🚖

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: قلم
الطبعة: ١
الصفحات: ٧١٦
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

التاريخ الصحيح

لا يكون انبعاث أيّةِ فِرقة من الفِرق إلىٰ تدوين التاريخ أقلَّ من انبعاث أخواتها إليه ، فكلٌ يتحرّىٰ منه غاية ، ويرمي إلىٰ غرض يخصّه ، فإن كان المؤرّخ يريد به الحيطة(١) بحوادث الدهر ، والوقوف علىٰ أحوال الأجيال الغابرة ، فالجغرافيّ يطلبه لتحقيق القسم السياسيّ به ؛ لاختلافه بتغلّبات الدول ، وانعكاف(٢) أُمم علىٰ خطط معيّنة وانثيال(٣) أُمم عنها.

وإن انبعث الخطيب إلىٰ سَبْر غَور التاريخ لما فيه من عِبَر وعِظات بالغة في تدهور الأحوال وفناء الأجيال ، وهلاك ملوك واستخلاف آخرين ، وما انتاب أقواماً من جرّاء ما اجترحوه من السيّئات ، وما فاز به آخرون بما جاؤوا به من صالح الأعمال ، فالدينيّ يبتغيه للوقوف علىٰ ما وُطِّد به أُسس المعتقد ؛ وعُلِّيَ عليه صروحُه وعلاليُّه(٤) ، وإفرازه عمّا كان حوله من لعب الأهواء ، وتَركاض أهل المطامع.

وإذا كان الأخلاقيّ يقصد به التجاريب الصالحة في ملكات النفوس ، التي تحلّىٰ بالصحيحة منها فِرقٌ من الناس فأفلحوا ، وتردّىٰ(٥) بالرديئة منها آخرون فخابوا ،

___________________________________

(١) و (٢) كذا.

(٣) انثالوا عليه : انصبّوا عليه واجتمعوا ، ومراد المؤلف هنا : التفرّق.

(٤) العلاليّ : جمع عِلِّيّة وهي الغرفة.

(٥) تردّىٰ بالرداء : ارتداه ولبسه.

٢١

فيَستنتِج من ذلك دستوراً عامّاً للمجتمع ليعمل به متىٰ راقه أن يأخذ حذراً عن سقوط الفرد أو تلاشي المجتمع ، فالسياسيّ يريد به الوقوف علىٰ مناهج الأُمم التي تقدّم بها الغابرون ، ومساقط الشهوات التي أسفّت بمعتنقيها إلىٰ هوّة البوار والضعة ، فغادَرتْهم كحديث أمس الدابر ، ويريد به البصيرة فيما سلفت به التجاريب الصحيحة في المضائق والمآزق الحرجة ، وافتراع عقبات كأداء ، فيتّخذ من ذلك كلّه برنامجاً صالحاً لرُقيّ أمّته ، وتقدّم بيئته.

والأديب يقتنص شوارد التاريخ ؛ لأنَّ ما يتحرّاه من تنسيق لفظه ، وفخامة معناه ، وما يجب أن يكون في شعره أو نثره ـ من محسِّنات الأسلوب ، ومقرِّبات المغزىٰ بإشارة أو استعارة ـ منوطٌ بالاطّلاع علىٰ أحوال الأُمم والوقوف علىٰ ما قصدوه من دقائق ورقائق.

وإذا عمّمنا التاريخ علىٰ مثل علم الرجال والطبقات ، فحاجة الفقيه إليه مسيسة في تصحيح الأسانيد ، وإتقان مدارك الفتاوىٰ ، وبه يظهر افتقار المحدِّث إليه في مزيد الوثوق برواياته ، علىٰ أنَّ لِفنِّ الحديث مواضيع متداخلة مع التاريخ ، كما يُروىٰ من قصص الأنبياء وتحليل تعاليمهم ؛ حيث يجب على المحدِّث المحاكمة بين ما يتلقّاه وما يسرده التاريخ ، أو التطبيق بينهما إن جاءا متّفقَين في بيان الحقيقة.

والمفسّر لا مُنتدح له من التوغّل في التاريخ عندما يقف علىٰ آيات كريمة توعز إلىٰ قصص الماضين وأحوالهم ؛ لضربٍ من الحكمة ، ونوعٍ من العِظَة ، وعلىٰ آيات أخرىٰ نزلت في شؤون خاصّة ، يفصِّلها التاريخ تفصيلاً.

