🚖

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: قلم
الطبعة: ١
الصفحات: ٧١٦
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

٣٧ ـ نظام الدين النيسابوري : قاله في تفسيره(١) هامش تفسير الرازي.

٣٨ ـ الشربيني الشافعيّ : المتوفّىٰ (٩٧٧).

قاله في تفسيره(٢) (٤ / ٢٠٠) واستشهد ببيت لبيد.

٣٩ ـ أبو السعود محمد بن محمد الحنفيّ ، القسطنطينيّ : المتوفّىٰ (٩٧٢).

ذكره في تفسيره(٣) هامش تفسير الرازي (٨ / ٧٢) ، ثمّ ذكر بقيّة المعاني.

٤٠ ـ الشيخ سليمان جمل : ذكر في تعليقه علىٰ تفسير الجلالين الذي أسماه بالفتوحات الإلٰهيّة(٤) ، وفرغ منه سنة (١١٩٨).

٤١ ـ المولىٰ جارالله ألله آبادي.

قال في حاشية تفسير البيضاوي : المولىٰ مشتقٌّ من الأولىٰ بحذف الزائد.

٤٢ ـ محبّ الدين أفندي. قاله في شرح بيت لبيد في كتابه تنزيل الآيات علىٰ الشواهد من الأبيات(٥) سنة (١٢٨١).

ولولا أنَّ هؤلاء ـ وهم أئمّة العربيّة وبواقع اللغة ـ عرفوا أنَّ هذا المعنىٰ من معاني اللفظ اللغويّة لما صحّ لهم تفسيره ، وأمّا قول البيضاوي ـ بعد أن ذكر معنى الأَولىٰ ـ : وحقيقته محراكم ؛ أي مكانكم الذي يقال فيه : هو أولىٰ بكم ، كقولك : هو مئنة الكرم ، أي مكان قول القائل : إنَّه الكريم ، أو مكانكم عمّا قريب ، من الولي وهو القرب ، أو ناصركم علىٰ طريقة قوله :

___________________________________

(١) غرائب القرآن : ٢٧ / ١٣٠.

(٢) السراج المنير : ٤ / ٢٠٨.

(٣) إرشاد العقل السليم إلىٰ مزايا القرآن الكريم : ٨ / ٢٠٨.

(٤) الفتوحات الإلٰهية : ٤ / ٢٩٠.

(٥) تنزيل الآيات على الشواهد من الأبيات : ص ٢٠١.

٦٢١

تحيّة بينهم ضربٌ وجيعُ. أو متولّيكم يتولّاكم كما تولّيتم موجباتها في الدنيا(١). انتهىٰ.

فإنّه لا يعني به الحقيقة اللغويّة التي نصّ بها أوّلاً ، وإنَّما يريد الحاصل من المعنىٰ ، ويشعر إلىٰ(٢) ذلك تقديم قوله : (هِيَ أَولىٰ بكُم) واستشهاده ببيت لبيد الذي لم يحتمل فيه غير هذا المعنىٰ ، وقوله أخيراً : مكانكم الذي يقال فيه ... إلخ. وأنَّه أخذ في تقريب بقيّة المعاني بأنحاء من العناية يناسب كلٌ منها واحداً منهنّ إلّا معنى (الأَولىٰ) ، فإنّه لم يقرِّبْه من الوجهة اللغويّة ، بل أثبته بتقديمه والاستشهاد بالشعر ، وإنَّما طفِق يقرّبُه من وجهة القصد والإرادة. ويقرب منه ما في تفسير النسفي.

وقال الخازن(٣) : (هِيَ مَوْلَاكُمْ) أي وليّكم ، وقيل : أَولىٰ بكم لِما أسلفتم من الذنوب ، والمعنىٰ هي التي تلي عليكم لأنّها ملكت أمركم وأُسلِمتم إليها ، فهي أَولىٰ بكم من كلِّ شيء ، وقيل : معنى الآية : لا مولىٰ لكم ولا ناصر ؛ لأنّ من كانت النار مولاه فلا مولىٰ له. انتهىٰ.

أمّا تفسيره بالوليّ ، فلا منافاة فيه لما نرتئيه لما ثبت من مساوقة (الوليّ) مع (المولىٰ) في جملة من المعاني.

ومنها : الأَولىٰ بالأمر ، وسيوافيك إيضاح ذلك إن شاء الله ، فيكون القولان محض تغاير في التعبير ، لا تبايناً في الحقيقة. وما استرسل بعد ذلك من البيان فهو تقريب لإرادة المعنىٰ كما أسلفناه. والقول الثالث هو ذكر لازم المعنىٰ سواءٌ كان هو الوليّ أو الأَولىٰ ، فلا معاندة بينه وبين ما تقدّمه من تفسير اللفظ.

وهناك آيات أخرىٰ استعمل فيها المولىٰ أيضاً بمعنى الأَولىٰ بالأمر منها :

___________________________________

(١) أنوار التنزيل : ٢ / ٤٦٩.

(٢) الظاهر أنَّه قدس‌سره ضمّن «يشعر» معنىٰ «يشير» فعدّاه بـ «إلىٰ».

(٣) تفسير الخازن : ٤ / ٢٢٩.

٦٢٢

قوله تعالىٰ في سورة البقرة : (أَنتَ مَوْلَانَا) : قال الثعلبي في الكشف والبيان(١) : أي ناصرنا وحافظنا ووليّنا وأَولىٰ بنا.

وقوله تعالىٰ في سورة آل عمران : (بَلِ اللَّـهُ مَوْلَاكُمْ) : قال أحمد بن الحسن الزاهد الدرواجكي في تفسيره المشهور بالزاهدي : أي الله أَولىٰ بأن يطاع.

وقوله تعالىٰ في سورة التوبة : (مَا كَتَبَ اللَّـهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) :

قال أبو حيّان في تفسيره (٥ / ٥٢) : قال الكلبي : أي أَولىٰ بنا من أنفسنا في الموت والحياة. وقيل : مالكنا وسيّدنا فلهذا يتصرّف كيف يشاء.

وقال السجستاني العزيزي في غريب القرآن(٢) (ص ١٥٤) : أي وليّنا ، والمولىٰ علىٰ ثمانية أوجه : المعتِق ـ بالكسر ـ والمعتَق ـ بالفتح ـ والوليّ ، والأَولىٰ بالشيء ، وابن العمّ ، والصهر ، والجار ، والحليف.

