🚖

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: قلم
الطبعة: ١
الصفحات: ٧١٦
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

ـ ٥ ـ حديث الركبان في الكوفة سنة (٣٦ ـ ٣٧ ه‍)

أخرج إمام الحنابلة أحمد بن حنبل(١) ، عن يحيى بن آدم ، عن حنش بن الحارث ابن لقيط النخعي الأشجعي ، عن رياح ـ بالمُثنّاة ـ ابن الحارث(٢) ، قال : جاء رَهْطٌ إلىٰ عليّ بالرحبة ، فقالوا : السلام عليك يا مولانا. قال : «وكيف أكون مولاكم وأنتم عرب ؟ قالوا : سمعنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول يوم غدير خُمّ : من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه».

قال رياح : فلمّا مضوا تبعتُهم فسألتُ من هؤلاء ؟ قالوا : نفرٌ من الأنصار فيهم أبو أيّوب الأنصاري.

وبإسناده عن رياح قال : رأيت قوماً من الأنصار قَدِموا علىٰ عليٍّ في الرحبة ، فقال : «من القوم ؟» فقالوا : مواليك يا أمير المؤمنين ... الحديث.

وعنه قال : بينما عليٌّ جالس إذ جاء رجلٌ فدخل ـ عليه أثر السفر ـ فقال : السلامُ عليك يا مولاي. قال : «من هذا ؟» قال : أبو أيّوب الأنصاري. فقال عليّ : «أفرجوا له» ، ففرجوا.

فقال أبو أيّوب : سمعتُ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «من كنتُ مولاه فعليّ مولاه».

وقال إبراهيم بن الحسين(٣) بن عليّ الكسائي ـ المعروف بابن ديزيل ، المترجم (ص ٩٧) ـ في كتاب صفّين(٤) :

___________________________________

(١) مسند أحمد : ٦ / ٥٨٣ ح ٢٣٠٥١ و ٢٣٠٥٢.

(٢) رجال الحديث من طريق أحمد وابن أبي شيبة والهيثميّ وابن ديزيل كلّهم ثقات ، كما مرّت تراجمهم في التابعين وطبقات العلماء. (المؤلف)

(٣) في النسخ : الحسن وهو تصحيف. (المؤلف)

(٤) كما في شرح نهج البلاغة : ١ / ٢٨٩ [٣ / ٢٠٨ خطبة ٤٨] ، قال ابن كثير في تاريخه : ١١ / ٧١ [١١ / ٨١ حوادث سنة ٢٨١ ه‍] : كتاب ابن ديزيل في وقعة صفّين مجلّد كبير. (المؤلف)

٣٨١

حدّثنا يحيى بن سليمان الجعفي قال : حدّثنا ابن فضيل محمد الكوفي ، قال : حدّثنا الحسن بن الحكم النخعي ، عن رياح بن الحارث النخعي قال :

كنتُ جالساً عند عليّ عليه‌السلام إذ قدم عليه قوم متلثّمون فقالوا : السلام عليك يا مولانا. فقال لهم : «أوَلستم قوماً عرباً ؟ قالوا : بلىٰ ، ولكنّا سمِعنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول يوم غدير خُمّ : من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه ، أللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه ، وانصُرْ من نصره ، واخذُلْ من خذله. فقال : لقد رأيتُ عليّاً عليه‌السلام ضحك حتىٰ بدت نواجذه ، ثمّ قال : اشهدوا».

ثمّ إنَّ القوم مضوا إلىٰ رحالهم ، فتبعتُهم ، فقلتُ لرجل منهم : من القومُ ؟ قالوا : نحنُ رهطٌ من الأنصار ، وذلك ـ يعنون رجلاً منهم ـ أبو أيّوب صاحب منزل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. قال : فأتيته وصافحته.

وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه ـ كما في كشف الغمّة(١) (ص ٩٣) ـ عن رياح بن الحارث قال :

كنت في الرحبة مع أميرالمؤمنين إذ أقبل ركب يسيرون ، حتىٰ أناخوا بالرحبة ، ثمّ أقبلوا يمشون حتىٰ أتوا عليّاً عليه‌السلام فقالوا : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. قال : «من القوم ؟ قالوا : مواليك يا أمير المؤمنين.

قال : فنظرتُ إليه وهو يضحك ويقول : من أين وأنتم قومٌ عرب ؟ قالوا : سمِعنا رسول الله يقول يوم غدير خُمّ وهو آخذٌ بعَضُدك : أيّها الناس ألستُ أولىٰ بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قلنا : بلىٰ يا رسول الله.

فقال : إنَّ الله مولاي ، وأنا مولى المؤمنين ، وعليّ مولىٰ من كنتُ مولاه ، أللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه.

___________________________________

(١) كشف الغمّة : ١ / ٣٢٤.

٣٨٢

فقال : أنتم تقولون ذلك ؟ قالوا : نعم. قال : وتشهدون عليه ؟ قالوا : نعم. قال : صدقتم».

فانطلق القوم وتبعتهم ، فقلت لرجل منهم : من أنتم يا عبدالله ؟ قالوا : نحن رهطٌ من الأنصار ، وهذا أبو أيّوب صاحب منزل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأخذت بيده ، فسلّمت عليه ، وصافحته.

وروىٰ عن حبيب بن يسار ، عن أبي رميلة : أنَّ ركباً أربعة أتوا عليّاً عليه‌السلام حتىٰ أناخوا بالرحبة ، ثمّ أقبلوا إليه ، فقالوا : السلامُ عليك يا أميرَ المؤمنين ورحمةُ الله وبركاته. قال : «وعليكم السلام ، أنّىٰ أقبلَ الركبُ ؟ قالوا : أقبل مواليك من أرض كذا وكذا. قال : أنّىٰ أنتم مواليَّ ؟

قالوا : سمعنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم غدير خُمّ يقول : من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه ، أللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه».

وروى ابن الأثير في أُسد الغابة(١) (١ / ٣٦٨) عن كتاب الموالاة لابن عقدة بإسناده عن أبي مريم زِرّ بن حُبيش ، قال :

خرج عليٌّ من القصر ، فاستقبله ركبانٌ متقلّدو السيوف ، فقالوا : السلامُ عليك يا أمير المؤمنين ، السلامُ عليك يا مولانا ورحمة الله وبركاته.

فقال عليٌّ عليه‌السلام : «من هاهنا من أصحاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؟»

فقام اثنا عشر ، منهم : قيس بن ثابت بن شمّاس ، وهاشم بن عتبة ، وحبيب بن بديل بن ورقاء ، فشهدوا أنَّهم سمعوا النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه». وأخرجه أبو موسى المَديني.