والباحث إذا دقّق النظرة في أيّ علم يجد أنّ له مسيساً بالتاريخ لا يتمّ لصاحبه غايته المتوخّاة إلّا به.

فالتاريخ إذاً ضالّة العالِم ، وطَلِبة المتفنّن ، وبُغية الباحث ، وأُمنيّة أهل الدين ومقصد الساسة ، وغرض الأديب. والقول الفصل : إنَّه مأرب المجتمع البشريّ أجمع ،

٢٢

وهو التاريخ الصحيح الذي لم يُقصد به إلّا ضبط الحقائق علىٰ ما هي عليه ، فلم تعبث به أغراض مستهدفة ، ولم يعِثْ فيه نزعات أهوائية ، ككثيرٍ ممّا أُلِّف من زُبُر التاريخ التي روعي في جملة منها جلب مرضاة القادة والأُمراء ، أو تدعيم مبدأ أو فكر مفكّر ، أو أُريد به التحليق بأشخاص معلومين إلىٰ أوْج العظمة ، والإسفاف بآخرين إلىٰ هُوّة الضعة ؛ لمغازٍ هنالك تختلف باختلاف الظروف والأحوال.

أو اختلط(١) فيه الحابل بالنابل بتوسّع المؤلّفين لما حَسِبوه من أنَّ الإحاطة بكلّ ما قيل توسّعٌ في العلم ، وإحسانٌ في السمعة ؛ ذهولاً منهم عن أنَّ مقادير الرجال بالدراية لا بالرواية(٢) ، فأدخلوا في التاريخ هفواتٍ لا تُحصىٰ ، غيرَ شاعرين بأنّ رواة تلك السفاسفِ زبائنُ عصبة ، وحنّاقٌ علىٰ عصبة ؛ أو أنّهم قصّاصون غير مكترثين من الإكثار في النقل الخرافيّ أو الافتعال ؛ إكباراً لِلسمعة ، أو نزولاً على حكم النهَمة ، فتلقّتْها عنهم السذّج في العصور المتأخِّرة كحقائق راهنة ، وتنبّه لها المنقِّب فوجدها أحاديث خرافيّة فرفضها ، غيرَ مُبالٍ بالطعن على التاريخ ، فلا شعر أولئك أنّها وليدةُ تقاليدَ أو مطامع ، ولا عرف هذا أنَّ الآفة في وَرَطات القالة ، وسوء صنيع الكَتَبة ، لا في أصل الفنّ ، ولو ذهبنا إلىٰ ذكر الشواهد لهذه كلّها لخرج الكتاب عن وضعه.

هكذا خفيت الحقيقة بين مُفرِط ومُفرِّط ، وذهبت ضحيّة الميول والشهوات ،

___________________________________

(١) معطوف علىٰ قوله : «روعي» قبل أسطر ، وقد ذكّر الضمير هنا في قوله : «اختلط فيه» ؛ لأنَّ المراد من «زبر التاريخ» نفس التاريخ.

(٢) في كتاب زيد الزرّاد عن أبي عبدالله الصادق عليه‌السلام قال : قال أبو جعفر عليه‌السلام : «يا بنيّ اعرف منازل شيعة عليّ علىٰ قَدْر روايتهم ومعرفتهم ، فإنَّ المعرفة هي الدراية للرواية ، وبالدرايات للروايات يعلو المؤمن إلىٰ أقصىٰ درجة الإيمان. إنّي نظرتُ في كتابٍ لعليّ عليه‌السلام فوجدت فيه : أنَّ زِنة كلّ امرىءٍ وقَدْرَه معرفتُه ، إنَّ الله يُحاسب العباد علىٰ قدْر ما آتاهم من العقول».

وفي غيبة النعماني : ص ٧٠ [ص ١٤١ باب ١٠ ح ٢] في حديث عن الإمام الصادق عليه‌السلام : «خبر تدريه خير من عشْرٍ ترويه ؛ إنَّ لكلّ حقٍّ حقيقةً ، ولكلّ صوابٍ نوراً».

