ـ في ذلك الُمحتَشد العظيم ، وفيه تلويحٌ أنَّ المتوَّج بها مقيَّضٌ ـ بالفتح ـ لإمرة كإمرته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غير أنَّه مبلّغ عنه وقائم مقامه من بعده.

روى الحافظ عبدالله بن أبي شيبة ، وأبو داود الطيالسي(٢) ، وابن منيع البغوي ، وأبو بكر البيهقي ، كما في كنز العمّال(٣) (٨ / ٦٠) عن عليّ ، قال :

«عمّمني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم غدير خُمّ بعمامة ، فسدلها خلفي». وفي لفظ : «فسدل طرفها علىٰ منكبي». ثمّ قال : «إنّ الله أمدَّني يوم بدر وحنين بملائكة يعتمّون هذه العمّة». وقال : «إنّ العمامة حاجزةٌ بين الكفر والإيمان».

ورواه من طريق السيوطي عن الأعلام الأربعة السيِّد أحمد القشاشي(٤) في السمط المجيد(٥).

وفي كنز العمّال(٦) (٨ / ٦٠) عن مسند عبدالله بن الشخير ، عن عبدالرحمن بن عديِّ البحراني ، عن أخيه عبدالأعلى بن عديّ :

أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم دعا عليّ بن أبي طالب ، فعمّمه وأرخىٰ عَذَبَةَ(٧) العمامة

___________________________________

(١) نور الأبصار : ص ٥٨.

(٢) مسند أبي داود الطيالسي : ص ٢٣ ح ١٥٤.

(٣) كنز العمّال : ١٥ / ٤٨٢ ح ٤١٩٠٩.

(٤) المتوفّىٰ (١٠٧١) ترجمه المحبّي في خلاصة الأثر : ١ / ٣٤٣ ـ ٣٤٦ وأثنىٰ عليه. (المؤلف)

(٥) السمط المجيد : ص ٩٩.

(٦) كنز العمّال : ١٥ / ٤٨٣ ح ٤١٩١١.

(٧) العَذَبة ـ بفتح المهملة ـ : طرف الشيء. (المؤلف)

٥٣٨

من خلفه. الديلمي.

وعن الحافظ الديلمي(١) عن ابن عبّاس قال : لمّا عمّم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عليّاً بالسحاب(٢) ، قال له : «يا عليُّ العمائم تيجان العرب».

وعن ابن شاذان في مشيخته عن عليّ : أنَّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عمّمه بيده ، فذنّب العمامة من ورائه ومن بين يديه ، ثمّ قال له النبيُّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أدبر» ، فأدبر ، ثمّ قال له : «أقبل» ، فأقبل ، وأقبل علىٰ أصحابه ، فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «هكذا تكون تيجان الملائكة».

وأخرج الحافظ أبو نعيم في معرفة الصحابة(٣) ، ومحبّ الدين الطبري في الرياض النضرة(٤) (٢ / ٢١٧) عن عبدالأعلى بن عديّ النهرواني : أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم دعا عليّاً يوم غدير خُمّ ، فعمّمه وأرخىٰ عَذَبَةَ العمامة من خلفه.

وذكره العلّامة الزرقاني في شرح المواهب (٥ / ١٠).

وأخرج شيخ الإسلام الحمّوئي في الباب الثاني عشر من فرائد السمطين(٥) من طريق أحمد بن منيع بإسناد فيه عدّة من الحفّاظ الأثبات ، عن أبي راشد ، عن عليٍّ قال : «قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إنّ الله عزّ وجلّ أيّدني يوم بدر وحنين بملائكة معتمّين هذه العمّة ، والعمّة الحاجز بين المسلمين والمشركين». قاله لعليّ لمّا عمّمه يوم غدير خُمّ بعمامة سدل طرفها علىٰ منكبه.

وأخرج بإسناد آخر من طريق الحافظ أبي سعيد الشاشي(٦) المترجم (ص ١٠٣) : أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عمّم عليّ بن أبي طالب رضي‌الله‌عنه عمامته السحاب ، فأرخاها من بين يديه

___________________________________

(١) الفردوس بمأثور الخطاب : ٣ / ٨٧ ح ٤٢٤٦.

(٢) قال ابن الأثير في النهاية ٢ / ١٦٠ [٢ / ٣٤٥] : كان اسم عمامة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم السحاب. (المؤلف)

(٣) معرفة الصحابة : ١ / ٣٠١.

(٤) الرياض النضرة : ٣ / ١٧٠.

(٥) فرائد السمطين : ١ / ٧٥ باب ١٢ ح ٤١.

(٦) فرائد السمطين : ١ / ٧٦ باب ١٢ ح ٤٢.

٥٣٩

ومن خلفه ثمّ قال : «أقبل». فأقبل ، ثمّ قال : «أدبر» ، فأدبر ، قال : «هكذا جاءتني الملائكة».

وبهذا اللفظ رواه جمال الدين الزرندي الحنفي في نظم درر السمطين(١) ، وجمال الدين الشيرازي في أربعينه ، وشهاب الدين أحمد في توضيح الدلائل ، وزادوا : ثمّ قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه ، أللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله».

وأخرج الحمّوئي بإسناد آخر من طريق الحافظ أبي عبدالرحمن بن عائشة(٢) عن عليٍّ قال : «عمّمني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم غدير خُمّ بعمامة ، فسدل نمرقها علىٰ منكبي ، وقال : إنَّ الله أيّدني يوم بدر وحنين بملائكة معتمّين بهذه العمامة».

وبهذا اللفظ رواه ابن الصبّاغ المالكيّ في الفصول المهمّة(٣) (ص ٢٧) ، والحافظ الزرندي في نظم درر السمطين ، والسيّد محمود القادريّ المدنيّ في الصراط السويِّ.

فائدةٌ : قال أبو الحسين الملطي(٤) في التنبيه والردّ(٥) (ص ٢٦) :

قولهم ـ يعني الروافض ـ : عليٌّ في السحاب ، فإنّما ذلك قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعليّ : أقبل ، وهو معتمّ بعمامة للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كانت تدعىٰ السحاب ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «قد أقبل عليّ في السحاب» ؛ يعني في تلك العمامة التي تسمّى السحاب ، فتأوّلوه هؤلاء علىٰ غير تأويله.

وقال الغزالي(٦) كما في البحر الزخّار (١ / ٢١٥) : كانت له عمامة تسمّىٰ

___________________________________

(١) نظم درر السمطين : ص ١١٢.

(٢) فرائد السمطين : ١ / ٧٦ باب ١٢ ح ٤٣.

(٣) الفصول المهمة : ص ٤١.

(٤) محمد بن أحمد بن عبدالرحمن الملطي الشافعي : المتوفّىٰ (٣٧٧). (المؤلف)

(٥) التنبيه والردّ علىٰ أهل الأهواء والبدع : ص ١٩.

(٦) إحياء علوم الدين : ٢ / ٣٤٥.

٥٤٠