ورواه عن كتاب الموالاة لابن عقدة ابن حجر في الإصابة (١ / ٣٠٤) ، وأسقط صدره إلىٰ قوله : فقال عليٌّ ، ولم يذكر من الشهود هاشم بن عتبة ، جرياً علىٰ عادته

___________________________________

(٢) أُسد الغابة : ١ / ٤٤١ رقم ١٠٣٨.

٣٨٣

بتنقيص فضائل آل الله.

وروىٰ محبُّ الدين الطبريّ في الرياض النضرة(١) (٢ / ١٦٩) من طريق أحمد بلفظه الأوّل ، وعن معجم الحافظ البَغَويّ أبي القاسم بلفظ أحمد الثاني ، وابن كثير في تاريخه(٢) (٥ / ٢١٢) عن أحمد بطريقيه ولفظيه الأوّلين ، وفي (٧ / ٣٤٧) عن أحمد بلفظه الأوّل ، وقال في (ص ٣٤٨) : قال أبو بكر بن أبي شيبة : حدّثنا شريك ، عن حنش ، عن رياح بن الحارث ، قال :

بينا نحن جلوسٌ في الرحبة مع عليّ إذ جاء رجلٌ عليه أثر السفر ، فقال : السلام عليك يا مولاي. قالوا : من هذا ؟ فقال أبو أيّوب : سَمِعتُ رسولَ الله يقول : «من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه».

ورواه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (٩ / ١٠٤) بلفظ أحمد الأوّل ، ثمّ قال : رواه أحمد والطبرانيّ(٣) ، إلّا أنَّه قال :

قالوا : سمعنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «من كنتُ مولاه فعليّ مولاه ، أللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه». وهذا أبو أيّوب بيننا ، فحَسَر أبو أيّوب العمامة عن وجهه ، ثمّ قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «من كُنتُ مولاه فعليّ مولاه ، أللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه». ورجال أحمد ثقات. انتهى.

وقال جمال الدين عطاء الله بن فضل الله الشيرازي في كتابه الأربعين في مناقب أمير المؤمنين(٤) ـ عند ذكر حديث الغدير ـ : ورواه زِرّ بن حُبيش فقال :

خرج عليٌّ من القصر ، فاستقبله ركبان متقلّد والسيوف ، عليهم العمائم ، حديثو عهدٍ بسفرٍ ، فقالوا : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ، السلام عليك يا

___________________________________

(١) الرياض النضرة : ٣ / ١١٣.

(٢) البداية والنهاية : ٥ / ٢٣١ حوادث سنة ١٠ ه‍ و ٧ / ٣٨٤ ، ٣٨٥ حوادث سنة ٤٠ ه‍.

(٣) المعجم الكبير : ٤ / ١٧٣ ح ٤٠٥٣.

(٤) الأربعين في فضائل أمير المؤمنين : ص ٤٢ ح ١٣.

٣٨٤

مولانا. فقال عليٌّ ـ بعد ما ردَّ السلامَ ـ : «من هاهنا من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؟»

فقام اثنا عشر رجلاً ، منهم خالد بن زيد أبو أيّوب الأنصاريّ ، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، وقيس بن ثابت بن شمّاس ، وعمّار بن ياسر ، وأبو الهيثم بن التيّهان ، وهاشم بن عتبة بن أبي وقّاص ، وحبيب بن بديل بن ورقاء ، فشهدوا أنَّهم سمعوا رسول الله يوم غدير خُمّ يقول : «من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه ...» الحديث.

فقال عليٌّ لأنس بن مالك والبراء بن عازب : «ما منعكما أن تقوما فتشهدا ، فقد سمِعتُما كما سَمِع القوم ؟(١) فقال : أللّهمّ إن كانا كَتَماها مُعاندةً فابْلِهما».

فأمّا البراء فعمي ، فكان يسأل عن منزله ، فيقول : كيف يرشُد من أدركتْه الدعوة ؟! وأمّا أنس فقد بَرِصت قدماه.

وقيل : لمّا استشهد عليٌّ عليه‌السلام قولَ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه» ، اعتذر بالنسيان ! فقال : «أللّهمّ إن كان كاذباً فاضربْهُ ببياضٍ لا تُواريه العمامة». فَبَرِص وجهُه ، فسَدَل بعد ذلك بُرقُعاً علىٰ وجهه. ع(٢) (١ / ٢١١ ، ٢ / ١٣٧).

وقال أبو عمرو الكشّي في فهرسته(٣) (ص ٣٠) : فيما روي من جهة العامّة ، روىٰ عبدالله بن إبراهيم قال : أخبرنا أبو مريم الأنصاري ، عن المِنهال بن عمرو ، عن زِرّ بن حُبيش ، قال :

خرج عليُّ بن أبي طالب عليه‌السلام من القصر ، فاستقبله ركبان متقلّدون بالسيوف عليهم العمائم ، فقالوا : السلام عليكَ يا أميرَ المؤمنين ورحمة الله وبركاته ، السلام عليك يا مولانا. فقال عليٌّ : «من هاهنا من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟»

فقام خالد بن زيد أبو أيّوب ، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، وقيس بن سعد ابن عبادة ، وعبدالله بن بديل بن ورقاء ، فشهدوا جميعاً : أنَّهم سَمِعوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

___________________________________

(١) وهنا سقط ظاهر ، وهو كلمة (نسينا) ونحوها. (الطباطبائي)

(٢) عبقات الأنوار : ٧ / ١٩٢ و ١٠ / ١٤٩ ، وفي نفحات الأزهار : ٩ / ١٩٦ رقم ١٣٣.

(٣) رجال الكشّي : ١ / ٢٤٥ ح ٩٥.

٣٨٥

يقول يوم غدير خُمّ : «من كنتُ مولاه فعليّ مولاه».

فقال عليّ عليه‌السلام لأنس بن مالك والبراء بن عازب : «ما منعكما أن تقوما فتشهدا ، فقد سمعتُما كما سمِع القوم ؟ ثمّ قال : أللّهمّ إن كانا كَتَماها معاندةً فابْتَلِهِما». فعمي البراء بن عازب ، وبَرِص قَدَما أنس بن مالك. فحلف أنس بن مالك أن لا يكتم منقبةً لعليّ بن أبي طالب ولا فضلاً أبداً.

أمّا البراء بن عازب فكان يسأل عن منزله فيقال : هو في موضع كذا وكذا. فيقول : كيف يرشُد من أصابته الدعوة ؟!

