🚖

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: قلم
الطبعة: ١
الصفحات: ٧١٦
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

عليّ بن أبي طالب(١) ، ورواه من ثمانين طريقاً ونسب مُنكره إلى الجهل والعصبيّة ، عدّه من تآليفه السخاوي في الضوء اللامع(٢) ، كما مرّ (ص ١٢٩).

توجد منه نسختان في مكتبة السيّد مير حامد حسين اللكهنوي الهندي صاحب العبقات ، وذكره له الشيخ أبو الحسن الشريف في ضياء العالمين(٣).

١٩ ـ المولى عبدالله بن شاه منصور القزويني ، الطوسيّ : من معاصري شيخنا صاحب الوسائل ، له الرسالة الغديريّة ، كما في أمل الآمل(٤).

٢٠ ـ السيّد سبط الحسن الجايسيّ ، الهنديّ ، اللكهنويّ : له كتاب حديث الغدير بلغة أُردو طبع في الهند(٥).

٢١ ـ السيّد مير حامد حسين ابن السيّد محمد قلي الموسويّ ، الهنديّ ، اللكهنويّ : المتوفّىٰ (١٣٠٦) عن (٦٠ سنة).

ذكر حديث الغدير وطرقه وتواتره ومفاده في مجلّدين ضخمين في ألف وثمان صحائف ، وهما من مجلّدات كتابه الكبير العبقات.

وهذا السيّد الطاهر العظيم ـ كوالده المقدّس ـ سيف من سيوف الله المشهورة علىٰ أعدائه ، وراية ظفر الحقّ والدين ، وآية كبرىٰ من آيات الله سبحانه ، قد أتمّ به

___________________________________

(١) أسنى المطالب : ص ٤٨.

(٢) الضوء اللامع : ٩ / ٢٥٥ رقم ٦٠٨.

(٣) طُبِع الكتاب في مكة المكرّمة في المطبعة الأميرية سنة ١٣٢٤ ، وطُبع في طهران سنة ١٤٠٢ بتحقيق الأستاذ الشيخ محمد هادي الأميني.

وطبع ملخّصاً في بيروت سنة ١٤٠٣ ، لخّصه العلّامة الشيخ محمد باقر المحمودي وأسماه أسمىٰ المناقب في تهذيب أسنى المطالب ، وذكرته في (أهل البيت في المكتبة العربية) وذكرت طبعاته ومخطوطاته ، وعثرت له علىٰ مخطوطات ثلاثة. (الطباطبائي)

(٤) أمل الآمل : ٢ / ١٦١ رقم ٤٦٨.

(٥) ولد سنة ١٢٩٦ وتوفي سنة ١٣٥٤ ، واسم كتابه : حديث غديركى سرگذشت. (الطباطبائي)

٣٢١

الحجّة ، وأوضح المحجّة. وأمّا كتابه العبقات(١) فقد فاح أريجه بين لابتي العالم ، وطبّق حديثه المشرق والمغرب ، وقد عرف من وقف عليه أنَّه ذلك الكتاب المعجز المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وقد استفدنا كثيراً من علومه المودعة في هذا السفر القيّم ، فله ولوالده الطاهر منّا الشكر المتواصل ، ومن الله تعالىٰ لهما أجزل الأجور.

٢٢ ـ السيّد مهدي ابن السيّد عليّ الغُريفيّ ، البحرانيّ ، النجفيّ : المتوفّىٰ (١٣٤٣).

له كتاب حديث الولاية في حديث الغدير ، عدّه شيخنا الرازي من تآليفه في الذريعة(٢) ، وذكره له ولده في ترجمة والده التي كتبها لنا.

___________________________________

(١) عبقات الأنوار طُبِع منه عدّة مجلّدات ، كلّ مجلّد يخصّ حديثاً من الأحاديث الدالّة علىٰ خلافة أمير المؤمنين عليه‌السلام ، كحديث الغدير والمنزلة والثقلين ونحوها فيشبعها دراسةً إسناداً ودلالة.

فالمجلّد الأوّل منه في حديث الغدير ، طُبِع في لكهنو طبعة حجرية سنة ١٢٩٣ في ١٢٥١ صفحة بالحجم الكبير ، ثم طبع بها سنة ١٢٩٤ في مجلّدين في ٦٠٩ صفحات و ٣٩٩ صفحة ، فالمجموع ١٠٠٨ صفحات.

وطُبِع قسم من أوّله في طهران سنة ١٣٦٩ طبعةً حروفية في ٦٠٠ صفحة ، ثم طبع في قم بتحقيق العلّامة الشيخ غلام رضا مولانا في عشر مجلدات ضخام سنة ١٤٠٤ ـ ١٤١١.

ونقله العلّامة البحّاثه السيّد عليّ الميلاني ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى اللغة العربية ملخّصاً له ، محافظاً علىٰ مادته العلمية ضمن عملية تعريب كلّ مجلدات الكتاب ، وخرّجه علىٰ مصادره بعد جهد كبير وسعي مشكور ، وصدر منه عشرة أجزاء في قم سنة ١٤٠٥ ـ ١٤٠٨ باسم خلاصة عبقات الأنوار ، والأجزاء ٦ ـ ٩ خاصّة بحديث الغدير ، ثمّ جدّد فيه النظر وأضاف إليه مصادر كثيرة سنة ١٤١٥ وسمّاه نفحات الأزهار في تلخيص عبقات الأنوار ، طبعه في قم سنة ١٤١٥ طبعة أنيقة رائعة وصدر منه ١٢ جزءاً. أربعة أجزاء منها تخصّ حديث الغدير بدراسة شاملة ومستوعبة من الجزء ٦ ـ ٩ ، وقدّم له مقدمة ضافية باسم دراسات في العبقات. وراجع الذريعة ١٥ / ٢١٤ ، الغدير في التراث الإسلامي : ١٤٢ ـ ١٤٧ و ٢١١ ـ ٢١٢ ، ومقالنا : موقف الشيعة عند هجمات الخصوم المنشور في مجلة (تراثنا) الصادرة عن مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث ، في قم العدد ٦ ص ٣٢ ـ ٦١. (الطباطبائي)

(٢) الذريعة إلىٰ تصانيف الشيعة : ٢٥ / ١٤٣ رقم ٨٣٧.