كلام الرازي في مفاد الحديث

أقبل الرازي يتتعتع ويتلعثم بشُبَهٍ يبتلعها طوراً ، ويجترّها تارةً ، وأخذ يصعِّد ويصوِّب في الإتيان بالشُّبه بصورةٍ مكبَّرة ، فقال بعد نقله معنى الأولىٰ عن جماعة ما نصّه :

قال تعالىٰ : (مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) ، وفي لفظ (المولىٰ) هاهُنا أقوال :

أحدها : قال ابن عبّاس : مولاكم ؛ أي مصيركم ، وتحقيقه : أنَّ المولىٰ موضع

___________________________________

(١) الكشف والبيان : الورقة ٩٢ سورة الحديد : آية ١٥.

(٢) غريب القرآن : ص ٣١١.

٦٢٣

الوليّ وهو القرب ، فالمعنىٰ : أنَّ النار هي موضعكم الذي تقربون منه وتصلون إليه.

والثاني : قال الكلبي : يعني أَولىٰ بكم ، وهو قول الزجّاج والفرّاء وأبي عبيدة.

واعلم أنَّ هذا الذي قالوه معنىً ، وليس بتفسير اللفظ ؛ لأنّه لو كان (مولى) و (أَولىٰ) بمعنىً واحد في اللغة لصحّ استعمال كلِّ واحد منهما في مكان الآخر ، فكان يجب أن [يصح أن](١) يقال : هذا مولىً من فلان [كما يقال هذا أَولىٰ من فلان ، ويصح أن يقال هذا أَولىٰ فلان كما يقال هذا مولىٰ فلان](٢) ، ولمّا بطل ذلك علمنا أنَّ الذي قالوه معنىً ، وليس بتفسير.

وإنَّما نبّهنا علىٰ هذه الدقيقة ؛ لأنّ الشريف المرتضىٰ ـ لمّا تمسّك في إمامة عليّ بقوله عليه‌السلام : «من كنتُ مولاه فعليّ مولاه» ـ قال : أحد معاني (مولى) أنَّه (أَولىٰ) ، واحتجَّ في ذلك بأقوال أئمّة اللغة في تفسير هذه الآية بأنَّ (مولىً) معناه (أَولىٰ) وإذا ثبت أنَّ اللفظ محتمِلٌ له وجب حمله عليه ؛ لأنَّ ما عداه إمّا بيِّن الثبوت ككونه ابن العمّ(٣) والناصر ، أو بيّن الانتفاء كالمُعتِق والمُعتَق ، فيكون على التقدير الأوّل عبثاً ، وعلى التقدير الثاني كذباً.

وأمّا نحن فقد بينّا بالدليل أنَّ قول هؤلاء في هذا الموضع معنىً لا تفسير ، وحينئذٍ يسقط الاستدلال به. تفسير الرازي(٤) (٨ / ٩٣).

وقال في نهاية العقول : إنَّ المولىٰ لو كان يجيء بمعنى (الأَولىٰ) لصحّ أن يقرن بأحدهما كلّ ما يصحُّ قرنه بالآخر ، لكنّه ليس كذلك ، فامتنع كون المولىٰ بمعنى الأَولىٰ.

___________________________________

(١) و (٢) الزيادة من المصدر.

(٣) هذه غفلة عجيبة ، وسيُوافيك أنَّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان ابن عمّ جعفر وعقيل وطالب وآل أبي طالب كلّهم ، ولم يكن أمير المؤمنين ابن عمّ لهم ، فإنّه كان أخاهم ، فهذا ممّا يلزم منه الكذب لو أُريد من لفظ (المولىٰ) ، لا ممّا هو بيّن الثبوت. (المؤلف)

(٤) التفسير الكبير : ٢٩ / ٢٢٧ .

٦٢٤

بيان الشرطيّة : إنَّ تصرّف الواضع ليس إلّا في وضع الألفاظ المفردة للمعاني المفردة ، فأمّا ضمُّ بعض تلك الألفاظ إلى البعض بعد صيرورة كلِّ واحد منهما موضوعاً لمعناه المفرد فذلك أمر عقليّ ، مثلاً إذا قلنا : الإنسان حيوان فإفادة لفظ الإنسان للحقيقة المخصوصة بالوضع ، وإفادة لفظ الحيوان للحقيقة المخصوصة أيضاً بالوضع ، فأمّا نسبة الحيوان إلى الإنسان ـ بعد المساعدة علىٰ كون كلِّ واحد من هاتين اللفظتين موضوعة للمعنى المخصوص ـ فذلك بالعقل لا بالوضع ، وإذا ثبت ذلك فلفظة (الأَولىٰ) إذا كانت موضوعةً لمعنىً ولفظة (من) موضوعة لمعنىً آخر ، فصحّة دخول أحدهما على الآخر لا تكون بالوضع بل بالعقل.

وإذا ثبت ذلك ، فلو كان المفهوم من لفظة (الأَولىٰ) بتمامه من غير زيادة ولا نقصان هو المفهوم من لفظة (المولىٰ) ، والعقل حكَمَ بصحّة اقتران المفهوم من لفظة (من) بالمفهوم من لفظة (الأَولىٰ) ، وجب صحّة اقترانه أيضاً بالمفهوم من لفظة (المولىٰ) ؛ لأنّ صحّة ذلك الاقتران ليست بين اللفظين ، بل بين مفهوميهما.

بيان أنَّه ليس كلُّ ما يصحّ دخوله علىٰ أحدهما صحّ دخوله علىٰ الآخر : إنَّه لا يقال : هو مولىً من فلان ، ويصحّ أن يقال : هو مولىً ، وهما مولَيان ، ولا يصحّ أن يقال : هو أَولى ـ بدون من ـ وهما أَوليان. وتقول : هو مولى الرجل ومولىٰ زيد ، ولا تقول : هو أَولىٰ الرجل وأَولىٰ زيد. وتقول : هما أَولىٰ رجلين وهم أَولىٰ رجال ، ولا تقول : هما مولىٰ رجلين ، ولا هم مولىٰ رجال ، ويقال : هو مولاه ومولاك ، ولا يقال : هو أولاه وأولاك. لا يقال : أليس يقال : ما أَولاه ! لأنّا نقول : ذاك أفعل التعجّب ، لا أفعل التفضيل ، علىٰ أنَّ ذاك فعل ، وهذا اسم ، والضمير هناك منصوب ، وهنا مجرورٌ ، فثبت أنَّه لا يجوز حمل المولىٰ على الأَولىٰ. انتهىٰ.