وهناك غير واحد من محدّثي المتأخِّرين ذكروا هذه الأثارة لا نطيل بذكرهم المقال.(١)

___________________________________

(١) وممّن أخرجه من المحدّثين القدامى ابن أبي شيبة في المصنّف : ح ٢١٢٢ ، وأحمد في المسند : ٥ / ٤١٩ وفي كتاب مناقب عليّ : برقم ٩١ وفي فضائل الصحابة : ٩٦٧ ، وقال محقّقه : إسناده صحيح.

وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير : ح ٤٠٥٣ ، والخرگوشي في شرف المصطفىٰ : ق ١٩٦ ، وابن عساكر بالأرقام : ٥٢٢ ، ٥٣٠ ، ٥٣١ ، ٥٣٢ ، ٥٣٣ ، وابن المغازلي في كتاب المناقب : برقم ٣٠ ، والديلمي في مسند الفردوس : ج ٣ ق ٩٦ وقال : رواه ابن منيع ، والضياء المقدسي في المختارة ، وعنه البوصيري في إتحاف السادة المهرة ، وأورده ابن أبى الحديد في شرح نهج البلاغة : ٣ / ٢٠٨ ، والباعوني في جواهر المطالب في الباب ١٢ ق ١٦ / أ عن أحمد والبغوي في معجمه.

والذهبي في كتابه في الغدير بالأرقام : ٤٣ ، ٤٤ ، ١١٦ ، ١١٧ ، ١١٨ ، ١٢٣ وقال : أخرجه جماعة ثقات عن شريك.

وأورده ابن منظور في مختصر تاريخ دمشق : ١٧ / ٣٥٤ ، والقرافي في نفحات العبير الساري في أحاديث أبي أيوب الأنصاري : ق ٧٥ / ب ، وبلفظ آخر في ق ٧٦.

وأبو المواهب الرشيدي المتوفّىٰ سنة ٩٤٨ في قوت القلوب في أحاديث أبي أيوب : ق ٦٢ / ب ح ٦٤ ، والسخاوي في استجلاب ارتقاء الغرف : ق ٢٢ ، والبوصيري في إتحاف السادة المهرة بزوائد المسانيد العشرة : ج ٣ ق ٥٦ / أ ، قال : رواه أبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن حنبل وأحمد بن منيع البغوي واللفظ له ... ورواته ثقات.

وإسماعيل النقشبندي في مناقب العشرة : ق ٣٣٤ وقال : أخرجه البغوي في معجمه ، وأورده الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة : ٤ / ٣٤٠ عن أحمد والطبراني ، وقال : وهذا إسناد جيّد ، رجاله ثقات. (الطباطبائي)

٣٨٦

أعلام الشهود لأمير المؤمنين عليه‌السلام بحديث الغدير يوم الركبان حسب ما مرّ من الأحاديث

١ ـ أبو الهيثم بن التيّهان ـ بدريّ.

٢ ـ أبو أيّوب خالد بن زيد الأنصاريّ.

٣ ـ حبيب بن بديل بن ورقاء الخزاعيّ.

٤ ـ خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين الشهيد بصفّين ـ بدريّ.

٥ ـ عبد الله بن بديل بن ورقاء الشهيد بصفّين.

٦ ـ عمّار بن ياسر قتيل الفئة الباغية بصفّين ـ بدري.

٧ ـ قيس بن ثابت بن شمّاس الأنصاريّ.

٨ ـ قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي ـ بدريّ.

٩ ـ هاشم المرقال ابن عتبة صاحب راية عليٍّ والشهيد بصفّين.

من أصابته الدعوة بإخفاء حديث الغدير

قد مرّ الإيعاز في غير واحد من أحاديث المناشدة يومي الرحبة والركبان إلىٰ أنَّ قوماً من أصحاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الحضور في يوم غدير خُمّ قد كَتَموا شهادتهم لأمير المؤمنين عليه‌السلام بالحديث ، فدعا عليهم ، فأخذتهم الدعوة ، كما وقع النصّ بذلك في غير واحد من المعاجم ، والقوم هم :

١ ـ أبو حمزة أنس بن مالك : المتوفّىٰ (٩٠ ، ٩١ ، ٩٣).

٢ ـ البراء بن عازب الأنصاريّ : المتوفّىٰ (٧١ ، ٧٢).

٣ ـ جرير بن عبدالله البجليّ : المتوفّىٰ (٥١ ، ٥٤).

٤ ـ زيد بن أرقم الخزرجيّ : المتوفّىٰ (٦٦ ، ٦٨).

٥ ـ عبدالرحمن بن مدلج(١).

٦ ـ يزيد بن وديعة.

___________________________________

(١) كذا في أُسد الغابة : ٣ / ٤٩٢ ، وفي الإصابة : ٢ / ٤٢١ رقم ١٩٧ : أنَّه كان ممّن شهد يوم الرحبة أنَّه سمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول «من كنت مولاه فعليّ مولاه ...».

٣٨٧

نظرة في حديث إصابة الدعوة

ربّما يقف في صدر القارئ الاختلاف بين الأحاديث الناصّة بأنّ أَنَساً قد أصابته الدعوة بكتمان الشهادة ، وما جاء موهماً بشهادته ، لكن : عرفتَ أنَّ الفريق الأخير منهما محرَّفُ المتن فيه تصحيفٌ ، وعلىٰ تقدير سلامته لا يقاوم الأوّل كثرةً وصحّةً وصراحةً ، مع ما هناك من نصوصٍ أخرىٰ غير ما ذكر ، منها :

قال أبو محمد بن قتيبة ـ المترجم (ص ٩٦) ـ في المعارف(١) (ص ٢٥١) :

أنس بن مالك كان بوجهه برصٌ ، وذكر قومٌ : أنَّ عليّاً رضي‌الله‌عنه سأله عن قول رسول الله : «أللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه ، فقال : كبرتْ سنّي ونسيت ، فقال عليٌّ : إن كنتَ كاذباً فضربَكَ الله ببيضاءَ لا تُواريها العمامة».

قال الأميني : هذا نصُّ ابن قتيبة في الكتاب ، وهو الذي اعتمد عليه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة(٢) (٤ / ٣٨٨) حيث قال :

قد ذكر ابن قتيبة حديث البرص والدعوة التي دعا بها أمير المؤمنين عليه‌السلام علىٰ أنس بن مالك في كتاب المعارف في باب البرص من أعيان الرجال ، وابن قتيبة غير متَّهم في حقّ عليّ عليه‌السلام على المشهور من انحرافه عنه. انتهىٰ.