٣٢٢

٢٣ ـ الحاج الشيخ عبّاس بن محمد رضا القمّي : المتوفّىٰ في النجف الأشرف ليلة الثلاثاء (٢٣ ذي الحجّة ١٣٥٩).

له كتاب فيض القدير في حديث الغدير ، فيما ينوف على الثلاثمائة صحيفة(١) ، وقد جمع فيه فأوعىٰ ؛ وهو من نوابغ الحديث والتأليف في القرن الحاضر ، وأياديه المشكورة على الأمّة لا تخفىٰ.

٢٤ ـ السيّد مرتضى حسين الخطيب الفتحپوريّ ، الهنديّ :

له كتاب تفسير التكميل في آية (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) النازلة في واقعة الغدير ، طبع بالهند.

٢٥ ـ الشيخ محمد رضا ابن الشيخ طاهر آل فرج الله ، النجفيّ ، زميلنا العلّامة الفذّ :

له كتاب الغدير في الإسلام ، طبع في النجف الأشرف ، وقد أدّىٰ فيه حقّ المقال(٢).

٢٦ ـ الحاج السيّد مرتضى الخسروشاهي التبريزيّ المعاصر(٣) : أفرد كتاباً في دلالة الحديث وأسماه إهداء الحقير في معنىٰ حديث الغدير ، طبع في العراق ، أغرق نزعاً في التحقيق ، ولم يُبقِ في القوس منزعاً.(٤)

___________________________________

(١) لخّص فيه مجلّدَي كتاب عبقات الأنوار في حديث الغدير ، وفرغ من التلخيص سنة ١٣٢١ ، وطبع في قم سنة ١٤٠٥. (الطباطبائي)

(٢) وُلد سنة ١٣١٩ ، وتوفّي سنة ١٣٨٦ ، وطبع كتابه هذا في النجف سنة ١٣٦٢. (الطباطبائي)

(٣) وُلد في النجف سنة ١٢٩٩ ، وتوفّي في تبريز ليلة السادس من رجب ١٣٧٢ ، وكان من أعلام تبريز البارزين ، وطُبِع الكتاب في قم ثانية سنة ١٣٩٨ باسم معنىٰ حديث الغدير مع مقدمة لحفيده السيّد هادي في ترجمة المؤلّف. راجع الغدير في التراث الإسلامي :ص ١٦٧. (الطباطبائي)

(٤) وقد جمعت ما وقفتُ عليه ممّا أُلِّف في الغدير من كتب مفردة منذ القرن الثاني وحتى القرن

٣٢٣

تكملة

قال ابن كثير في البداية والنهاية(١) (٥ / ٢٠٨) : وقد اعتنىٰ بأمر هذا الحديث أبو جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ ، فجمع فيه مجلّدين ، أورد فيهما طرقه وألفاظه ، وكذلك الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر(٢) أورد أحاديث كثيرة في هذه الخطبة ، نحن نورد عيون ما رُوي في ذلك(٣).

وقال الشيخ سليمان الحنفيّ في ينابيع المودّة(٤) (ص ٣٦) : حُكي عن أبي المعالي الجُويني(٥) ، الملقّب بإمام الحرمين ، أستاذ أبي حامد الغزالي يتعجّب ويقول : رأيت مجلّداً في بغداد في يد صحّافٍ فيه روايات خبر غدير خُمّ مكتوباً عليه المجلّدة الثامنة والعشرون من طرق قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من كنتُ مولاه فعليّ مولاه» ، ويتلوه المجلّدة التاسعة والعشرون. انتهى.

وقال العلويّ الهدّار الحدّاد في القول الفصل (١ / ٤٤٥) : كان الحافظ أبو العلاء العطّار الهمدانيّ(٦) يقول : أروي هذا الحديث بمائتين وخمسين طريقاً.

___________________________________

الخامس عشر ، سواء كان بالعربية أو بالفارسية أو الأردوية وسمّيته : الغدير في التراث الإسلامي ، وصدر عن دار المؤرّخ العربي في بيروت سنة ١٤١٤ ه‍ ـ ١٩٩٣ م وأعيد طبعه في إيران سنة ١٤١٥.

(الطباطبائي)

(١) البداية والنهاية : ٥ / ٢٢٧ حوادث سنة ١٠ ه‍.

(٢) تاريخ مدينة دمشق : ١٢ / ٢٢٤ ـ ٢٣٧.

(٣) ذكر من عيون ما رُوي فيه ما يأتي رسالة. (المؤلف)

(٤) ينابيع المودّة : ١ / ٣٤ باب ٤.

(٥) قال ابن خلّكان في تاريخه : ١ / ٣١٢ [٣ / ١٦٧ رقم ٣٧٨] : إنَّه أعلم المتأخّرين من أصحاب الإمام الشافعي على الإطلاق ، المجمع علىٰ إمامته ، المتّفق علىٰ غزارة مادّته وتفنّنه في العلوم من الأصول والفروع والأدب وغير ذلك ، ولد (٤١٩) وتُوفِّي (٤٧٨) ، أكثر المترجمون في الثناء عليه وإطراء تآليفه. (المؤلف)

(٦) وُلد (٤٨٨) وتُوفِّي (٥٦٩) ، توجد ترجمته في تذكرة الذهبي : ٤ / ١١٨ [٤ / ١٣٢٤ رقم ١٠٩٣] ،

٣٢٤

وهناك تآليف أخرىٰ تخصُّ هذا الموضوع يأتي ذكرها في صلاة الغدير إن شاء الله.

(... إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ)(١)

___________________________________

قال السمعاني : حافظ مُتقن ، ومقرئ فاضل ، حسن السيرة ، مرضيّ الطريقة ، وعن عبدالقادر الحافظ : له تصانيف ، منها زاد المسافر في خمسين مجلّداً ، وكان إماماً في القرآن وعلومه ، جمل الثناء عليه كثيرة في المعاجم. (المؤلف)

(١) عبس : ١١ ـ ١٣.