وإن تعجب فعجب أن يعزب عن الرازي اختلاف الأحوال في المشتقّات لزوماً وتعديةً بحسب صِيَغها المختلفة . إنَّ اتحاد المعنىٰ أو الترادف بين الألفاظ إنَّما يقع في جوهريّات المعاني ، لا عوارضها الحادثة من أنحاء التركيب وتصاريف الألفاظ

٦٢٥

وصيغها ، فالاختلاف الحاصل بين (المولىٰ) و (الأَولىٰ) ـ بلزوم مصاحبة الثاني للباء وتجرّد الأوّل منه ـ إنَّما حصل من ناحية صيغة (أفعل) من هذه المادّة ، كما أنَّ مصاحبة (من) هي مقتضىٰ تلك الصيغة مطلقاً. إذن فمفاد (فلانٌ أَولىٰ بفلان) و (فلانٌ مولىٰ فلان) واحدٌ ، حيث يراد به الأولىٰ به من غيره ، كما أنَّ (أفعل) بنفسه يستعمل مضافاً إلى المثنّىٰ والجمع أو ضميرهما بغير أداة فيقال : زيد أفضل الرجلين أو أفضلهما ، وأفضل القوم أو أفضلهم ، ولا يستعمل كذلك إذا كان ما بعده مفرداً ، فلا يقال : زيد أفضل عمرو ، وإنَّما هو أفضل منه ، ولا يرتاب عاقل في اتّحاد المعنىٰ في الجميع ، وهكذا الحال في بقيّة صيغ (أفعل) كأعلم وأشجع وأحسن وأسمح وأجمل إلىٰ نظائرها.

قال خالد بن عبدالله الأزهري في باب التفضيل من كتابه التصريح : إنَّ صحّة وقوع المرادف موقع مرادفه إنَّما يكون إذا لم يمنع من ذلك مانعٌ ، وهاهنا منع مانع ، وهو الاستعمال ، فإنَّ اسم التفضيل لا يصاحب من حروف الجرّ إلّا (من) خاصّة ، وقد تُحذَف مع مجرورها للعلم بها نحو (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ)(١).

علىٰ أنَّ ما تشبّث به الرازي يطّرد في غير واحد من معاني المولى التي ذكرها هو وغيره ، منها ما اختاره معنىً للحديث وهو (الناصر) ، فلم يستعمل هو مولىٰ دين الله مكان ناصره ، ولا قال عيسىٰ ـ علىٰ نبيِّنا وآله وعليه السلام ـ : من مواليَّ إلى الله ؟ مكان قوله : (مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّـهِ)(٢) ، ولا قال الحواريّون : نحن موالي الله ؟ بدل قولهم : (نَحْنُ أَنصَارُ اللَّـهِ).

ومنها الوليُّ فيقال للمؤمن : هو وليُّ الله ، ولم يرد من اللغة مولاه ، ويقال : الله وليُّ المؤمنين ومولاهم ، كما نصَّ به الراغب في مفرداته(٣) (ص ٥٥٥).

___________________________________

(١) الأعلىٰ : ١٧.

(٢) الصف : ١٤.

(٣) المفردات في غريب القرآن : ص ٥٣٣.

٦٢٦

وهلمّ معي إلىٰ أحد معاني (المولى) المتّفق علىٰ إثباته وهو المنعم عليه ، فإنّك تجده مخالفاً لأصله في مصاحبة (علىٰ) فيجب على الرازي أن يمنعه إلّا أن يقول : إنَّ مجموع اللفظ وأداته هو معنى المولىٰ لكن ينكمش منه في الأَولىٰ به لأمر ما دبّره بليل.

وهذه الحالة مطّردة في تفسير الألفاظ والمشتقّات وكثير من المترادفات علىٰ فرض ثبوت الترادف ، فيقال : أجحف به وجحفه ، أكبّ لوجهه وكبّه الله ، أحرس به وحرسه ، زريت عليه زرياً وأزريت به ، نسأ الله في أجله وأنسأ أجله ، رفقت به وأرفقته ، خرجت به وأخرجته ، غفلت عنه وأغفلته ، أبذيت القوم وبذوت عليهم ، أشلتُ الحجر وشلتُ به. كما يقال : رأمت الناقة ولدها أي عطفت عليه ، اختتأ له أي خدعه ، صلّىٰ عليه أي دعا له ، خنقته العبرة أي غصّ بالبكاء ، احتنك الجراد الأرض ، وفي القرآن (لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ)(١) ؛ أي أستولي عليها وأستوليَنّ عليهم ، ويقال : استولىٰ عليه ؛ أي غلبه وتمكّن منه ، وكلّها بمعنىً واحد ، ويقال : أجحف فلان بعبده أي كلّفه ما لا يُطاق.

وقال شاه صاحب في الحديث : إنَّ (أَولىٰ) في قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ألستُ أَولىٰ بالمؤمنين من أنفسهم» مشتقٌّ من الولاية بمعنى الحبّ. انتهىٰ. فيقال : أَولىٰ بالمؤمنين ؛ أي أحبّ إليهم ، ويقال بصر به ونظر إليه ورآه ، وكلّها واحدٌ.

وأنت تجد هذا الاختلاف يطّرد في جلّ الألفاظ المترادفة التي جمعها الرمّاني ـ المتوفّىٰ (٣٨٤) ـ في تأليف مفرد في (٤٥) صحيفة ـ طبع مصر (١٣٢١) ـ ولم ينكر أحدٌ من اللغويّين شيئاً من ذلك لمحض اختلاف الكيفيّة في أداة الصحبة ، كما لم ينكروا بسائر الاختلافات الواردة من التركيب ، فإنّه يقال : عندي درهمٌ غير جيّد ، ولم يجُز : عندي درهمٌ إلّا جيِّد ، ويقال : إنَّك عالمٌ ، ولا يقال : إنَّ أنت عالم ، ويدخل (إلىٰ) على المضمر ، دون حتىٰ مع وحدة المعنىٰ ، ولاحظ (أم) و (أو) فإنّهما للترديد ، ويفرقان في

___________________________________

(١) الإسراء : ٦٢.

٦٢٧

التركيب بأربعة أوجه ، وكذلك هل والهمزة ، فإنّهما للاستفهام ، ويفرقان بعشرة فوارق ، و (أيّان) و (حتىٰ) مع اتِّحادهما في المعنىٰ يفرقان بثلاث ، و (كم) و (كأيّن) بمعنىً واحد ، ويفرقان بخمسة ، و (أيّ) و (من) يفرقان بستّة مع اتحادهما ، و (عند) و (لَدُن) و (لدي) مع وحدة المعنىٰ فيها تفرق بستّة أوجه.

ولعلّ إلىٰ هذا التهافت الواضح في كلام الرازي أشار نظام الدين النيسابوري في تفسيره(١) بعد نقل محصّل كلامه إلىٰ قوله : وحينئذٍ يسقط الاستدلال به ، فقال : قلت : في هذا الإسقاط بحث لا يخفىٰ.