وفي كشف الغمّة للشعراني : ١ / ٤٠ [١ / ٢٢] : كان عليّ بن أبي طالب رضي‌الله‌عنه يقول : «كونوا للعلمِ وعاةً ، ولا تكونوا له رواة». (المؤلف)

٢٣

فواجب الباحث أن يسبر هذا الغور متجرِّداً عن النعرات الطائفيّة ، غير متحيِّز إلىٰ فئة ، متزحزحاً عن عوامل الحبّ والبغض ، ونصب عينيه مقياسٌ من أصول مسلَّمة ، يقابل به صفحة التاريخ ، فإن طالته أو قصرت عنه رفضها ، وإن قابلته مقابلة المِثْلِ بالمِثْل اعتمد عليها ، علىٰ تفصيلٍ لا يَسَعه نِطاقُ البحث هاهنا.

٢٤

أهميّة الغدير في التاريخ

لا يستريب أيّ ذي مُسْكة(١) في أنَّ شرف الشيء بشرف غايته ، فعليه أنَّ أوّل ما تكسبه الغايات أهميّة كبرىٰ من مواضيع التاريخ هو ما أُسِّس عليه دين ، أو جرت به نِحلة ، واعتلت عليه دعائمُ مذهب ، فدانت به أُمم ، وقامت به دول ، وجرىٰ به ذكرٌ مع الأبد ، ولذلك تجد أئمة التاريخ يتهالكون في ضبط مبادئ الأديان وتعاليمها ، وتقييد ما يتبعها من دعايات ، وحروب ، وحكومات ، وولايات ، التي عليها نَسَلت الحُقُب والأعوام ، ومضت القرون الخالية (سُنَّةَ اللَّـهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّـهِ تَبْدِيلًا)(٢) ، وإذا أهمل المؤرِّخ شيئاً من ذلك فقد أوجد في صحيفته فراغاً لا تسدّه أيّة مهمّة ، وجاء فيها بأمر خِداج(٣) ؛ بُتِر أوّلُه ، ولا يُعلم مبدؤه ، وعسىٰ أن يوجب ذلك جهلاً للقارئ في مصير الأمر ومنتهاه.

إنَّ واقعة غدير خُمّ هي من أهمّ تلك القضايا ؛ لما ابتنىٰ عليها ـ وعلىٰ كثير من الحُجج الدامغة ـ مذهبُ المقتصِّين أثر آل الرسول ـ صلوات الله عليه وعليهم ـ وهم معدودون بالملايين ، وفيهم العلم والسؤدد ، والحكماء ، والعلماء ، والأماثل ، ونوابغ في علوم الأوائل والأواخر ، والملوك ، والساسة ، والأمراء ، والقادة ، والأدب الجمّ ،

___________________________________

(١) أي ذي رأي وعقل وافر.

(٢) الأحزاب : ٦٢.

(٣) الخِداج : النقصان في كلّ شيء ، وأصل ذلك من خداج الناقة إذا ولدت ولداً ناقص الخلق.

٢٥

والفضل الكُثار ، وكتب قيِّمة في كلّ فنّ ، فإنْ يكن المؤرِّخ منهم فمن واجبه أن يفيض علىٰ أمّته نبأ بَدْء دعوته ، وإن يكن من غيرهم فلا يعدوه أن يذكرها بسيطة عندما يسرُد تاريخ أمّة كبيرة كهذه ، أو يشفعها بما يرتئيه حول القضيّة من غميزة في الدلالة ، إن كان مزيج نفسه النزول علىٰ حكم العاطفة ، وما هنالك من نعرات طائفته ، علىٰ حين أنّه لا يتسنّىٰ له غمزٌ في سندها ، فإنَّ ما ناء به نبيّ الإسلام يومَ الغدير من الدعوة إلىٰ مفاد حديثه لم يختلف فيه اثنان ، وإن اختلفوا في مؤدّاه ؛ لأغراضٍ وشوائبَ غير خافية على النابه البصير.