٣٢٥
٣٢٦

المناشدة والاحتجاج بحديث الغدير الشريف

لم يفتأ هذا الحديث منذ الصدر الأوّل وفي القرون الأولىٰ حتى القرن الحاضر من الأصول المسلّمة ، يؤمن به القريب ، ويرويه المناوئ من غير نكير في صدوره ، وكان ينقطع المجادل إذا خصمه مناظره بإنهاء القضيّة إليه ، ولذلك كثر الحِجاج به ، وتوفّرت مناشدته بين الصحابة والتابعين ، وعلى العهد العلويِّ وقبله.

وإنَّ أوّل حِجاجٍ وقع بهذا الحديث ما كان من أمير المؤمنين عليه‌السلام بمسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد وفاته ، ذكره سليم بن قيس الهلالي في كتابه المطبوع(١) ، من أراده فليراجعه ، ونحن نذكر ما وقع بعده من المناشدات :

ـ١ـ مناشدة أمير المؤمنين عليه‌السلام يوم الشورىٰ سنة (٢٣ ه‍) أو أوّل (٢٤)

قال أخطب الخطباء الخوارزميّ الحنفيّ في المناقب(٢) (ص ٢١٧) :

أخبرني الشيخ الإمام شهاب الدين أفضل الحفّاظ أبو النجيب سعد بن عبدالله ابن الحسن الهمدانيّ ـ المعروف بالمروزيّ ـ فيما كتب إليَّ من همدان ، أخبرني الحافظ

___________________________________

(١) كتاب سليم بن قيس : ٢ / ٧٨٠ ح ٣٩.

(٢) المناقب : ص ٣١٣ ح ٣١٤. وكلّ ما بين المعقوفين في سلسلة السند منه.

٣٢٧

أبو عليّ الحسن بن أحمد بن الحسن [الحداد بأصبهان] فيما أذن لي في الرواية عنه ، أخبرنا الشيخ الأديب أبو يعلىٰ عبدالرزّاق بن عمر بن إبراهيم الطهراني سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة ، أخبرني الإمام الحافظ طراز المحدِّثين أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه [الأصبهاني]. قال الشيخ الإمام شهاب الدين أبو النجيب سعد بن عبدالله الهمدانيّ ، وأخبرنا بهذا الحديث عالياً الإمام الحافظ سليمان بن [إبراهيم الأصفهانيّ في كتابه إليّ من أصبهان سنة ثمان وثمانين وأربعمائة عن أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه ، حدثنا سليمان] بن أحمد ، حدّثني عليّ بن سعيد الرازي ، حدّثني محمد بن حميد ، حدّثني زافر بن سليمان ، حدّثني الحارث بن محمد عن أبي الطفيل عامر بن واثلة ، قال :

كنتُ على الباب يوم الشورىٰ مع عليّ عليه‌السلام في البيت ، وسمعتُه يقول لهم : «لأَحتجّنَّ عليكم بما لا يستطيعُ عربيُّكم ولا عجميُّكم تغيير ذلك. ثمّ قال :

أَنشُدكُمُ اللهَ أيُّها النفر جميعاً : أفيكم أحدٌ وحّد الله قبلي ؟ قالوا : لا. قال : فأَنشُدكُمُ اللهَ : هل منكم أحدٌ له أخٌ مثل جعفر الطيّار في الجنّة مع الملائكة ؟ قالوا : أللّهمّ لا. قال : فأَنشُدكُمُ اللهَ : هل فيكم أحدٌ له عمٌّ كعمّي حمزة أسد الله وأسد رسوله سيّد الشهداء غيري ؟ قالوا : أللّهمّ لا. قال : فأَنشُدكُمُ الله : هل فيكم أحدٌ له زوجةٌ مثلُ زوجتي فاطمةَ بنت محمد سيّدة نساء أهل الجنّة ، غيري ؟ قالوا : أللّهمّ لا. قال : أَنشُدُكُمْ بالله : هل فيكم أحدٌ له سِبطانِ مثلُ سِبطيَّ الحسن والحسين سيِّدَيْ شبابِ أهلِ الجنّة غيري ؟ قالوا : أللّهمّ لا. قال : فأَنشُدكُمْ بالله : هل فيكم أحدٌ ناجىٰ رسول الله مرّاتٍ ـ قدّمَ بين يدَي نجواهُ صدقةً ـ قبلي ؟ قالوا : أللّهمّ لا. قال : فأَنشُدكُمْ بالله : هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : من كنتُ مولاه ، فعليّ مولاه ، أللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه ، وانصر من نصره ، ليبلِّغ الشاهد الغائب ، غيري ؟» قالوا : أللّهمّ لا.

وأخرجه الإمام الحمّوئي في فرائد السمطين في الباب الثامن والخمسين(١) قال :

___________________________________

(١) فرائد السمطين : ١ / ٣١٩ ح ٢٥١.

٣٢٨

أخبرني الشيخ الإمام تاج الدين عليّ بن أنجب بن عبدالله الخازن البغداديّ ـ المعروف بابن الساعي ـ قال : أنبأ الإمام برهان الدين أبو المظفّر ناصر بن أبي المكارم المطرزيّ الخوارزميّ قال : أنبأ أَخطبُ خوارزم ضياء الدين أبو المؤيّد الموفَّق ابن أحمد المكّي ... إلىٰ آخر السند بطريقيه المذكورين.

ورواه ابن حاتم الشامي في الدرّ النظيم(١) من طريق الحافظ ابن مردويه بسند آخر له ، قال : حدّث أبو المظفّر عبدالواحد بن حمد بن محمد بن شيذه المقرئ ، قال : حدّثنا عبدالرزّاق بن عمر الطهراني ، قال : حدّثنا أبو بكر أحمد بن موسى الحافظ ـ ابن مردويه ـ قال : حدّثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن أبي دام(٢) ، قال : حدّثنا المنذر بن محمد ، قال : حدّثني عمّي قال : حدّثني أبي ، عن أبان بن تغلب ، عن عامر بن واثلة ، قال : كنتُ على الباب يوم الشورىٰ وعليٌّ في البيت ، فسمعته يقول ... باللفظ المذكور إلىٰ أن قال : قال : «أَنشُدكم بالله أَمنكُمْ من نصبه رسول الله يوم غدير خُمّ للولاية غيري ؟» قالوا : أللّهمّ لا.