الشبهة عند العلماء

لم تكن هذه الشبهة الرازيّة الداحضة بالتي تخفىٰ على العرب والعلماء ، لكنّهم عرفوها قبل الرازي وبعده ، وما عرفوها إلّا في مَدحرة البطلان ، ولذلك تراها لم تزحزحهم عن القول بمجيء (المولىٰ) بمعنى (الأَولىٰ).

قال التفتازاني في شرح المقاصد(٢) (ص ٢٨٩) ، والقوشجي في شرح التجريد(٣) ولفظهما واحد :

إنَّ المولىٰ قد يراد به المُعتَق والحليف والجار وابن العمّ والناصر والأَولىٰ بالتصرّف ، قال الله تعالىٰ : (مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ) ؛ أي أوَلىٰ بكم ، ذكره أبو عبيدة ، وقال النبيُّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أيّما امرأة نُكِحت بغير إذن مولاها ...» ؛ أي الأَولىٰ بها والمالك لتدبير أمرها ، ومثله في الشعر كثير.

وبالجملة : استعمال (المولىٰ) بمعنى المتولّي والمالك للأمر والأَولىٰ بالتصرّف شائعٌ في كلام العرب ، منقول عن كثير من أئمّة اللغة ، والمراد أنَّه اسمٌ لهذا المعنىٰ ، لا أنَّه

___________________________________

(١) غرائب القرآن : ٢٧ / ١٣٣.

(٢) شرح المقاصد : ٥ / ٢٧٣.

(٣) شرح التجريد : ص ٤٧٧.

٦٢٨

صفة بمنزلة الأَولىٰ ؛ ليُعترَض بأنّه ليس من صيغة أفعل التفضيل وأنَّه لا يستعمل استعماله. انتهىٰ.

ذكرا ذلك عند تقريب الاستدلال بالحديث على الإمامة ثمّ طفقا يردّانه من شتّى النواحي ، عدا هذه الناحية ، فأبقياها مقبولةً عندهما ، كما أنَّ الشريف الجرجاني في شرح المواقف حذا حذوهما في القبول ، وزاد بأنّه ردّ بذلك مناقشة القاضي عضد بأنّ (مفعلاً) بمعنىٰ (أفعل) لم يذكره أحدٌ ، فقال :

أُجيب عنه بأنّ المولىٰ بمعنى المتولّي والمالك للأمر والأَولىٰ بالتصرّف شائع في كلام العرب منقول من أئمّة اللغة ، قال أبو عبيدة : (هِيَ مَوْلَاكُمْ) أي أَولىٰ بكم ، وقال عليه‌السلام : «أيّما امرأةٍ نُكحت بغير إذن مولاها ...» ؛ أي الأَولىٰ بها والمالك لتدبير أمرها(١).انتهىٰ.

وابن حجر في الصواعق(٢) (ص ٢٤) على تصلّبه في ردّ الاستدلال بالحديث سلّم مجيء المولىٰ بمعنى الأَولىٰ بالشيء ، لكنّه ناقش في متعلّق الأولويّة في أنَّه هل هي عامّة الأمور ، أو أنَّها الأَولويّة من بعض النواحي ؟ واختار الأخير ، ونسب فهم هذا المعنىٰ من الحديث إلى الشيخين أبي بكر وعمر في قولهما : أمسيت مولىٰ كلِّ مؤمن ومؤمنة ، وحكاه عنه الشيخ عبدالحقّ في لمعاته ، وكذا حذا حذوه الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبدالقادر الشافعي في ذخيرة المآل ، فقال :

التولّي : الولاية ، وهو الصديق والناصر ، أو الأولىٰ بالاتّباع والقرب منه ، كقوله تعالىٰ : (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ)(٣) ، وهذا الذي فهمه عمر رضي‌الله‌عنه من الحديث ، فإنّه لمّا سمعه قال : هنيئاً يا ابن أبي طالب أمسيتَ وليَّ كلِّ مؤمن ومؤمنة. انتهىٰ.

___________________________________

(١) حاشية السيالكوتي علىٰ شرح المواقف : ٨ / ٣٦١.

(٢) الصواعق المحرقة : ص ٤٤.

(٣) آل عمران : ٦٨.

٦٢٩

وسبق عن الأنباري في مشكل القرآن : أنَّ للمولىٰ ثمانية معانٍ ، أحدها : الأَولىٰ بالشيء ، وحكاه الرازي عنه وعن أبي عبيدة ، فقال في نهاية العقول :

لا نُسلّم أنَّ كلّ من قال :إنَّ لفظة (المولىٰ) محتملةٌ للأَولىٰ قال بدلالة الحديث على إمامة عليٍّ رضي‌الله‌عنه. أليس أنَّ أبا عبيدة وابن الأنباري حكما بأنّ لفظة (المولىٰ) للأَولىٰ مع كونهما قائلين(١) بإمامة أبي بكر رضي‌الله‌عنه ؟

ونقل الشريف المرتضىٰ(٢) عن أبي العبّاس المبرّد : أنَّ أصل تأويل الوليّ ؛ أي الذي هو أَولىٰ وأحقّ ، ومثله المولىٰ.

وقال أبو نصر الفارابي الجوهري المتوفّىٰ (٣٩٣) في صحاح اللغة(٣) (٢ / ٥٦٤) مادّة (ولي) في قول لبيد : إنَّه يريد أَولىٰ موضع أن يكون فيه الخوف.

وأبو زكريا الخطيب التبريزي في شرح ديوان الحماسة(٤) (١ / ٢٢) في قول جعفر بن عُلْبة الحارثي :

ألهفا بقرّىٰ سحبل(٥) حين أحلبت

علينا الولايا والعدوّ المباسل‌ش

عدّ من وجوه معاني المولى الثمانية(٦) الوليّ والأَولىٰ بالشيء ، وعن عمر بن عبدالرحمن الفارسي القزويني في كشف الكشّاف في بيت لبيد : أنَّ مولى المخافة ؛ أي أولىٰ وأحرىٰ بأن يكون فيه الخوف. وعدّ سبط ابن الجوزي في التذكرة(٧) (ص ١٩) ذلك من معاني المولى العشرة المستندة إلىٰ علماء العربيّة ، ومثله ابن طلحة الشافعي في

___________________________________

(١) لا يهمّنا ما يرتئيه في الإمامة ، وإنَّما الغرض تنصيصهما بمعنى اللفظ اللغوي. (المؤلف)

(٢) الشافي في الإمامة : ٢ / ٢١٩.

(٣) الصحاح : ٦ / ٢٥٢٩.

(٤) شرح ديوان الحماسة : ١ / ٩.