وهو يكشف عن جزمه بصحّة العبارة وتطابق النسخ علىٰ ذلك ، كما يظهر من غيره ممّن نقل هذه الكلمة عن كتاب المعارف.

لكن اليد الأمينة علىٰ ودائع العلماء في كتبهم في المطابع المصريّة ، دسّت في الكتاب ما ليس منه ، فزادت بعد القصّة ما لفظه : قال أبو محمد : ليس لهذا أصلٌ. ذهولاً عن أنَّ سياق الكتاب يُعرب عن هذه الجناية ، ويأبىٰ هذه الزيادة ؛ إذ المؤلّف

___________________________________

(١) المعارف : ص ٥٨٠.

(٢) شرح نهج البلاغة : ١٩ / ٢١٨ الأصل ٣١٧.

٣٨٨

يذكر فيه من مصاديق كلّ موضوع ما هو المُسلَّم عنده ، ولا يوجد من أوّل الكتاب إلىٰ آخره حكمٌ في موضوع بنفي شيء من مصاديقه بعد ذكره إلّا هذه ، فأوّل رجل يذكره في عدِّ من كان عليه البرص هو أنس ثمّ يعدُّ من دونه ، فهل يمكن أن يذكر مؤلّفٌ في إثبات ما يرتئيه مصداقاً ، ثمّ ينكره بقوله : لا أصل له ؟!

وليس هذا التحريف في كتاب المعارف بأوّل في بابه ، فسيُوافيك في المناشدة الرابعة عشرة حذفها منه ، وقد وجدنا في ترجمة المهلّب بن أبي صفرة من تاريخ ابن خلّكان(١) (٢ / ٢٧٣) نقلاً عن المعارف ما حَذَفتْه المطابع.

وقال أحمد بن جابر البلاذري المتوفّىٰ (٢٧٩) في الجزء الأوّل من أنساب الأشراف(٢) :

قال عليٌّ على المنبر : «أَنشُد اللهَ رجلاً سَمِع رسول الله يقول يوم غدير خُمّ : أللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه ، إلّا قام وشهد».

وتحت المنبر أنس بن مالك ، والبراء بن عازب ، وجرير بن عبدالله البجلي ، فأعادها فلم يُجبه أحدٌ ، فقال :

«أللّهمّ من كَتم هذه الشهادة وهو يعرفها ، فلا تُخرجه من الدنيا حتىٰ تجعل به آيةً يُعرَفُ بها».

قال [أبو وائل](٣) : فبَرِصَ أنس ، وعَمي البراء ، ورجع جرير أَعرابيّاً بعد هجرته ، فأتى الشُّراة(٤) ، فمات في بيت أمّه(٥).

___________________________________

(١) وفيات الأعيان : ٥ / ٣٥١ رقم ٧٥٤.

(٢) أنساب الأشراف : ٢ / ١٥٦ ح ١٦٩.

(٣) أثبتنا الزيادة من المصدر.

(٤) الشُّراة : صقع بالشام بين دمشق ومدينة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. معجم البلدان : ٣ / ٣٣٢.

(٥) ولعلّه : في بيت أمّةٍ.

٣٨٩

وقال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة(١) (٤ / ٤٨٨) : المشهور أنَّ عليّاً عليه‌السلام ناشد الناس في الرحبة بالكوفة ، فقال : «أَنشُدُكُمُ اللهَ رجلاً سَمِع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول لي وهو منصرفٌ من حجّة الوداع : من كنتُ مولاه فعليّ مولاه ، أللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه».

فقام رجالٌ ، فشهدوا بذلك. فقال عليه‌السلام لأنس بن مالك : «ولقد حضرتَها ، فما لك ؟» فقال : يا أمير المؤمنين كَبرت سِنّي ، وصار ما أنساه أكثر ممّا أذكره. فقال له : «إن كنتَ كاذباً فضربك الله بها بيضاء لا تُواريها العمامة». فما مات حتىٰ أصابه البَرَص.

وقال في(٢) (١ / ٣٦١) : وذكر جماعة من شيوخنا البغداديّين : أنَّ عدّةً من الصحابة والتابعين والمحدِّثين كانوا منحرفين عن عليّ عليه‌السلام قائلين فيه السوء ، ومنهم من كتم مناقبه ، وأعان أعداءه ميلاً مع الدنيا وإيثاراً للعاجلة ، فمنهم : أنس بن مالك.

ناشدَ عليٌّ عليه‌السلام في رحبة القصر ـ أو قالوا : برحبة الجامع بالكوفة ـ : «أيُّكم سَمِع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : من كنتُ مولاه فعليّ مولاه ؟».

فقام اثنا عشر رجلاً ، فشهِدوا بها وأنس بن مالك في القوم لم يقم ! فقال له : «يا أنس ما يمنعك أن تقوم فتشهد ، ولقد حضرتها ؟ فقال : يا أمير المؤمنين كبرتُ ونَسِيتُ ! فقال : أللّهمّ إن كان كاذباً فارْمه بيضاءَ لا تُواريها العمامة».

قال طلحة بن عُمير : فوالله لقد رأيت الوَضَح به بعد ذلك أبيض بين عينيه.

وروىٰ عثمان بن مطرف : أنَّ رجلاً سأل أنس بن مالك في آخر عمره عن عليّ ابن أبي طالب.

___________________________________

(١) شرح نهج البلاغة : ١٩ / ٢١٧ الأصل ٣١٧.

(٢) المصدر السابق : ٤ / ٧٤ خطبة ٥٦.

٣٩٠

فقال : إنّي آليتُ أن لا أكتُمَ حديثاً سُئِلتُ عنه في عليٍّ بعد يوم الرحبة : ذاك رأس المتّقين يوم القيامة ، سمعته ـ والله ـ من نبيّكم.

وفي تاريخ ابن عساكر(١) (٣ / ١٥٠) : قال أحمد بن صالح العجلي : لم يُبتَلَ أحد من أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلّا رجلين : مُعيقيب(٢) كان به داء الجُذام ، وأنس بن مالك كان به وَضَحٌ ؛ يعني البَرَص.

وقال أبو جعفر : رأيتُ أنساً يأكل ، فرأيته يلقَم لُقَماً كباراً ، ورأيت به وضَحاً ، وكان يتخلّق بالخلوق.

وقول العجلي المذكور حكاه أبو الحجّاج المزّي في تهذيبه(٣) ، كما في خلاصة الخزرجي(٤) (ص ٣٥).(٥)

___________________________________

(١) تاريخ مدينة دمشق : ٣ / ١٧٤.