وحديث الشورىٰ هذا أخرجه الحافظ الكبير الدارقطني ، ينقل عنه بعض فصوله ابن حجر في الصواعق(٣) ، قال (ص ٧٥) : أخرج الدارقطني : أنَّ عليّاً قال للستّة الذين جعل عمر الأمر شورىٰ بينهم كلاماً طويلاً من جملته :

«أَنشُدُكُمُ الله : هل فيكم أحدٌ قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : يا عليُّ أنت قسيم الجنّة والنار يوم القيامة ، غيري ؟» قالوا : أللّهمّ لا.

وقال (ص ٩٣) : أخرج الدارقطني : أنَّ عليّاً يوم الشورىٰ احتجّ على أهلها ، فقال لهم :

___________________________________

(١) الدرّ النظيم : ١ / ١١٦.

(٢) كذا في النسخ ، والصحيح : أبي دارم ، هو ابن أبي دارم الكوفيّ ، سمع منه التلعكبري سنة (٣٣٠) ، وله منه إجازة. (المؤلف)

(٣) الصواعق المحرقة : ص ١٢٦.

٣٢٩

«أَنشدُكُم بالله : هل فيكم أحد أقرب إلىٰ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في الرحم منّي ؟»(١).

وأخرجه الحافظ الأكبر ابن عقدة قال : حدّثنا عليّ بن محمد بن حبيبة الكندي ، قال : حدّثنا حسن بن حسين ، حدّثنا أبو غيلان سعد بن طالب الشيباني ، عن إسحاق ، عن أبي الطفيل ، قال : كنتُ في البيت يوم الشورىٰ ، وسمعت عليّاً يقول ... الحديث. ومنه المناشدة بحديث الغدير.

وقال الحافظ ابن عقدة أيضاً : حدّثنا أحمد بن يحيى بن زكريّا الأزديّ الصوفيّ ، قال : حدّثنا عمرو بن حمّاد بن طلحة القنّاد ، قال : حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الأزديّ ، عن معروف بن خربوذ ، وزياد بن المنذر ، وسعيد بن محمد الأسلمي ، عن أبي الطفيل ، قال :

لمّا احتُضر عمر بن الخطاب جعلها ـ الخلافة ـ شورىٰ بين ستّة : بين عليّ بن أبي طالب ، وعثمان بن عفّان ، وطلحة ، والزبير ، وسعد بن أبي وقّاص ، وعبدالرحمن ابن عوف رضي‌الله‌عنهم ، وعبدالله بن عمر فيمن يشاوَر ولا يُولّىٰ.

قال أبو الطفيل : فلمّا اجتمعوا أجلسوني على الباب أردُّ عنهم الناس ، فقال عليٌّ ... الحديث. وفيه المناشدة بحديث الغدير(٢).

وأخرجه الحافظ العقيلي(٣) ، قال : حدّثنا محمد بن أحمد الورامينيّ ، حدّثنا يحيى ابن المغيرة الرازي ، حدّثنا زافر ، عن رجل ، عن الحارث بن محمد ، عن أبي الطفيل ،

___________________________________

(١) الصواعق المحرقة : ص ١٥٦.

(٢) نقله عن ابن عقدة شيخ الطائفة في أماليه : ص ٧ و ٢١٢ [ص ٣٣٢ ح ٦٦٧ ، ص ٥٥٤ ح ١١٦٩]. (المؤلف)

(٣) أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسىٰ صاحب كتاب الضعفاء. قال الحافظ القطّان : أبو جعفر ثقة جليل القدر عالم بالحديث مُقدَّم في الحفظ تُوفِّي (٣٢٢) ، ترجمه الذهبيّ في التذكرة : ٣ / ٥٢ [٣ / ٨٣٣ رقم ٨١٤]. (المؤلف)

٣٣٠

قال : كنتُ على الباب يومَ الشورىٰ ... (١) ، وذكر من الحديث جملةً ضافيةً(٢).

وقال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة(٣) (٢ / ٦١) : نحن نذكر في هذا الموضع ما استفاض في الروايات من مناشدته أصحاب الشورىٰ ، وتعديده فضائله وخصائصه التي بان بها منهم ومن غيرهم ، قد روى الناس ذلك فأكثروا ، والذي صحّ عندنا أَنّه لم يكن الأمر كما روي من تلك التعديدات الطويلة ، ولكنّه قال لهم بعد أن بايع عبدالرحمن والحاضرون عثمان وتلكّأ هو عليه‌السلام عن البيعة : «إنَّ لنا حقّاً إنْ نُعْطَه نأخذْه ، وإن نُمَنَعْه نركبْ أَعجاز الإبل وإن طال السُّرىٰ ...» في كلام قد ذكره أهل السيرة ، وقد أوردنا بعضه فيما تقدّم. ثمّ قال لهم :

«أنشدُكُمُ الله : أفيكم أحد آخىٰ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بينه وبين نفسه ، حيث آخىٰ بين بعض المسلمين وبعض ، غيري ؟ فقالوا : لا. فقال : أفيكم أحدٌ قال له رسول الله : من كنتُ مولاه فهذا مولاه ، غيري ؟» فقالوا : لا.

وذكر شطراً منه ابن عبد البرّ في الاستيعاب(٤) (٣ / ٣٥) هامش الإصابة مسنداً قال : حدّثنا عبدالوارث ، حدّثنا قاسم ، حدّثنا أحمد بن زهير ، قال : حدّثنا عمرو بن حمّاد القنّاد قال : حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الأزدي عن معروف بن خربوذ عن زياد ابن المنذر عن سعيد بن محمد الأزدي عن أبي الطفيل ...(٥)

___________________________________

(١) الضعفاء الكبير : ١ / ٢١١ ح ٢٥٨.

(٢) حكاه عن العقيليِّ الذهبيُّ في ميزانه : ١ / ٢٠٥ [١ / ٤٤١ رقم ١٦٤٣] ، وابن حجر في لسانه : ٢ / ١٥٧ [٢ / ١٩٨ رقم ٢٢١٢]. (المؤلف)

(٣) شرح نهج البلاغة : ٦ / ١٦٧ خطبة ٧٣.