(٥) سحبل : موضع في ديار بني الحارث بن كعب. معجم البلدان : ٣ / ١٩٤.

(٦) وهي : العبد ، والسيّد ، وابن العمّ ، والصهر ، والجار ، والحليف ، والوليّ ، والأَولىٰ بالشيء. (المؤلف)

(٧) تذكرة الخواص : ص ٣١ ـ ٣٢.

٦٣٠

مطالب السؤول (ص ١٦) ، وذكر الأَولىٰ في طليعة المعاني التي جاء بها الكتاب ، وتبعه الشبلنجي في نور الأبصار(١) (ص ٧٨) ، وأسند ذلك إلى العلماء ، وقال شارحا المعلّقات السبع ـ عبدالرحيم بن عبدالكريم(٢) ، ورشيد النبيّ ـ في بيت لبيد : إنَّه أراد بـ (وليّ المخافة) الأَولىٰ بها.

وبذلك كلّه تعرف حال ما أسنده صاحب التحفة الاثنا عشريّة(٣) إلىٰ أهل العربيّة قاطبة من إنكار استعمال (المولىٰ) بمعنى الأَولىٰ بالشيء أَوَ يحسبُ الرجل أنَّ من ذكرناهم من أئمّة الأدب الفارسي ؟ أو أنَّهم لم يقفوا علىٰ موارد لغة العرب ، كما وقف عليها الشاه صاحب الهندي ؟ وليس الحَكَم في ذلك إلّا ضميرك الحرّ.

مضافاً إلىٰ أنَّ إنكار الرازي عدم استعمال (أَولىٰ) مضافاً ، ممنوع على إطلاقه ؛ لما عرفت من إضافته إلى المثنّىٰ والمجموع ، وجاءت في السنّة إضافته إلى النكرة ، ففي صحيح البخاري(٤) في الجزء العاشر (ص ٧ ، ٩ ، ١٠ ، ١٣) بأسانيد جمّة قد اتّفق فيها اللفظ عن ابن عبّاس عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «ألحقوا الفرائض بأهلها فما تركت الفرائض فلأَولىٰ رجل ذكر». ورواه مسلم في صحيحه(٥) (٢ / ٢) وفيما أخرجه أحمد في المسند(٦) (١ / ٣١٣) : «فلأَولىٰ ذكر» ، وفي (ص ٣٢٥) : «فلأَولىٰ رجل ذكر» ، وفي نهاية ابن الأثير(٧) (٢ / ٤٩) : «لأَولىٰ رجل ذكر».

ويعرب عمّا نرتئيه في حديث الغدير ما يماثله في سياقه جدّاً عن

___________________________________

(١) نور الأبصار : ص ١٦٠.

(٢) شرح المعلّقات السبع : ص ٥٤.

(٣) التحفة الاثنا عشريّة : ص ٢٠٩.

(٤) صحيح البخاري : ٦ / ٢٤٧٦ ح ٦٣٥١ ، ص ٢٤٧٧ ح ٦٣٥٤ ، ص ٢٤٧٨ ح ٦٣٥٦ ، ص ٢٤٨٠ ح ٦٣٦٥.

(٥) صحيح مسلم : ٣ / ٤٢٥ ح ٣ كتاب الفرائض.

(٦) مسند أحمد : ١ / ٥١٥ ح ٢٨٥٧ ، ص ٥٣٤ ح ٢٩٨٦.

(٧) النهاية في غريب الحديث والأثير : ٥ / ٢٢٩.

٦٣١

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ما من مؤمن إلّا أنا أَولى الناس به في الدنيا والآخرة ؛ إقرأوا إن شئتم : (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ) فأيّما مؤمنٍ ترك مالاً فلْيرثه عصبته من كانوا ، فإن ترك دَيناً أو ضياعاً فليأتني وأنا مولاه». أخرجه البخاري في صحيحه(١) (٧ / ١٩٠) ، وأخرجه مسلم في صحيحه(٢) (٢ / ٤) بلفظ : «إن على الأرض من مؤمنٍ إلّا أنا أَولىٰ الناس به ، فأيُّكم ما ترك دَيناً أو ضياعاً فأنا مولاه».

كلمة أخرىٰ للرازي

وللرازي كلمة أخرىٰ صعّد فيها وصوّب ، فحسب في كتابه نهاية العقول أنَّ أحداً من أئمّة النحو واللغة لم يذكر مجيء (مفعل) الموضوع للحدثان أو الزمان أو المكان بمعنىٰ (أفعل) الموضوع لإفادة التفضيل. وأنت إذا عرفت ما تلوناه لك من النصوص علىٰ مجيء (مولىٰ) بمعنى الأَولى بالشيء علمت الوهن في إطلاق ما يقوله هو ومن تبعه ، كالقاضي عضد الإيجي في المواقف(٣) ، وشاه صاحب الهندي في التحفة الاثني عشريّة(٤) والكابلي في الصواقع ، وعبدالحقّ الدهلوي في لمعاته ، والقاضي سناء الله الپاني پتي في سيفه المسلول ، وفيهم من بالغ في النكير حتىٰ أسند ذلك إلىٰ إنكار أهل العربية ، وأنت تعلم أنَّ أساس الشبهة من الرازي ولم يسندها إلىٰ غيره ، وقلّده أولئك عمىً ، مهما وجدوا طعناً في دلالة الحديث علىٰ ما ترتئيه الإماميّة.

أنا لا ألوم القوم علىٰ عدم وقوفهم علىٰ كلمات أهل اللغة واستعمالات العرب لألفاظها ؛ فإنّهم بعداء عن الفنِّ ، بعداء عن العربيّة ، فمن رازيٍّ إلى إيجيٍّ ، ومن هنديٍّ إلىٰ كابليٍّ ، ومن دهلويٍّ إلىٰ پاني پتيٍّ ، وأين هؤلاء من العرب الأقحاح ؟ وأين هم من

___________________________________

(١) صحيح البخاري : ٤ / ١٧٩٥ ح ٤٥٠٣.

(٢) صحيح مسلم : ٣ / ٤٣٠ ح ١٥ كتاب الفرائض.

(٣) المواقف : ص ٤٠٥.

(٤) التحفة الاثنا عشرية : ص ٢٠٩.

٦٣٢

العربية ؟ نعم حَنَّ قِدحٌ ليس منها(١) ، وإذا اختلط الحابل بالنابل طَفِق يحكّم في لغة العرب من ليس منها في حِلٍّ ولا مرتَحَلٍ.