فذكرها من أئمّة المؤرِّخين : البلاذري : المتوفّىٰ سنة (٢٧٩) في أنساب الأشراف ، وابن قتيبة : المتوفّىٰ (٢٧٦) في المعارف والإمامة والسياسة ، والطبريّ : المتوفّىٰ (٣١٠) في كتاب مفرد ، وابن زولاق الليثي المصري : المتوفّىٰ (٢٨٧) في تأليفه ، والخطيب البغدادي : المتوفّىٰ (٤٦٣) في تاريخه ، وابن عبدالبَرّ : المتوفّىٰ (٤٦٣) في الاستيعاب ، والشهرستاني : المتوفّىٰ (٥٤٨) في الملل والنحل ، وابن عساكر : المتوفّىٰ (٥٧١) في تاريخه ، وياقوت الحَمَوي [المتوفّىٰ سنة ٦٢٦] في معجم الأدباء (١٨ / ٨٤) من الطبعة الأخيرة ، وابن الأثير : المتوفّىٰ (٦٣٠) في أُسد الغابة ، وابن أبي الحديد : المتوفّىٰ (٦٥٦) في شرح نهج البلاغة ، وابن خلّكان : المتوفّىٰ (٦٨١) في تاريخه ، واليافعي : المتوفّىٰ (٧٦٨) في مرآة الجنان ، وابن الشيخ البَلَوي [المتوفّى سنة ٦٠٤] في ألف باء ، وابن كثير الشامي : المتوفّىٰ (٧٧٤) في البداية والنهاية ، وابن خلدون : المتوفّىٰ (٨٠٨) في مقدّمة تاريخه ، وشمس الدين الذهبي [المتوفّىٰ سنة ٧٤٨] في تذكرة الحفّاظ ، والنويري : المتوفّىٰ حدود (٨٣٣) في نهاية الأَرَب في فنون الأَدَب ، وابن حجر العسقلاني : المتوفّىٰ (٨٥٢) في الإصابة وتهذيب التهذيب ، وابن الصبّاغ المالكي : المتوفّىٰ (٨٥٥) في الفصول المهمّة ، والمقريزي : المتوفّىٰ (٨٤٥) في الخطط ، وجلال الدين السيوطي : المتوفّىٰ (٩١٠) في غير واحد من كتبه ، والقرماني الدمشقي : المتوفّىٰ (١٠١٩) في أخبار الدول ، ونور الدين الحَلَبي : المتوفّىٰ (١٠٤٤) في السيرة الحَلَبيّة ، وغيرهم.

٢٦

وهذا الشأن في علم التاريخ لا يقلّ عنه الشأن في فنّ الحديث ، فإنَّ المحدِّث إلىٰ أيّ شطرٍ ولّىٰ وجهه من فضاء فنِّه الواسع ، يجد عنده صحاحاً ومسانيدَ تثبت هذه المَأثُرة لوليّ أمر الدين عليه‌السلام ، ولم يزل الخَلَف يتلقّاه(١) من سلفه حتىٰ ينتهي الدور إلىٰ جيل الصحابة الوعاة للخبر ، ويجد لها مع تعاقب الطبقات بَلَجاً ونوراً يَذهب بالأبصار ، فإن أغفل المحدِّث ما هذا شأنه ، فقد بخس للأمّة حقّاً ، وحرمها عن الكثير الطيّب ممّا أسدىٰ إليها نبيُّها نبيّ الرحمة من برّه الواسع ، وهدايته لها إلى الطريقة المثلىٰ.

فذكرها من أئمّة الحديث : إمام الشافعية أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي : المتوفّىٰ سنة (٢٠٤) كما في نهاية ابن الأثير ، وإمام الحنابلة أحمد بن حنبل : المتوفّىٰ (٢٤١) في مسنده ومناقبه ، وابن ماجة : المتوفّىٰ (٢٧٣) في سننه ، والترمذي : المتوفّىٰ (٢٧٩) في صحيحه ، والنسائي : المتوفّىٰ (٣٠٣) في الخصائص ، وأبو يعلى الموصلي : المتوفّىٰ (٣٠٧) في مسنده ، والبغوي : المتوفّىٰ (٣١٧) في السنن ، والدولابي : المتوفّىٰ (٣٢٠) في الكنىٰ والأسماء ، والطحاوي : المتوفّىٰ (٣٢١) في مشكل الآثار ، والحاكم : المتوفّىٰ (٤٠٥) في المستدرك ، وابن المغازلي الشافعي : المتوفّىٰ (٤٨٣) في المناقب ، وابن مندة الأصبهاني : المتوفّىٰ (٥١٢) بعدّة طرق في تأليفه ، والخطيب الخوارزمي : المتوفّىٰ (٥٦٨) في المناقب ومقتل الإمام السبط عليه‌السلام ، والكنجي : المتوفّىٰ (٦٥٨) في كفاية الطالب ، ومحبّ الدين الطبريّ : المتوفّىٰ (٦٩٤) في الرياض النضرة وذخائر العقبىٰ ، والحمّوئي : المتوفّىٰ (٧٢٢) في فرائد السمطين ، والهيثميّ : المتوفّىٰ (٨٠٧) في مجمع الزوائد ، والذهبي : المتوفّىٰ (٧٤٨) في التلخيص ، والجَزْري : المتوفّىٰ (٨٣٠) في أسنى المطالب ، وأبو العبّاس القسطلاني : المتوفّىٰ (٩٢٣) في المواهب اللدنيّة ، والمتّقي الهندي : المتوفّىٰ (٩٧٥) في كنز العمّال ، والهَرَويّ القاري : المتوفّىٰ (١٠١٤) في المرقاة في شرح المشكاة ، وتاج الدين المناوي : المتوفّىٰ (١٠٣١) في كنوز الحقائق في حديث خير الخلائق وفيض القدير ، والشيخاني القادري في الصراط