(٤) الاستيعاب : القسم الثالث / ١٠٩٨ رقم ١٨٥٥.

(٥) حديث مناشدة يوم الشورىٰ أخرجه عدّة من الحفّاظ بطرق شتّىٰ تنتهي إلىٰ أبي ذرّ وأبي الطفيل ، إلّا أنَّ منهم من أوعز إليه إيعازاً كالبخاري في التاريخ الكبير : ٢ / ٣٨٢ ، ومنهم من اقتطع منه محلّ حاجته كالذهبي في كتاب الغدير ، روىٰ منه ما يخصّ حديث الغدير كما يأتي ، ومنهم من رواه

٣٣١

وقال الرازي في تفسيره(١) (٣ / ٤١٨) في قوله تعالى : (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ ...) الآية :

إنَّ عليَّ بن أبي طالب كان أعرف بتفسير القرآن من هؤلاء الروافض ، فلو

___________________________________

بطوله على اختلاف يسير في اللفظ ، شأن سائر الأحاديث.

وممّن أخرجه ـ عدا من تقدّموا ـ ابن جرير الطبري في كتابه في الغدير ، رواه عنه الذهبي كما يأتي ، ورواه الحافظ الطبراني بطوله ، وعنه الخوارزمي في المناقب : ح ٣١٤ ، ورواه الحافظ الدارقطني ، ومن طريقه أخرجه الحافظ ابن عساكر في تاريخه : رقم ١١٤٠.

وأخرجه بطوله القاضي أبو عبدالله الحسين بن هارون الضبّي المتوفّىٰ سنة ٣٩٨ في المجلس ٦١ من أماليه : ق ١٤٠ ، الموجود بطوله في المجموع ٢٢ في المكتبة الظاهرية.

وممّن رواه الحاكم النيسابوري في كتابه في حديث الطير ، ومن طريقه أخرجه الگنجي في الباب المائة من كفاية الطالب : ص ٣٨٦ ، ورواه الحافظ ابن مردويه ، ومن طريقه أخرجه الخوارزمي في المناقب : ح ٣١٤.

وأخرجه أبو الحسن عليّ بن عمر القزويني في أماليه الموجود في مجاميع الظاهرية ، وأخرجه بطوله ابن المغازلي في كتاب المناقب : ح ١٥٥.

وأخرجه بطوله الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق في ترجمة أمير المؤمنين عليه‌السلام بعدّة طرق بالأرقام ١١٤٠ و ١١٤١ و ١١٤٢ تنتهي إلى أبي الطفيل ، كما أخرجه بطوله في تاريخه أيضاً في ترجمة عثمان ص ١٨٧ ـ ١٩٢ ـ طبعة المجمع السوري ـ وأخرجه الگنجي في كفاية الطالب : ص ٣٨٦.

وأخرجه الذهبي في كتابه في الغدير برقم ٣٧ من طريق الطبري في كتاب الغدير (طرق حديث من كنت مولاه) ، مقتصراً منه على ما يخصّ حديث الغدير ، فقال : حدّثنا ابن جرير في كتاب غدير خُمّ ، حدّثني عيسى بن عبدالرحمن ، أنبأنا عمرو بن حمّاد بن طلحة ، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الأزدي ، عن معروف بن خربوذ وزياد بن المنذر وسعيد بن محمد الأسدي ، عن أبي الطفيل ، قال : قال عليّ لعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبدالرحمن وابن عمر رضي الله عنهم أجمعين : «أَنشُدُكم بالله : هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم الغدير : أللّهمّ والِ من والاه وعادِ من عاداه غيري ؟» قالوا : أللّهمّ لا.

وأورده السيوطي بطوله عن أبي ذرّ في جمع الجوامع : ٢ / ١٦٥ ـ ١٦٦ وعن أبي الطفيل : ٢ / ١٦٦ ـ ١٦٧ ، وفي مسند فاطمة : ص ٢١ ، والهندي في كنز العمّال : ٥ / ٧١٧ ـ ٧٢٦ ح ١٤٢٤١ و ١٤٢٤٣. (الطباطبائي)

(١) التفسير الكبير : ١٢ / ٢٨.

٣٣٢

كانت هذه الآية دالّة علىٰ إمامته لاحتجَّ بها في محفل من المحافل ، وليس للقوم أن يقولوا : إنَّه تركه للتقيّة ؛ فإنّهم ينقلون عنه أنَّه تمسّك يوم الشورىٰ بخبر الغدير وخبر المباهلة وجميع فضائله ومناقبه ، ولم يتمسّك البتّة بهذه الآية في إثبات إمامته. انتهىٰ.

وأنت تعلم أنَّ الرازي في إسناد رواية الاحتجاج بحديث الغدير وغيره إلىٰ الروافض فحسب ، مندفع إلىٰ ما يتحرّاه بدافع العصبية ، فقد عرفت إسناد الخوارزمي الحنفي عن مشايخه الأئمّة الحفّاظ ، وهم عن مثل أبي يعلىٰ وابن مردويه من حفّاظ الحديث وأئمّة النقل ، كما أنَّا أوقفناك علىٰ تصريح ابن حجر بإخراج الحافظ الدارقطني من غير غمز فيه ، وإخراج الحافظ ابن عقدة ، والحافظ العقيلي ، وسمعت كلمة ابن أبي الحديد وحكمه باستفاضة حديث الاحتجاج وما صحّ منه عنده.