إذا ما فُصِّلتْ عليا قريشٍ

فلا في العِيرِ أنت ولا النفير

أوَما كان الذين نصّوا بأنّ لفظ (المولىٰ) قد يأتي بمعنى الأَولىٰ بالشيء أعرف بمواقع اللغة من هذا الذي يخبط فيها خبط عشواء ؟ كيف لا ؟ وفيهم من هو من مصادر اللغة ، وأئمّة الأدب ، وحُذّاق العربيّة ، وهم مراجع التفسير ، أوليس في مصارحتهم هذه حجّة قاطعة علىٰ أنَّ (مَفعلاً) يأتي بمعنىٰ (أفعل) في الجملة ؟ إذن فما المبرِّر لذلك الإنكار المطلق ؟ نعم ، لأمرٍ ما جَدَعَ قَصيرٌ أنفَه !

وحَسبُ الرازي مبتدع هذه السفسطة قولُ أبي الوليد بن الشُّحنة الحنفي الحلبي في روض المناظر(٢) في حوادث سنة ستّ وستّمائة : من أنَّ الرازي كانت له اليد الطولىٰ في العلوم خلا العربيّة ، وقال أبو حيّان في تفسيره (٤ / ١٤٩) بعد نقل كلام الرازي : إنَّ تفسيره خارجٌ عن مناحي كلام العرب ومقاصدها ، وهو في أكثره شبيهٌ بكلام الذين يُسمّون أنفسهم حكماء.

وقال الشوكاني في تفسيره(٣) (٤ / ١٦٣) في قوله تعالىٰ : (لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) القصص : ٢٥ :

وللرازي في هذا الموضع إشكالات باردة جدّاً لا تستحقّ أن تُذكر في تفسير كلام الله عزوجل ، والجواب عليها يظهر للمقصّر فضلاً عن الكامل.

ثمّ إنَّ الدلالة على الزمان والمكان في (مَفعل) كالدلالة على التفضيل في (أفعل)

___________________________________

(١) مثل يُضرَب لمن يتمدّح بما لا يوجد فيه. مجمع الأمثال : ١ / ٣٤١ رقم ١٠١٨.

(٢) روض المناظر : ٢ / ١٩٩.

(٣) فتح القدير : ٤ / ١٦٨.

٦٣٣

وكخاصّة كلٍّ من المشتقّات من عوارض الهيئات لا من جوهريّات الموادّ ، وذلك أمر غالبيّ يُسار معه على القياس ما لم يرد خلافه عن العرب ، وأمّا عند ذلك فإنّهم المحكّمون في معاني ألفاظهم ، ولو صفا للرازي اختصاص (المولىٰ) بالحدثان أو الواقع منه في الزمان أو المكان لوجب عليه أن ينكر مجيئه بمعنى الفاعل والمفعول وفعيل ، وها هو يصرّح بإتيانه بمعنى الناصر والمعتِق ـ بالكسر ـ والمعتَق ـ بالفتح ـ والحليف. وقد صافقه على ذلك جميع أهل العربيّة وَهَتَفَ الكلُّ بمجيء (المولىٰ) بمعنى الوليّ ، وذكر غير واحد من معانيه : الشريك ، والقريب ، والمحبّ ، والعتيق ، والعقيد ، والمالك ، والمليك. علىٰ أنَّ من يذكر الأَولىٰ في معاني المولىٰ ، وهم الجماهير ممن يُحتجُّ بأقوالهم ، لا يعنون أنَّه صفة له حتىٰ يناقش بأنّ معنى التفضيل خارج عن مفاد (المولىٰ) مزيدٌ عليه فلا يتّفقان ، وإنَّما يريدون أنَّه اسم لذلك المعنىٰ ، إذن فلا شيء يفتُّ في عضدهم.

وهبْ أنَّ الرازي ومن لفّ لفّه لم يقفوا علىٰ نظير هذا الاستعمال في غير المولىٰ ، فإنّ ذلك لا يوجب إنكاره فيه بعد ما عرفته من النصوص ، فكم في لغة العرب من استعمال مخصوص بمادّة واحدة ، فمنها : كلمة (عجاف) جمع (أعجف) ، فلم يجمع أفعل علىٰ فِعال إلّا في هذه المادّة كما نصّ عليه الجوهري في الصحاح(١) ، والرازي نفسه في التفسير(٢) ، والسيوطي في المزهر(٣) (٢ / ٦٣) ، وقد جاء بالقرآن الكريم : (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ) سورة يوسف : ٤٣. ومنه شعر العرب في مدح سيِّد مضر هاشم بن عبدمناف.

عمرو العُلىٰ هشم الثريدَ لقومه

ورجالُ مكّةَ مُسنتونَ عِجافُ

ومنها : أنَّ ما كان علىٰ فعَلتُ ـ مفتوح العين ـ من ذوات التضعيف متعدِّياً مثل

___________________________________

(١) الصحاح : ٤ / ١٣٩٩.

(٢) التفسير الكبير : ١٨ / ١٤٧.

(٣) المزهر في علوم اللغة : ٢ / ١١٦.

٦٣٤

(رددت وعددت) يكون المضارع منه مضموم العين إلّا ثلاثة أحرف تأتي مضمومة ومكسورة وهي : شدّ ، ونمّ ، وعلّ ، وزاد بعضٌ : بثّ. أدب الكاتب(١) (ص ٣٦١).

ومنها : أنَّ ضمير المثنّىٰ والمجموع لا يظهر في شيء من أسماء الأفعال كـ (صه ومه) إلّا : (ها) بمعنىٰ خذ فيقال : هاؤما ، وهاؤم ، وهاؤنّ ، وفي الذكر الحكيم قوله سبحانه : (هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ)(٢). راجع التذكرة لابن هشام ، والأشباه والنظائر للسيوطي(٣).

ومنها : أنَّ القياس المطّرد في مصدر تَفَاعَل هو التفاعُل بضمِّ العين إلّا في مادّة التفاوت ، فذكر الجوهري فيها ضمّ الواو أوّلاً ، ثمّ نقل عن ابن السكِّيت عن الكلابيّين فتحه ، وعن العنبري كسره ، وحُكي عن أبي زيد الفتح والكسر ، كما في أدب الكاتب(٤) (ص ٥٩٣) ، ونقل السيوطي في المزهر(٥) (٢ / ٣٩) : الحركات الثلاث.

ومنها : أنَّ المطّرد في مضارع (فَعَلَ) ـ بفتح العين ـ الذي مضارعه (يفعِل) ـ بكسره ـ أنَّه لا يستعمل مضموم العين إلّا في (وجَد) ، فإنّ العامريّين ضمّوا عينه ، كما في الصحاح(٦) ، وقال شاعرهم لبيد :

لو شئتِ قد نَقَعَ الفؤاد بشربةٍ

فدعِ الصواديَ لا يجُدنَ غليلا(٧)

___________________________________

(١) أدب الكاتب : ص ٣٦٩.