(٢) معيقيب ـ مُصَغّراً ـ هو ابن أبي فاطمة الدوسي الأَزدي من أُمناء عمر بن الخطّاب علىٰ بيت المال. ترجمه ابن قتيبة في المعارف : ص ١٣٧ [ص ٣١٦]. (المؤلف)

(٣) تهذيب الكمال : ٣ / ٣٧٤رقم ٥٦٨.

(٤) خلاصة الخزرجي : ١ / ١٠٥ رقم ٦٣٠.

(٥) حديث الدعوة وإصابتها في مسند أحمد : ١ / ١١٩ ـ في طبعة أحمد شاكر برقم ٩٦٤ ـ وفيه : فقام إلّا ثلاثة لم يقوموا ! فدعا عليهم ، فأصابتهم دعوته.

وأخرجه الدارقطني ولفظه : فقام بضعة عشر رجلاً فشهدوا ، وكتم قوم ! فما فنوا من الدنيا حتىٰ عموا وبرصوا ... وأخرجه ابن عساكر : ٥١٠ من طريق الدارقطني.

وبهذا اللفظ أخرجه الخطيب البغدادي في الأفراد ، وعنه السيوطي في جمع الجوامع ، والمتّقي في كنز العمّال : ح ٣٦٤١٧.

وأخرجه ابن عساكر : ٥٠٩ ، والضياء المقدسي في المختارة : ٦٥٤ ، وابن كثير في تاريخه : ٥ / ٢١١ من طريق عبدالله بن أحمد ، باللفظ المتقدم عن المسند ، وكرّره ابن كثير في : ٧ / ٣٤٧ بالإسناد واللفظ ، وحذف منه الكتمان والدعوة وإصابتها !

وتقدّمت في ص ٣٨٩ رواية البلاذري وفيها : فبرص أنس ، وعمي البراء ، ورجع جرير أعرابياً ..

٣٩١

...................................................................................................

___________________________________

فأمّا أنس بن مالك :

فقد اشتهر بالبرص ، وعدّه ابن حبيب في المحبّر : ص ٣٠١ في البُرص الأشراف ، وعدّه الثعالبي في ثمار القلوب : ص ٢٠٦ في أدواء الأشراف وعاهاتهم ـ كما قيل : لقوة معاوية ... وبخر عبدالملك وبرص أنس بن مالك.

ويبدو أنَّ البرص توارثه بعض ولده ، فقد ذكره الجاحظ. وذكر ابنه وحفيده ثمامة في كتاب البرصان والعرجان : ص ٧٩ وقال : قال أبو عبيدة : كان ثمامة بن عبدالله بن أنس أسلع ابن أسلع ابن أسلع (والأسلع هو الأبرص كما في كتاب البرصان : ص ٦٣).

وقال ابن رسته في الأعلاق النفيسة : ص ٢٢١ : أنس بن مالك ، كان بوجهه برص ، ويذكر قوم أنَّ عليّ بن أبي طالب رضي‌الله‌عنه سأله عن شيء فقال : كبرت سنّي ونسيت ! فقال عليّ : إن كنت كاذباً فضربك الله ببيضاء لاتواريها العمامة.

وقال الثعالبي في لطائف المعارف : ص ١٠٥ : وكان أنس بن مالك رضي‌الله‌عنه أبرص ، وذكر قوم أنَّ عليّ ابن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ سأله عن قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيه : «اللّهمّ والِ من والاه وعادِ من عاداه» فقال : قد كبرت ونسيت ! فقال عليّ : «إن كنت كاذباً فضربك الله ببيضاء لا تواريها العمامة» فأصابه برص ، وبرص أنس مشهور مذكور في ترجمته في الكتب الكبار كتهذيب الكمال : ٣ / ٣٧٥ وتاريخ الإسلام : ٦ / ٢٩٥ وسير أعلام النبلاء : ٣ / ٤٠٥.

وأخرج أبو نعيم في حلية الأولياء : ٥ / ٢٦ ـ ٢٧ عن شيخه الحافظ الطبراني حديث المناشدة وفيه : فقاموا كلهم فقالوا : نعم ، وقعد رجل : فقال : «ما منعك أن تقوم ؟» فقال : يا أمير المؤمنين كبرت ونسيت ! فقال : «اللّهمّ إن كان كاذباً فاضربه ببلاء حسن» : قال : فما مات حتىٰ رأينا بين عينيه نكتة بيضاء لا تواريها العمامة.

وكرّر هذا الحديث في أخبار أصبهان : ١ / ١٠٧ بالإسناد واللفظ إلى قوله : «وعادِ من عاداه». فحذف منه كتمان أنس وابتلائه بالبرص !

وقد جمع أنس بين كتمان الشهادة وكذبتين : كبرت ، ونسيت. فإنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما هاجر إلى المدينة كان أنس طفلاً ابن عشر سنين أو ثمان سنين ، أخذت أمّه بيده وذهبت به إليه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وطلبت منه أن يقبله خادماً ، والمناشدات كانت بين سنتي ٣٦ و ٤٠ ، فأنس عند المناشدة كان في الأربعينات من عمره ، له دون الخمسين سنة ، فأين الكبر المورث للنسيان ؟!

ولقد جرّبنا عليه الكذب في قصّة الطير عندما دعا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يأتيه الله بأحبّ الخلق إليه يأكل معه من الطير ، فبعث الله إليه عليّاً عليه‌السلام ثلاث مرّات في كلّ ذلك يقول له أنس : إنَّ النبيّ عنك مشغول !

وأما البراء بن عازب :

٣٩٢

وقد نظم السيّد الحميريّ(١) إصابة الدعوة عليه في لاميّته الآتية بقوله :

في ردِّهِ سيِّدَ كلِّ الورىٰ

مولاهُمُ في الُمحكَمِ المُنْزَلِ

فَصَدَّه ذو العرشِ عن رُشدِهِ

وشانَهُ بالبَرَصِ الأنْكَلِ

وقال الزاهي(٢) في قصيدته التي تأتي :

ذاك الذي استوحَشَ منهُ أنسٌ

أنْ يشهدَ الحقَّ فشاهدَ البَرَصْ

إذ قال من يشهَدُ بالغديرِ لي ؟

فبادَرَ السامعُ وهو قد نَكَصْ

فقال أُنسيتُ ، فقال كاذبٌ

سوفَ ترىٰ ما لا تُواريهِ القُمُصْ

وهناك حديثٌ مجملٌ أحسبه إجمال هذا التفصيل :

أخرج الخوارزمي من طريق الحافظ ابن مردويه في مناقبه(٣) عن زاذان أبي عمرو : أنَّ عليّاً سأل رجلاً في الرحبة عن حديث فكذّبه ! فقال عليّ : «إنَّك قد كذّبتَني.