ومن ذلك كلّه تعرف قيمة ما جنح إليه السيوطيّ في اللآلئ المصنوعة(١) (١ / ١٨٧) من الحكم بوضع الحديث ؛ لمكان زافر ورجل مجهول في إسناد العقيلي ، وقد أوقفناك علىٰ أسانيد ليس فيها زافر ولا مجهول ، وهب أنَّا غاضيناه على الضعف في زافر ، فهل الضعف بمجرّده يحدو إلى الحكم الباتِّ بالوضع ؟ كما حسبه السيوطيّ في جميع الموارد من لآليه ، خلاف ما ذهب إليه المؤلِّفون في الموضوعات غيره ؟ لا ، وإنَّما هو من ضعف الرأي وقلّة البصيرة ؛ فإنّ أقصىٰ ما في رواية الضعفاء عدم الاحتجاج بها وإن كان التأييد بها ممّا لا بأس به ، علىٰ أنَّا نجد الحفّاظ الثقات المتثبِّتين في النقل ربّما أخرجوا عن الضعفاء لتوفّر قرائن الصحّة المحفوفة بخصوص الرواية أو بكتاب الرجل الخاصّ عندهم ، فيروونها لاعتقادهم بخروجها عن حكم الضعيف العامّ أو لاعتقادهم بالثقة في نقل الرجل وإن كان غير مرضيٍّ في بقيّة أعماله ، راجع صحيحي البخاري ومسلم وبقيّة الصحاح والمسانيد تجدها مفعمة بالرواية عن الخوارج والنواصب ، وهل ذلك إلّا للمزعمة التي ذكرناها ؟

___________________________________

(١) اللآلئ المصنوعة : ١ / ٣٦١ ـ ٣٦٣.

٣٣٣

علىٰ أنَّ زافراً وثّقه أحمد(١) وابن معين ، وقال أبو داود : ثقةٌ كان رجلاً صالحاً ، وقال أبو حاتم(٢) : محلّه الصدق(٣).

وقلّد السيوطيّ في طعنه هذا الذهبيَّ في ميزانه(٤) ، حيث رأى الحديث منكراً غير صحيح ، وجاء بعده ابن حجر ، وقلّده في لسانه(٥) ، واتّهم زافراً بوضعه ، وقد عرف الذهبي وابن حجر من عرفهما بالميزان الذي فيه ألف عين ، وباللسان الذي لا يبارحه الطعن لأغراض مستهدفة ، وهلمّ إلىٰ تلخيص الذهبيِّ مستدركَ الحاكم تجده طعّاناً في الصحاح ممّا رُوي في فضائل آل الله ، وما الحجّة فيه إلّا عداؤه المحتدم وتحيّزه إلىٰ من عداهم ، وحذا حذوه ابن حجر في تآليفه.

ـ ٢ ـ مناشدة أمير المؤمنين عليه‌السلام أيّام عثمان بن عفّان

روى شيخ الإسلام أبو إسحاق إبراهيم بن سعد الدين بن حمُّوْيَه ـ المترجم (ص ١٢٣) ـ بإسناده في فرائد السمطين(٦) في السمط الأوّل في الباب الثامن والخمسين عن التابعيّ الكبير سليم بن قيس الهلالي ، قال :

رأيت عليّاً ـ صلوات الله عليه ـ في مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في خلافة عثمان وجماعة يتحدّثون ويتذاكرون العلم والفقه ، فذكروا قريشاً وفضلها وسوابقها وهجرتها ، وما قال فيها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الفضل ، مثل قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «الأئمّة من

___________________________________

(١) العلل ومعرفة الرجال : ٢ / ٣٨١ رقم ٢٦٩٩.

(٢) الجرح والتعديل : ٣ / ٦٢٤ رقم ٢٨٢٥.

(٣) راجع تهذيب التهذيب : ٣ / ٣٠٤ [٣ / ٢٦٢]. (المؤلف)

(٤) ميزان الاعتدال : ١ / ٤٤١ رقم ١٦٤٣.

(٥) لسان الميزان : ٢ / ١٩٨ ـ ١٩٩ رقم ٢٢١٢.

(٦) فرائد السمطين : ١ / ٣١٢ ح ٢٥٠.

٣٣٤

قريش» ، وقوله : «الناس تبعٌ لقريش» ، «وقريش أئمّة العرب ...» إلىٰ أنَّ قال ـ بعد ذكر مفاخرة كلّ حيّ برجال قومه ـ :

وفي الحلقة أكثر من مائتي رجل فيهم عليُّ بن أبي طالب ، وسعد بن أبي وقّاص ، وعبدالرحمن بن عوف ، وطلحة ، والزبير ، والمقداد ، وهاشم بن عتبة ، وابن عمر ، والحسن ، والحسين ، وابن عبّاس ، ومحمد بن أبي بكر ، وعبدالله بن جعفر.

ومن الأنصار أُبيّ بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وأبو أيّوب الأنصاري ، وأبو الهيثم ابن التيّهان ، ومحمد بن سلمة ، وقيس بن سعد بن عبادة ، وجابر بن عبدالله ، وأنس بن مالك ، وزيد بن أرقم ، وعبدالله بن أبي أوفىٰ ، وابو ليلىٰ ومعه ابنه عبدالرحمن قاعدٌ بجنبه ، غلامٌ صبيح الوجه أمرد ، فجاء أبو الحسن البصري ومعه الحسن البصري ، غلامٌ أمرد صبيح الوجه معتدل القامة ، قال : فجعلت أنظر إليه وإلىٰ عبدالرحمن بن أبي ليلىٰ ، فلا أدري أيّهما أجمل ، غير أنَّ الحسن أعظمهما وأطولهما ، فأكثر القوم ، وذلك من بُكرة إلىٰ حين الزوال ، وعثمان في داره لا يعلم بشيء ممّا هم فيه ، وعليُّ بن أبي طالب عليه‌السلام ساكت لا ينطق ولا أحدٌ من أهل بيته ، فأقبل القوم عليه ، فقالوا : يا أبا الحسن ما يمنعك أن تتكلّم ؟

فقال : «ما من الحيّين إلّا وقد ذكر فضلاً ، وقال حقّاً ، فأنا أسألكم يا معشر قريش والأنصار : بمن أعطاكُمُ الله هذا الفضل بأنفسكم وعشائركم وأهل بيوتاتكم أم بغيركم ؟»

قالوا : بل أعطانا الله ومنَّ به علينا بمحمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعشيرته ، لا بأنفسنا وعشائرنا ولا بأهل بيوتاتنا.