(٢) الحاقّة : ١٩.

(٣) الأشباه والنظائر في النحو : ٢ / ١١٣.

(٤) أدب الكاتب : ص ٥١٠.

(٥) المُزهر في علوم اللغة : ٢ / ٨١.

(٦) الصحاح : ٢ / ٥٤٧.

(٧) البيت لجرير وليس للبيد . وهو الثاني من قصيدة له مطلعها :

لم أَرَ مثلَكِ يا أُمام خليلا

أنأىٰ بحاجتنا وأحسن قيلا

راجع ديوان جرير رقم القصيدة ٢١٣.

٦٣٥

وصرّح به ابن قتيبة في أدب الكاتب(١) (ص ٣٦١) ، والفيروزآبادي في القاموس(٢) (١ / ٣٤٣).

وفي المزهر(٣) (٢ / ٤٩) عن ابن خالويه في شرح الدريديّة أنَّه قال : ليس في كلام العرب فَعَل يفعُل ممّا فاؤه واو إلّا حرفٌ واحد وَجَدَ يَجُدُ.

ومنها : أنَّ اسم الفاعل من (أفعل) لم يأتِ علىٰ فاعل إلّا (أبقل) ، و (أورس) ، و (أيفع) فيقال : (أَيْقَل الموضع فهو ياقل) و (أوْرسَ الشجر فهو وارس) و (أيفعَ الغلام فهو يافع) كذا في المزهر(٤) (٢ / ٤٠) ، وفي الصحاح(٥) : بلد عاشب ولا يقال في ماضيه إلّا : أعشبت الأرض.

ومنها : أنَّ اسم المفعول من أفعل لم يأتِ علىٰ فاعل إلّا في حرف واحد ، وهو قول العرب : أسأمت الماشية في المرعىٰ فهي سائمة. ولم يقولوا : مُسئمة. قال تعالىٰ : (فِيهِ تُسِيمُونَ)(٦) من أسام يسيم. ذكره السيوطي في المزهر(٧) (٢ / ٤٧).

وتجد كثيراً من أمثال هذه من النوادر في المخصّص لابن سيدة ، ولسان العرب ، وذكر السيوطي في المزهر (ج ٢) منها أربعين صحيفة.

جواب الرازي عمّا أثبتناه

هناك للرازي جوابٌ عن هذه كلِّها يكشف عن سوأة نفسه ، قال في نهاية العقول :

___________________________________

(١) أدب الكاتب : ص ٣٦٩.

(٢) القاموس المحيط : ص ٤١٣.

(٣) المزهر : ٢ / ٩٣.

(٤) المصدر السابق : ٢ / ٧٦.

(٥) الصحاح : ١ / ١٨٢.

(٦) النحل : ١٠.

(٧) المزهر : ٢ / ٨٨.

٦٣٦

وأمّا الذي نقلوا عن أئمّة اللغة : من أنَّ (المولىٰ) بمعنى الأَولىٰ ، فلا حجّة لهم ؛ إذ أمثال هذا النقل لا يصلح أن يحتجَّ به في إثبات اللغة ، فنقول : إنَّ أبا عبيدة وإن قال في قوله تعالىٰ : (مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ) ؛ معناه هي أولىٰ بكم ، وذكر هذا ـ أيضاً ـ الأخفش ، والزجّاج ، وعليّ بن عيسىٰ ، واستشهدوا ببيت لبيد ، ولكن ذلك تساهل من هؤلاء الأئمّة ، لا تحقيق ؛ لأنّ الأكابر من النقلة مثل الخليل وأضرابه لم يذكروه إلّا في تفسير هذه الآية أو آية أخرىٰ مرسلاً غير مسند ، ولم يذكروه في الكتب الأصليّة من اللغة. انتهىٰ.

ليت شعري من ذا الذي أخبر الرازي أنَّ ذلك تساهل من هؤلاء الأئمّة لا تحقيق ؟ وهل يطّرد عنده قوله في كلِّ ما نقل عنهم من المعاني اللغويّة ، أو أنَّ له مع لفظ (المولىٰ) حساباً آخر ؟ وهل على اللغويِّ إذا أثبت معنىً إلّا الاستشهاد ببيت للعرب ، أو آية من القرآن الكريم ؟ وقد فعلوه.

وكيف اتخذ عدم ذكر الخليل وأضرابه حجّةً على التسامح ، بعد بيان نقله عن أئمّة اللغة ؟ وليس من شرط اللغة أن يكون المعنىٰ مذكوراً في جميع الكتب ، وهل الرازي يقتصر فيها علىٰ كتاب العين وأضرابه ؟

ومن ذا الذي شرط في نقل اللغة عنعنة الإسناد ؟ وهل هو إلّا ركونٌ إلىٰ بيت شعر ، أو آية كريمة ، أو سنّة ثابتة ، أو استعمال مسموع ؟ وهل يجد الرازي خيراً من هؤلاء لتلقّي هاتيك كلِّها ؟ وما باله لا يقول مثل قوله هنا إذا جاءه أحد من القوم بمعنىً من المعاني العربيّة ؟ أقول : لأنّ له في المقام مرمىً لا يعدوه.

وهل يشترط الرجل في ثبوت المعنى اللغويِّ وجوده في المعاجم اللغويّة فحسب ؟ بحيث لا يقيم له وزناً إذا ذُكر في تفسير آية ، أو معنىٰ حديث ، أو حلّ بيت من الشعر ، ونحن نرى العلماء يعتمدون في اللغة علىٰ قول أيِّ ضليع في العربيّة حتىٰ

٦٣٧

الجارية الأعرابيّة(١) ، ولا يشترط عند الأكثر بشيء من الإيمان والعدالة والبلوغ ، فهذا القسطلاني يقول في شرح البخاري(٢) (٧ / ٧٥) : قول الشافعي نفسه حجّة في اللغة. وقال السيوطي في المزهر(٣) (١ / ٧٧) : حُكم نقل واحد من أهل اللغة القبول. وحكىٰ في (ص ٨٣) عن الأنباري قبول نقل العدل الواحد ، ولا يشترط أن يوافقه غيره في النقل ، وفي (ص ٨٧) بقول شيخ أو عربيّ يثبت اللغة ، وحكىٰ في (ص ٢٧) عن الخصائص لابن جنّي قوله :

من قال : إنَّ اللغة لا تُعرف إلّا نقلاً فقد أخطأ ، فإنّها قد تعلم بالقرائن أيضاً ، فإنّ الرجل إذا سمع قول الشاعر :

قومٌ إذا الشرُّ أبدىٰ ناجذيهِ لهمْ

طاروا إليه زُرافاتٍ ووُحدانا

يعلم أنَّ الزرافات بمعنى الجماعات.