___________________________________

(١) ذكّر الضمير في «يتلقّاه» بلحاظ أنَّ المأثرة كانت بواسطة الخبر والحديث المتناقل.

٢٧

السويّ في مناقب آل النبيّ ، وباكثير المكّي : المتوفّىٰ (١٠٤٧) في وسيلة المآل في مناقب الآل ، وأبو عبدالله الزرقاني المالكي : المتوفّىٰ (١١٢٢) في شرح المواهب ، وابن حمزة الدمشقي الحنفي في كتاب البيان والتعريف ، وغيرهم.

كما أنَّ المفسِّر نُصْبُ عينيه آيٌ(١) من القرآن الكريم نازلة في هذه المسألة يرىٰ من واجبه الإفاضة بما جاء في نزولها وتفسيرها ، ولا يرضىٰ لنفسه أن يكون عمله مبتوراً ، وسعيه مُخدَجاً ، فذكرها من أئمّة التفسير : الطبريّ : المتوفّىٰ (٣١٠) في تفسيره ، والثعلبي : المتوفّىٰ (٤٢٧ ، ٤٣٧) في تفسيره ، والواحدي : المتوفّىٰ (٤٦٨) في أسباب النزول ، والقرطبي : المتوفّىٰ (٥٦٧) في تفسيره ، وأبو السعود في تفسيره ، والفخر الرازي : المتوفّىٰ (٦٠٦) في تفسيره الكبير ، وابن كثير الشامي : المتوفّىٰ (٧٧٤) في تفسيره ، والنيسابوري : المتوفّىٰ في القرن الثامن في تفسيره ، وجلال الدين السيوطي في تفسيره ، والخطيب الشربيني في تفسيره ، والآلوسي البغدادي : المتوفّىٰ (١٢٧٠) في تفسيره ، وغيرهم.

والمتكلّم حين يقيم البراهين في كلّ مسألة من مسائل علم الكلام ، إذا انتهىٰ به السير إلى مسألة الإمامة ، فلا مُنتدح له من التعرّض لحديث الغدير حجّةً على المُدّعىٰ أو نقلاً لحجّة الخصم ، وإن أردفه بالمناقشة في الحساب عند الدلالة ، كالقاضي أبي بكر الباقلّاني البصري : المتوفّىٰ سنة (٤٠٣) في التمهيد ، والقاضي عبدالرحمن الإيجي الشافعي : المتوفّىٰ (٧٥٦) في المواقف ، والسيِّد الشريف الجرجاني : المتوفّىٰ (٨١٦) في شرح المواقف ، والبيضاوي : المتوفّىٰ (٦٨٥) في طوالع الأنوار ، وشمس الدين الأصفهاني في مطالع الأنظار ، والتفتازاني : المتوفّىٰ (٧٩٢) في شرح المقاصد ، والقوْشّجي المولىٰ علاء الدين : المتوفّىٰ (٨٧٩) في شرح التجريد. وهذا لفظهم :

___________________________________

(١) كقوله تعالى : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) [آية : ٣] في سورة المائدة وقوله فيها [آية : ٦٧] : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ) الآية. وقوله في المعارج [آية : ١] : (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ). (المؤلف)

٢٨

إنَّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد جمع الناس يوم غدير خُمّ ـ موضع بين مكة والمدينة بالجُحْفة(١) ـ وذلك بعد رجوعه من حجّة الوداع ، وكان يوماً صائفاً حتىٰ إنَّ الرجل لَيضع رداءه تحت قدميه من شدّة الحرّ ، وجمع الرحال ، وصعد عليها ، وقال مخاطباً : «معاشرَ المسلمين ألستُ أولىٰ بكم من أنفسكم ؟ قالوا : اللّهمّ بلىٰ.