قال : «صدقتم يا معشر قريش والأنصار ، ألستم تعلمون أنَّ الذي نلتم من خير الدنيا والآخرة منّا أهل البيت خاصّة دون غيرهم ؟ وأنَّ ابن عمّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : وإنّي وأهل بيتي كنّا نوراً يسعىٰ بين يدي الله تعالىٰ قبل أن يخلق الله عزّ وجلّ

٣٣٥

آدم عليه‌السلام بأربعة عشر ألف سنة ، فلمّا خلق الله تعالىٰ آدم عليه‌السلام وضع ذلك النور في صلبه وأهبطه إلى الأرض ، ثمّ حمله في السفينة في صلب نوح عليه‌السلام ، ثمّ قذف به في النار في صلب إبراهيم عليه‌السلام ، ثمّ لم يزل الله عزّ وجلّ ينقلنا في الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة من الآباء والأمّهات ، لم يُلقَ واحد منهم علىٰ سِفاحٍ قطُّ ؟».

فقال أهل السابقة والقُدْمة(١) وأهل بدر وأهل أُحد : نعم قد سمعنا من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

ثمّ قال : «أَنشُدُكم الله : إنَّ الله عزّ وجلّ فضّل في كتابه السابق على المسبوق في غير آية ، وإنّي لم يسبقني إلى الله عزّ وجلّ وإلىٰ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحدٌ من أهل الأمّة». قالوا : أللّهمّ نعم.

قال : فأَنشدُكُمُ الله : أتعلمون حيث نزلت (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ ...)(٢) ، (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَـٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ)(٣) سُئِل عنها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : أنزلها الله تعالىٰ ذكره في الأنبياء وأوصيائهم ، فأنا أفضل أنبياء الله ورسله ، وعليّ بن أبي طالب وصيّي أفضل الأوصياء ؟» ثمّ قالوا : أللّهمّ نعم.

قال : «فأَنشدُكُم الله : أتعلمون حيث نزلت (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ...)(٤) ، وحيث نزلت (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ...)(٥) ، وحيث نزلت (... وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّـهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ...)(٦) قال الناس : يا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخاصّة في

___________________________________

(١) أي السابقة في الأمر.

(٢) التوبة : ١٠٠.

(٣) الواقعة : ١٠ ـ ١١.

(٤) النساء : ٥٩.

(٥) المائدة : ٥٥.

(٦) التوبة : ١٦.

٣٣٦

بعض المؤمنين ، أم عامّة لجميعهم ؟ فأمر الله عزّ وجلّ نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يُعلمهم ولاة أمرهم ، وأن يفسِّر لهم من الولاية ما فسّر لهم من صلاتهم وزكاتهم وحجِّهم ، بنصبي للناس بغدير خُمّ ، ثمّ خطب ، وقال :

أيّها الناس إنَّ الله أرسلني برسالةٍ ضاق بها صدري وظننت أنَّ الناس مُكذِّبيّ ، فأوعدني لَأُبلّغُها أو لَيعذّبني. ثمّ أمر ، فنودي بالصلاة جامعة ، ثمّ خطب ، فقال :

أيّها الناس أتعلمون أنَّ الله عزّ وجلّ مولاي وأنا مولى المؤمنين ، وأنا أولىٰ بهم من أنفسهم ؟ قالوا : بلىٰ يا رسول الله. قال : قُم يا عليّ ، فقمت ، فقال : من كنتُ مولاه فعليّ مولاه ، أللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه.

فقام سلمان ، فقال : يا رسول الله ولاءٌ كماذا ؟ فقال : ولاءٌ كولاي ، من كنتُ أولىٰ به من نفسه فعليٌّ أولىٰ به من نفسه.

فأنزل الله ـ تعالىٰ ذكره ـ : (... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ...)(١) الآية.

فكبّر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال : الله أكبر ، تمامُ نبوّتي وتمام دين الله ولاية عليّ بعدي.

فقام أبو بكر وعمر ، فقالا : يا رسول الله هؤلاء الآيات خاصّة في عليٍّ عليه‌السلام ؟ قال : بلىٰ فيه وفي أوصيائي إلىٰ يوم القيامة. قالا : يا رسول الله بيِّنهم لنا. قال : عليٌّ أخي ووزيري ووارثي ووصيّي ، وخليفتي في أمّتي ، ووليّ كلّ مؤمن بعدي ، ثمّ ابني الحسن ، ثمّ الحسين ، ثمّ تسعة من ولد ابني الحسين ، واحد بعد واحد ، القرآن معهم ، وهم مع القرآن ، لا يفارقونه ولا يفارقهم حتىٰ يردوا عليَّ الحوض». فقالوا كلّهم : أللّهمّ نعم ، قد سمعنا ذلك ، وشهدنا كما قلت. وقال بعضهم : قد حفظنا جلّ ما قلت ، ولم نحفظ كلّه ! وهؤلاء الذين حفظوا أخيارنا وأفاضلنا.

___________________________________

(٧) المائدة : ٣.

٣٣٧

فقال عليّ عليه‌السلام : «صدقتم ليس كلّ الناس يستوون في الحفظ ، أَنشُد الله عزّ وجلّ من حفظ ذلك من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لَمّا قام فأخبر به».

فقام زيد بن أرقم ، والبراء بن عازب ، وسلمان ، وأبو ذر ، والمقداد ، وعمّار ، فقالوا : نشهد لقد حفظنا قول رسول الله ، وهو قائم على المنبر وأنت إلىٰ جنبه ، وهو يقول :

«أيّها الناس إنَّ الله عزّ وجلّ أمرني أن أنصب لكم إمامكم والقائم فيكم بعدي ووصيّي وخليفتي ، والذي فرض الله عزّ وجلّ على المؤمنين في كتابه طاعته فقرن بطاعته طاعتي ، وأمركم بولايته ، وإنّي راجعتُ ربّي ؛ خشية طعن أهل النفاق وتكذيبهم ، فأوعدني لَأُبلِّغُها أو لَيُعذِّبُني.

يا أيّها الناس إنَّ الله أمركم في كتابه بالصلاة ، فقد بيّنها لكم ، والزكاة والصوم والحجّ ، فبيّنتها لكم ، وفسّرتُها ، وأمركم بالولاية ، وإنّي أُشهدكم أنَّها لهذا خاصّة ، ـ ووضع يده علىٰ عليِّ بن أبي طالب ـ ثمّ لابنيه بعده ، ثمّ للأوصياء من بعدهم من ولدهم ، لا يُفارقون القرآن ، ولا يفارقهم القرآن ؛ حتى يَرِدوا عليَّ حوضي.