وذكر أيضاً ثبوت اللغة بالقرينة وبقول شاعر عربيّ ، فهذه المصادر كلّها موجودةٌ في لفظ (المولىٰ) غير أنَّ الرازي لا يعلم أنَّ اللغة بماذا تثبت ، ولذلك تراه يتلجلج ويُرعد ويُبرق من غير جدوىٰ أو عائدة ، ولا أحسبه يحيرُ جواباً عن واحد من الأسئلة التي وجّهناها إليه.

وكأنّه في احتجاجه بخلوِّ كتاب العين عن ذلك نسي أو تناسىٰ ما لهج به في المحصول(٤) من إطباق الجمهور من أهل اللغة على القدح في كتاب العين كما نقله عنه السيوطي في المزهر(٥) (٢ / ٤٧ ، ٤٨).

___________________________________

(١) راجع المزهر : ١ / ٨٣ ، ٨٤ [١ / ١٣٩]. (المؤلف)

(٢) إرشاد الساري : ١٠ / ١٥٧.

(٣) المزهر : ١ / ١٢٩ ، ١٣٨ ، ١٤٤ ، ٥٩.

(٤) المحصول في علم الأصول : ١ / ١٩٥.

(٥) المزهر : ١ / ٧٩.

٦٣٨

وأنا لا أدري ما المراد من الكتب الأصليّة من اللغة ؟ ومن الذي خصّ هذا الاسم بالمعاجم التي يقصد فيها سرد الألفاظ وتطبيقها علىٰ معانيها في مقام الحجّيّة ، وأخرج عنها ما أُلِّف في غريب القرآن أو الحديث أو الأدب العربي ؟

وهل نيّة أَرباب المعاجم دخيلة في صحة الاحتجاج بها ، أو أنَّ لغةَ أرباب الكتب وتضلّعهم في الفنّ وتحرِّيهم موارد استعمال العرب هي التي تكسبها الحجّيّة ؟ وهذه كلّها موجودة في كتب الأئمّة والأعلام الذين نُقل عنهم مجيء (المولىٰ) بمعنى (الأَولىٰ).

مفعل بمعنىٰ فعيل

هلمّ معي إلىٰ صخبٍ وهياجٍ تهجّم بهما على العربيّة ـ ومن العزيز على العروبة والعرب ذلك ـ الشاه وليُّ الله صاحب الهندي في تحفته الاثني عشرية(١) ، فحسب في ردّ دلالة الحديث أنَّها لا تتمّ إلّا بمجيء (المولىٰ) بمعنى (الوليّ) وأنَّ (مَفعلاً) لم يأت بمعنىٰ (فعيل) يريد به دحض ما نصّ عليه أهل اللغة من مجيء (المولىٰ) بمعنى (الوليّ) الذي يراد به وليّ الأمر كما [جاء] وليّ المرأة ، ووليّ اليتيم ، ووليّ العبد ، وولاية السلطان ، ووليّ العهد لمن يقيِّضه الملك عاهل مملكته بعده.

نعم عزب عن الدهلوي قول الفرّاء المتوفّىٰ (٢٠٧) في معاني القرآن(٢) وأبي العبّاس المبرّد : بأنّ الوليّ والمولىٰ في لغة العرب واحد ، وذهل عن إطباق أئمّة اللغة علىٰ هذا ، وعدِّهم الوليّ من معاني المولىٰ في معاجم اللغة وغيرها ، كما في مشكل القرآن للأنباري ، والكشف والبيان(٣) للثعلبي في قوله تعالىٰ : (أَنتَ مَوْلَانَا)(٤) ،

___________________________________

(١) التحفة الاثنا عشرية : ص ٢٠٩.

(٢) معاني القرآن : ٢ / ١٦١.

(٣) الكشف والبيان : الورقة ٩٢ سورة البقرة : آية ٢٨٦.

(٤) البقرة : ٢٨٦.

٦٣٩

الصحاح للجوهري(١) (٢ / ٥٦٤) ، وغريب القرآن للسجستاني(٢) (ص ١٥٤) ، وقاموس الفيروزآبادي(٣) (٤ / ٤٠١) ، والوسيط للواحدي ، وتفسير القرطبي(٤) (٣ / ٤٣١) ، ونهاية ابن الأثير(٥) (٤ / ٢٤٦) وقال : ومنه قول عمر لعليّ : أصبحتَ مولىٰ كلِّ مؤمن ، وتاج العروس (١٠ / ٣٩٩) ، واستشهد بقوله تعالىٰ : (بِأَنَّ اللَّـهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ)(٦) ، وبقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «وَأيُّما امرأة نُكحت بغير إذن مولاها ...» ، وبحديث الغدير : «من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه»(٧).

نظرة في معاني المولىٰ

ذكر علماء اللغة من معاني المولىٰ السيّد غير المالك والمعتق ، كما ذكروا من معاني الوليِّ الأمير والسلطان ، مع إطباقهم على اتّحاد معنى الوليّ والمولىٰ ، وكلٌّ من المعنيين لا يبارح معنى الأولويّة بالأمر ، فالأمير أولىٰ من الرعيّة في تخطيط الأنظمة الراجعة إلىٰ جامعتهم ، وبإجراء الطقوس المتكفِّلة لتهذيب أفرادهم ، وكبح عادية كلٍّ منهم عن الآخر ، وكذلك السيِّد أولىٰ ممّن يسوده بالتصرّف في شؤونهم ، وتختلف دائرة هذين الوصفين سعةً وضيقاً باختلاف مقادير الإمارة والسيادة ، فهي في والي المدينة أوسع منها في رؤساء الدواوين ، وأوسع من ذلك في ولاة الأقطار ، ويفوق الجميع ما في الملوك والسلاطين ، ومنتهى السعة في نبيٍّ مبعوث على العالم كلّه وخليفةٍ يخلفُهُ علىٰ ما جاء به من نواميس وطقوس.

___________________________________

(١) الصحاح : ٦ / ٢٥٢٩.

(٢) غريب القرآن : ص ٣١١.

(٣) القاموس المحيط : ص ١٧٣٢.

(٤) الجامع لأحكام القرآن : ١٦ / ١٥٥.

(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر : ٥ / ٢٢٨.

(٦) محمد : ١١.

(٧) لا يسعنا ذكر المصادر كلّها أو جلّها لكثرتها جدّاً ولا يهمّنا مثل هذا التافه. (المؤلف)

٦٤٠