قال : من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه ، أللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه ، وانصُرْ من نَصره ، واخذُلْ من خَذله»(٢).

ومن المتكلّمين القاضي النجم محمد الشافعي : المتوفّىٰ (٨٧٦) في بديع المعاني ، وجلال الدين السيوطي في أربعينه ، ومفتي الشام حامد بن عليّ العمادي في الصلات الفاخرة بالأحاديث المتواترة ، والآلوسي البغدادي : المتوفّىٰ (١٣٢٤) في نثر اللآلي ، وغيرهم.

واللغويّ لا يجد مُنتدَحاً من الإيعاز إلىٰ حديث الغدير عند إفاضة القول في معنى (المولىٰ) أو (الخُمّ) أو (الغدير) أو (الوليّ) ، كابن دُرَيد محمد بن الحسن ـ المتوفّىٰ (٣٢١) ـ في جمهرته (١ / ٧١)(٣) ، وابن الأثير في النهاية(٤) ، والحموي في معجم البلدان(٥) في (خُمّ) ، والزبيدي الحنفي في تاج العروس(٦) ، والنبهاني في المجموعة النبهانية.

___________________________________

(١) كانت قرية كبيرة علىٰ ثلاث مراحل من مكة في طريق المدينة ، وهي ميقات أهل مصر والشام. معجم البلدان : ٢ / ١١١.

(٢) ذكرنا لفظهم ؛ لكونه غير مسند ، بل ذكروه إرسال المسلَّم. (المؤلف)

(٣) قال : غدير خُمّ معروف ، وهو الموضع الذي قام فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خطيباً بفضل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب. كذا في المطبوع من الجمهرة [١ / ١٠٨] ، وقد حكىٰ عنه ابن شهرآشوب وغيره في العصور المتقادمة من النسخ المخطوطة من الجمهرة ما نصّه : هو الموضع الذي نصّ النبيُّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيه علىٰ عليّ عليه‌السلام. انتهى. وقد حرّفته يد الطبع الأمينة. (المؤلف)

(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر : ٥ / ٢٢٨.

(٥) معجم البلدان : ٢ / ٣٨٩

(٦) تاج العروس : ١٠ / ٣٩٩.

٢٩
٣٠

واقعة الغدير

أجمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الخروج إلى الحجّ في سنة عشْرٍ من مُهاجره ، وأذّن في الناس بذلك ، فقدم المدينة خلق كثير يأتمّون به في حِجّته تلك التي يُقال(١) عليها حجّة الوداع ، وحجّة الإسلام ، وحجّة البلاغ ، وحجّة الكمال ، وحجّة التمام(٢) ، ولم يحجّ غيرها منذُ هاجر إلىٰ أن توفّاه الله ، فخرج صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من المدينة مغتسلاً متدهِّناً مترجِّلاً متجرِّداً في ثوبينِ صُحاريّين(٣) : إزارٍ ، ورداء ، وذلك يوم السبت لخمسِ ليالٍ أو ستٍّ بقينَ من ذي القِعْدة ، وأخرج معه نساءه كلّهنّ في الهوادج ، وسار معه أهل بيته وعامّة المهاجرين والأنصار ، ومن شاء الله من قبائل العرب وأفناء(٤) الناس(٥).

وعند خروجه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أصاب الناس بالمدينة جُدَريٌّ ـ بضم الجيم وفتح الدال

___________________________________

(١) الظاهر أنّه قدس‌سره ضمّن (قال) معنىٰ (يطلق) فعدّاه بـ (علىٰ).