أيّها الناس قد بيّنتُ لكم مفزعكم بعدي وإمامكم ووليّكم وهاديكم ، وهو أخي عليّ بن أبي طالب ، وهو فيكم بمنزلتي فيكم ، فقلّدوه دينكم ، وأطيعوه في جميع أُموركم ، فإنّ عنده جميع ما علّمني الله من علمه وحكمته ، فسلوه وتعلّموا منه ومن أوصيائه بعده ، ولا تُعلّموهم ، ولا تتقدّموهم ، ولا تَخلّفوا عنهم ؛ فإنّهم مع الحقِّ والحقُّ معهم ، لا يُزايلونه ولا يُزايلهم ، ثمّ جلسوا». الحديث.

هذا لفظ الحمّوئي ، وفي كتاب سليم(١) نفسِهِ اختلافٌ يسير وزيادات. ويأتيك كلامنا حول سليم وكتابه.

___________________________________

(١) كتاب سليم بن قيس : ٢ / ٦٣٦ ح ١١.

٣٣٨

ـ ٣ ـ مناشدة أمير المؤمنين عليه‌السلام يوم الرحبة سنة (٣٥)(١)

إنَّ أمير المؤمنين عليه‌السلام لَمّا بلغه اتِّهام الناس له فيما كان يرويه من تقديم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إيّاه علىٰ غيره ، ونوزع في خلافته ، حضر في مجتمع الناس بالرحبة في الكوفة ، واستنشدهم بحديث الغدير ؛ ردّاً علىٰ من نازعه فيها ، وقد بلغ الاهتمام بهذه المناشدة إلىٰ أن رواها غيرُ يسير من التابعين ، وتظافرت إليها الأسانيد في كتب العلماء ، ونحن وقفنا علىٰ رواية أربعة صحابيين ، وأربعة عشر تابعيّاً(٢) ، فإلى الملتقىٰ :

١ ـ أبو سليمان المؤذِّن ـ المترجم (ص ٦٢) ـ :

قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة(٣) (١ / ٣٦٢) : روىٰ أبو إسرائيل(٤) ، عن الحكم(٥) ، عن أبي سليمان المؤذِّن ـ هذا سند أحمد الآتي ـ :

أنَّ عليّاً عليه‌السلام نشد الناس : «من سَمِع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : من كنتُ مولاه فعليّ مولاه ؟» فشهد له قومٌ ، وأمسك زيد بن أرقم ، ـ فلم يشهد ، وكان يعلمها ! ـ فدعا عليّ عليه‌السلام عليه بذهاب البصر فعَمِيَ ، فكان يحدِّث الناس بالحديث بعد ما كُفَّ بصره.

ويأتي بطرق أخرىٰ عنه عن زيد بن أرقم ، ولعلّ هذا من ذلك ، وفيه سقط(٦).

___________________________________

(١) وقع النصّ بها في حديث أبي الطفيل الآتي ، وفي رواية يعلى بن مرّة : أنَّ عليّاً لمّا قَدِم الكوفة نَشَد الناس ، ومعلوم أنَّ أمير المؤمنين عليه‌السلام قدمها سنة (٣٥). (المؤلف)

(٢) كثير من طرق هذه المناشدة صحيح رجاله ثقات. (المؤلف)

(٣) شرح نهج البلاغة : ٤ / ٧٤ خطبة ٥٦.

(٤) إسماعيل بن خليفة الملّائي المتوفّىٰ (١٦٩) ، وثّقه الحافظ الهيثمي في مجمعه وصحّح حديثه. (المؤلف)

(٥) هو ابن عتيبة الثقة ، المترجم (ص ٦٣). (المؤلف)

(٦) بل السقط متيقّن ؛ فالطرق والمصادر الكثيرة الآتية في زيد بن أرقم فيها كلّها عن أبي سلمان عن

٣٣٩

٢ ـ أبو القاسم أصبغ بن نُباتة ـ المترجم (ص ٦٢) ـ : روى ابن الأثير في أُسد الغابة(١) (٣ / ٣٠٧ و ٥ / ٢٠٥) عن الحافظ ابن عقدة عن محمد بن إسماعيل بن إسحاق الراشدي ، حدّثنا محمد بن خلف النميري ، حدّثنا عليّ بن الحسن العبدي عن الأصبغ قال :

نشد عليٌّ الناس في الرحبة : «من سمِع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم غدير خُمّ ما قال إلّا قام ، ولا يقوم إلّا من سمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول».

فقام بضعة عشر رجلاً فيهم أبو أيّوب الأنصاريّ ، وأبو عمرة بن عمرو بن محصن ، وأبو زينب ـ بن عوف الأنصاري ـ وسهل بن حنيف ؛ وخزيمة بن ثابت ، وعبدالله بن ثابت الأنصاريّ ، وحُبشي بن جنادة السلولي ، وعُبيد بن عازب الأنصاريّ ، والنعمان بن عجلان الأنصاريّ ، وثابت بن وديعة الأنصاريّ ، وأبو فضالة الأنصاريّ ، وعبدالرحمن بن عبد ربّ الأنصاريّ ، فقالوا :

نشهد أنَّا سمعنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «ألا من كنتُ مولاه فعليّ مولاه ، أللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه ، وأحبَّ من أحبّه وأبغض من أبغضه ، وأعن من أعانه».

وفي أُسد الغابة(٢) عن الأصبغ بن نباتة : قال :

___________________________________

زيد بن أرقم ، فما ورد عند ابن أبي الحديد وعند الذهبي في كتابه في الغدير برقم ١٤ ممّا ليس فيه عن زيد بن أرقم يحمل على السقط .

ويدلّ عليه أنَّ الذهبي رواه عن الغيلانيّات ، ورواية الغيلانيّات عن أبي سلمان عن زيد بن أرقم.

والصواب في كنيته المؤذّن أبو سلمان ، كما هو في المصادر الرجالية وورد في الطرق والأسانيد .

(الطباطبائي)

(١) أُسد الغابة : ٣ / ٤٦٩ رقم ٣٣٤١.

(٢) المصدر السابق : ٦ / ١٣٠ رقم ٥٩٢٦.

٣٤٠