فقال : ما كذّبتُك !! فقال : أدعو الله عليك إن كنتَ كذّبتَني أن يُعميَ بصرَك». قال : ادْعُ الله. فدعا عليه ، فلم يخرج من الرحبة حتىٰ قُبِضَ بصره.

___________________________________

فقد تقدّم في رواية البلاذري : وعمي البراء. وعدّه الصفدي في العميان ، فترجم له في نكت الهميان : ص ١٢٤ وأرّخ وفاته بالكوفة سنة ٧١ بعد ما أضرّ.

وهناك قول : إنَّ البراء أيضاً عوقب بالبرص ، فكان يقال له ذو الغُرّة ، قال ابن ماكولا في الإكمال : ٧ / ١٤ باب الغرّة والعزّة : وقال بعض أهل العلم : إنَّ البراء هو ذو الغرّة ، سمّي بذلك لبياض كان في وجهه.

وفي تاج العروس ـ مادة غرر ـ : ذو الغرّة بالضم : البراء بن عازب ... قيل له ذلك لبياض كان في وجهه. إلّا أن يكون المقصود أنس بن مالك فوهموا فذكروا البراء مكانه ! (الطباطبائي)

(١) أحد شعراء الغدير في القرن الثاني ، يأتي هناك شعره وترجمته. (المؤلف)

(٢) أحد شعراء الغدير في القرن الرابع ، يأتي هناك شعره وترجمته. (المؤلف)

(٣) المناقب : ص ٣٧٨ ح ٣٩٦.

٣٩٣

ورواه خواجه پارسا في فصل الخطاب من طريق الإمام المستغفري(١) ، وكذلك نور الدين عبدالرحمن الجامي عن المستغفري ، وعدّه ابن حجر في الصواعق(٢) (ص ٧٧) من كرامات أمير المؤمنين عليه‌السلام ، ورواه الوصّابي في محكيّ الاكتفاء عن زاذان من طريق الحافظ عمر بن محمد الملّا في سيرته ، وجمعٌ آخرون.(٣)

ـ ٦ ـ مناشدة أمير المؤمنين عليه‌السلام يوم صفّين سنة (٣٧)

قال أبو صادق سُلَيم بن قيس الهلالي(٤) التابعي الكبير في كتابه(٥) :

___________________________________

(١) جعفر بن محمد النسفي المستغفري ـ المولود (٣٥٠) والمتوفّىٰ (٤٣٢) ـ صاحب التآليف القيّمة. ترجمه الذهبي في تذكرته : ٣ / ٣٠٠ [٣ / ١١٠٢ رقم ٩٩٦]. (المؤلف)

(٢) الصواعق المحرقة : ص ١٢٩.

(٣) منهم عبدالله بن أحمد بن حنبل في زياداته في فضائل الصحابة لأبيه : ٩٠٠ ، وفي كتاب الزهد له : ص ١٣٢ ، وفي كتاب مناقب عليّ عليه‌السلام له : برقم ٢٣.

وأخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب مجابي الدعوة ، والحافظ أبو نعيم في أخبار أصبهان : ١ / ٢١٠.

وأخرجه ابن عساكر في تاريخه : ١٢٧٢ و ١٢٧٣ ، والمحبّ الطبري في ذخائر العقبىٰ : ص ٩٦.

(الطباطبائي)

(٤) كتاب سُلَيم بن قيس : ٢ / ٧٥٧ ح ٢٥.

(٥) كتاب سُلَيم من الأصول المشهورة المتداولة في العصور القديمة المعتمد عليها عند محدِّثي الفريقين وحملة التاريخ :

قال ابن النديم في الفهرست : ص ٣٠٧ [ص ٢٧٥] : إنَّ سُليماً لمّا حضرته الوفاة قال لأبان : إنَّ لك عليَّ حقّاً ، وقد حضرتني الوفاة ، يا ابن أخي إنَّه كان من أمر رسول الله كيت وكيت. وأعطاه كتاباً ، وهو كتاب سُلَيم بن قيس الهلالي المشهور ... ـ إلىٰ أن قال ـ : وأوّل كتاب ظهر للشيعة كتابُ سُلَيم.

وفي التنبيه والأشراف للمسعودي : ص ١٩٨ ما نصّه : والقطعية بالإمامة الاثنا عشريّة منهم الذين أصلهم في حصر العدد ما ذكره سُليم بن قيس الهلالي في كتابه.

وقال السبكي في محاسن الرسائل في معرفة الأوائل : إن أوّل كتاب صُنِّف للشيعة هو كتاب سُلَيم.

٣٩٤

صعد عليٌّ عليه‌السلام المنبر ـ في صفّين ـ في عسكره ، وجمع الناس ومن بحضرته من النواحي والمهاجرين والأنصار ، ثمّ حمد الله وأثنىٰ عليه ، ثمّ قال :

«معاشر الناس ، إنَّ مناقبي أكثر من أن تُحصىٰ ، وبعد ما أنزل الله في كتابه من ذلك ، وما قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أكتفي بها عن جميع مناقبي وفضلي :

أتعلمون أنَّ الله فضّل في كتابه السابق على المسبوق ، وأنَّه لم يسبقني إلى الله ورسوله أحدٌ من الأمّة ؟ قالوا : نعم.

قال : أَنشُدُكُمُ الله : سُئِل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن قوله : (السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَـٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنزلها الله في الأنبياء وأوصيائهم ، وأنا أفضل أنبياء الله ورسله ، ووصيّي عليّ بن أبي طالب أفضل الأوصياء ؟»

فقام نحو من سبعينَ بدريّاً جُلّهم من الأنصار وبقيّتهم من المهاجرين ، منهم : أبو الهيثم بن التيّهان ، وخالد بن زيد أبو أيّوب الأنصاري ، وفي المهاجرين عمّار بن ياسر ، فقالوا : نشهد أنَّا قد سمعنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال ذلك.

قال : «فأَنشدُكُم بالله في قول الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ) وقوله : (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ...) الآية ، ثمّ

___________________________________

واللام في كلام ابن النديم والسبكي للمنفعة ، فمفادها أنَّهم كانوا يحتجّون به ، فيخصمون المجادل لاقتناعه بما فيه ثقة بأمانة سُلَيم في النقل ، لا محض أنَّ الشيعة تقتنع بما فيه ، وهو الذي يعطيه كلام المسعوديّ حيث أسند احتجاج الإماميّة الاثني عشرية في حصر العدد بما فيه ، فإنّ الاقتناع بمجرّده غير مُجدٍ في عصور قام الحِجاج فيها علىٰ أشدّه ، ولذلك أسند إليه وروىٰ عنه غيرُ واحد من أعلام العامّة : منهم الحاكم الحسكانيّ ـ المترجم (ص ١١٢) ـ في شواهد التنزيل لقواعد التفضيل [١ / ٤٧ ح ٤١] ، والإمام الحمّوئي ـ المترجم (ص ١٢٣) ـ في فرائد السمطين [١ / ٣١٢ ح ٢٥٠] ، والسيّد ابن شهاب الهمَداني (المذكور ص ١٢٧) في مودّة القربىٰ [المودّة العاشرة] ، والقندوزي الحنفي ـ المترجم (ص ١٤٧) ـ في ينابيع المودّة [١ / ٢٧ ـ ٣٢ ، ١١٤ باب ٣٨] ، وغيرهم ، وحول الكتاب كلمات درّيّة أفردناها في رسالة ، وإنَّما ذكرنا هذا الإجمال ؛ لتعلم أنَّ التعويل على الكتاب ممّا تسالم عليه الفريقان ، وهو الذي حدانا إلى النقل عنه في كتابنا هذا. (المؤلف)

٣٩٥

قال : (وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّـهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً). فقال الناس : يا رسولَ الله ، أخاصٌّ لبعض المؤمنين ، أم عامٌّ لجميعهم ؟

فأمر الله عزّ وجلّ رسوله أن يعلِّمهم ، وأن يفسِّر لهم من الولاية ما فسّر لهم من صلاتهم وصيامهم وزكاتهم وحجِّهم ، فنصبني بغدير خُمّ ، وقال :

إنَّ الله أرسلني برسالةٍ ضاقَ بها صدري وظننتُ أنَّ الناس مُكذِّبيَّ ، فأوعدني : لَأُبلِّغُها أو يعذِّبني ، قم يا عليُّ. ثمّ نادىٰ بالصلاة جامعةً فصلّىٰ بهم الظهر ، ثمّ قال :

أيُّها الناس إنَّ الله مولاي ، وأنا مولى المؤمنين ، وأولىٰ بهم من أنفسهم ، من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه ، أللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه ، وانصُر من نَصَره ، واخذُل من خَذَله. فقام إليه سلمان الفارسي ، فقال : يا رسولَ الله ولاءٌ كماذا ؟

فقال : ولاء كولاي ، من كنتُ أولىٰ به من نفسه ، فعليّ أولىٰ به من نفسه ، وأنزل الله (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) ...» إلىٰ أن قال :

فقام اثنا عشر رجلاً من البدريِّين ، فقالوا : نشهد أنَّا سَمِعنا ذلك من رسول الله كما قلت ... الحديث ، وهو طويلٌ ، وفيه فوائد جمّة.

ـ ٧ ـ احتجاج الصدّيقة فاطمة بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

قال شمس الدين أبو الخير الجزريّ الدمشقيّ المقري الشافعيّ ـ المترجم (ص ١٢٩) ـ في كتابه أسنى المطالب(١) في مناقب عليّ بن أبي طالب(٢) :

وألطف طريق وقع لهذا الحديث ـ يعني حديث الغدير ـ وأغربه ما حدّثنا به

___________________________________

(١) أسنى المطالب : ص ٤٩.

(٢) ذكره له السخاوي في الضوء اللامع : ٩ / ٢٥٦ [رقم ٨٠٦] ، والشوكاني في البدر الطالع : ٢ / ٢٩٧ [رقم ٥١٣]. (المؤلف)

٣٩٦

شيخنا خاتمة الحفّاظ أبو بكر محمد بن عبدالله بن المحبّ المقدسي مشافهةً ، أخبرتنا الشيخة أُمّ محمد زينب ابنة أحمد بن عبدالرحيم المقدسية ، عن أبي المظفّر محمد بن فتيان بن المثنّىٰ ، أخبرنا أبو موسىٰ محمد بن أبي بكر الحافظ ، أخبرنا ابن عمّة والدي القاضي أبو القاسم عبدالواحد بن محمد بن عبدالواحد المدني بقراءتي عليه ، أخبرنا ظفر بن داعي العلوي باستراباد ، أخبرنا والدي وأبو أحمد بن مطرف المطرفي قالا : حدّثنا أبو سعيد الإدريسي إجازة فيما أخرجه في تاريخ استراباد ، حدّثني محمد بن محمد بن الحسن أبو العبّاس الرشيدي من ولد هارون الرشيد بسمرقند ـ وما كتبناه إلّا عنه ـ حدّثنا أبو الحسن محمد بن جعفر الحلواني ، حدّثنا عليّ بن محمد بن جعفر الأهوازي مولى الرشيد ، حدّثنا بكر بن أحمد القصري ، حدّثتنا فاطمة وزينب وأُمّ كلثوم بنات موسى بن جعفر عليه‌السلام ، قلن : حدّثتنا فاطمة بنت جعفر بن محمد الصادق ، حدّثتني فاطمة بنت محمد بن عليّ ، حدّثتني فاطمة بنت عليّ بن الحسين ، حدّثتني فاطمة وسكينة ابنتا الحسين بن عليّ ، عن أُمّ كلثوم بنت فاطمة بنت النبيّ ، عن فاطمة بنت رسول الله ـ صلّى الله عليه ورضي عنها ـ قالت :

«أَنسيتُم قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم غدير خُمّ : من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه ، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أنت منّي بمنزلة هارون من موسىٰ عليهما‌السلام ؟».

وهكذا أخرجه الحافظ الكبير أبو موسى المَدِيني في كتابه المسلسل بالأسماء ، وقال : هذا الحديث مسلسلٌ من وجه ، وهو أنَّ كلَّ واحدة من الفواطم تروي عن عمّة لها ، فهو رواية خمس بناتِ أخٍ ، كلّ واحدة منهنّ عن عمّتها.

ـ ٨ ـ احتجاج الإمام السبط أبي محمد الحسن عليه‌السلام سنة (٤١)

أخرج الحافظ الكبير أبو العبّاس بن عقدة : أنَّ الحسن بن عليٍّ عليهما‌السلام لمّا أجمع علىٰ صلح معاوية قام خطيباً ، وحمد الله وأثنىٰ عليه ، وذكر جدّه المصطفىٰ بالرسالة

٣٩٧

والنبوّة ، ثمّ قال :

«إنَّا أهل بيت أكرمنا الله بالإسلام واختارنا واصطفانا ، وأذهب عنّا الرجسَ وطهّرَنا تطهيراً ، لم تفترق الناس فرقتين إلّا جعلنا الله في خيرهما من آدم إلىٰ جدّي محمد.

فلمّا بعث الله محمداً للنبوّة واختاره للرسالة ، وأنزل عليه كتابه ، ثمّ أمره بالدعاء إلى الله عزّ وجلّ ، فكان أبي أوّل من استجاب لله ولرسوله ، وأوّل من آمن وصدّق الله ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقد قال الله في كتابه المنزل علىٰ نبيّه المرسل : (أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ)(١) ، فجدّي الذي علىٰ بيِّنةٍ من ربّه ، وأبي الذي يتلوه وهو شاهدٌ منه ... ـ إلى أن قال ـ :

وقد سَمِعت هذه الأمّة جدّي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : ما ولّت أمّةٌ أمرَها رجلاً وفيهم من هو أعلم منه ، إلّا لم يزل يذهبُ أمرُهم سَفالاً حتىٰ يرجعوا إلىٰ ما تركوه.

وسمِعوه يقول لأبي : أنت منّي بمنزلةِ هارونَ من موسىٰ إلّا أنَّه لا نبيَّ بعدي.

وقد رأوه وسمِعوه حين أخذ بيد أبي بغدير خُمّ وقال لهم : من كنتُ مولاه فعليّ مولاه ، أللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه. ثمّ أمرهم أن يبلّغ الشاهد الغائب».

وذكر شطراً من هذه الخطبة القندوزي الحنفي في ينابيع المودّة(٢) (ص ٤٨٢) ، وفيه الحِجاجُ بحديث الغدير.

ـ ٩ ـ مناشدة الإمام السبط الحسين عليه‌السلام بحديث الغدير سنة (٥٨ ، ٥٩)

ذكر التابعيّ الكبير أبو صادق سُلَيم بن قيس الهلالي في كتابه(٣) جُملاً ضافية

___________________________________

(١) هود : ١٧.

(٢) ينابيع المودّة : ٣ / ١٥٠ باب ٩٠.

(٣) كتاب سُلَيم بن قيس : ٢ / ٧٨٨ ح ٢٦.

٣٩٨

حول شدّة نكير معاوية بن أبي سفيان علىٰ شيعة أمير المؤمنين عليه‌السلام ومواليه بعد شهادته ثمّ قال :

فلمّا كان قبل موت معاوية بسنتين(١) حجّ الحسين بن عليّ عليهما‌السلام ، وعبدالله بن عبّاس ، وعبدالله بن جعفر ، فجمع الحسين عليه‌السلام بني هاشم رجالهم ونساءهم ومواليهم وشيعتهم ، من حجّ منهم ومن لم يحجّ ، ومن الأنصار ممّن يعرف الحسين وأهل بيته ، ثمّ لم يترك أحداً حجّ ذلك العام من أصحاب رسول الله ومن التابعين من الأنصار المعروفين بالصلاح والنسك إلّا جمعهم ، واجتمع عليه بمنىٰ أكثر من سبعمائة رجل ، وهم في سرادقه عامّتهم من التابعين ، ونحو من مائتي رجل من أصحاب النبيّ ، فقام فيهم ، فحمد الله ، وأثنىٰ عليه ، ثمّ قال :

«أمّا بعد : فإنَّ هذا الطاغية قد صنع بنا وبشيعتنا ما علمتم ورأيتم وشهدتم وبلغكم ، وإنّي أريد أن أسألكم عن شيء فإن صدقت فصدِّقوني ، وإن كذبت فكذِّبوني ، واسمعوا مقالتي ، واكتبوا قولي ، ثمّ ارجعوا إلىٰ أمصاركم وقبائلكم ، ومن ائتمنتموه من الناس ووثِقتم به ، فادعوه إلىٰ ما تعلمون من حقِّنا فإنّا نخاف أن يدرُسَ(٢) هذا الحقّ ، ويذهَبَ ويغلب ، (... وَاللَّـهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)(٣)».

وما ترك شيئاً ممّا أنزل الله في القرآن فيهم إلّا تلاه وفسّره ، ولا شيئاً ممّا قاله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في أبيه وأمّه ونفسه وأهل بيته إلّا رواه ، وكلُّ ذلك يقولون : أللّهمّ نعم قد سمعنا وشهدنا ، ويقول التابعون : أللّهمّ نعم قد حدّثني به من أصدِّقه وأئتمنه من الصحابة ...

إلىٰ أن قال : قال عليه‌السلام :

___________________________________

(١) في بعض النسخ : بسنة. (المؤلف)

(٢) دَرَسَ الأثر : إمّحىٰ.

(٣) الصفّ : ٨.

٣٩٩

«أنشدُكُمُ الله أتعلمون أنَّ رسول الله نصبه يوم غدير خُمّ ، فنادىٰ له بالولاية ، وقال : ليبلِّغ الشاهدُ الغائبَ ؟» قالوا : أللّهمّ نعم ... الحديث.

وفيه طُرَفٌ ممّا تواترت أَسانيده من فضائل أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فراجع.

ـ ١٠ ـ احتجاج عبدالله بن جعفر علىٰ معاوية بعد شهادة أمير المؤمنين عليه‌السلام

قال عبدالله بن جعفر بن أبي طالب : كنت عند معاوية ومعنا الحسن والحسين عليهما‌السلام ، وعنده عبدالله بن العبّاس والفضل بن عبّاس ، فالتفت إليَّ معاوية ، فقال :

يا عبدالله ما أشدّ تعظيمك للحسن والحسين وما هما بخير منك ، ولا أبوهما خير من أبيك ، ولولا أنَّ فاطمة بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لقلتُ : ما أمّك أسماء بنت عميس بدونها.

فقلت : والله إنَّك لقليل العلم بهما وبأبيهما وبأمّهما ، بل والله لَهما خيرٌ منّي ، وأبوهما خيرٌ من أبي ، وأمُّهما خيرٌ من أمّي. يا معاوية إنَّك لغافلٌ عمّا سمعته أنا من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول فيهما وفي أبيهما وأمِّهما ، قد حفظته ووعيته ورويته.

قال : هاتِ يا ابن جعفر ، فو الله ما أنتَ بكذّاب ولا متَّهم.

فقلت : إنَّه أعظم ممّا في نفسك.

قال : وإن كان أعظم من أُحد وحِراء ـ بكسر المُهملة ـ جميعاً ، فلست أبالي إذا قتل الله صاحبك ، وفرّق جمعكم ، وصار الأمر في أَهله ، فحدِّثنا فما نبالي بما قلتم ولا يضرُّنا ما عدّدتم.

قلت : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقد سُئِل عن هذه الآية (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي

٤٠٠