(٢) الذي نظنّه ـ وظنّ الألمعيّ يقين ـ أنَّ الوجه في تسمية حِجّة الوداع بالبلاغ هو نزول قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ) الآية ، كما أنَّ الوجه في تسميتها بالتمام والكمال هو نزول قوله سبحانه : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) الآية. (المؤلف)

(٣) صُحار : مدينة عمان أو قصبة عمان ممّا يلي الجبل ، وتوأم قصبتها ممّا يلي الساحل. معجم البلدان : ٣ / ٣٩٣.

(٤) أفناء : واحدهُ فنو أي أخلاط ، ورجل من أفناء القبائل أي لا يدرىٰ من أيّ قبيلة هو.

(٥) الطبقات لابن سعد : ٣ / ٢٢٥ [٢ / ١٧٣] ، إمتاع المقريزي : ص ٥١٠ ، إرشاد الساري : ٦ / ٤٢٩ [٩ / ٤٢٦]. (المؤلف)

٣١

وبفتحهما ـ أو حصبة منعت كثيراً من الناس من الحجّ معه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومع ذلك كان معه جموعٌ لا يعلمها إلّا الله تعالىٰ ، وقد يقال : خرج معه تسعون ألفاً ، ويقال : مائة ألفٍ وأربعةَ عشرَ ألفاً ، وقيل : مائة ألفٍ وعشرونَ ألفاً ، وقيل : مائة ألفٍ وأربعة وعشرون ألفاً ، ويقال : أكثر من ذلك ، وهذه عدّةُ من خرج معه ، وأمّا الذين حجّوا معه فأكثر من ذلك ، كالمقيمين بمكّة ، والذين أتوا من اليمن مع عليٍّ أميرالمؤمنين وأبي موسىٰ(١).

أصبح صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يومَ الأحد بيَلَمْلَمَ(٢) ، ثمّ راح فتعشّىٰ بشرف السيّالة ، وصلّىٰ هناك المغرب والعشاء ، ثمّ صلّى الصبح بعِرْقِ الظُّبْية(٣) ، ثمّ نزل الروْحاء ، ثمّ سار من الروحاء فصلّى العصر بالمنصرف(٤) ، وصلّى المغرب والعشاء بالمتعشّىٰ وتعشّىٰ به ، وصلّى الصبح بالأثاية(٥) ، وأصبح يوم الثلاثاء بالعَرْج(٦) واحتجم بلَحْيِ جَمَلٍ(٧) ـ وهو عقبة الجُحْفة ـ ونزل السُّقْياء(٨) يوم الأربعاء ، وأصبح بالأبواء(٩) ، وصلّىٰ هناك ، ثمّ

___________________________________

(١) السيرة الحلبيّة ٣ / ٢٨٣ [٣ / ٢٥٧] ، سيرة أحمد زيني دَحْلان ٣ / ٣ [٢ / ١٤٣] ، تاريخ الخلفاء لابن الجوزي في الجزء الرابع ، تذكرة خواصّ الأمّة : ص ١٨ [ص ٣٠] ، دائرة المعارف لفريد وجدي ٣ / ٥٤٢. (المؤلف)

(٢) يَلَمْلَم : هو ميقات أهل اليمن للإحرام بالحجّ ، وهو جبل من جبال تهامة جنوب مكة. معجم البلدان : ٥ / ٤٤١.

(٣) عِرق الظُّبية : موضع علىٰ ثلاثة أميال من الروحاء به مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. معجم البلدان : ٣ / ٥٨.

(٤) المُنْصرف : موضع بين مكة وبدر بينهما أربعة بُرُد. معجم البلدان : ٥ / ٢١١.

(٥) هو موضع في طريق الجُحفة بينه وبين المدينة خمسة وعشرون فرسخاً. معجم البلدان : ١ / ٩٠

(٦) العَرْج : قرية في وادٍ من نواحي الطائف ، بينها وبين المدينة ثمانية وسبعون ميلاً. معجم البلدان : ٤ / ٩٨.

(٧) لَحْي جمل : هي عقبة الجُحفة علىٰ سبعة أميال من السقياء. معجم البلدان : ٥ / ١٥.

(٨) السُّقياء : قرية جامعة من عمل الفُرع ، بينهما ممّا يلي الجحفة تسعة عشر ميلاً. معجم البلدان : ٣ / ٢٢٨.

(٩) الأبْوَاء : قرية من أعمال الفُرع من المدينة ، بينها وبين الجحفة ممّا يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً. معجم البلدان : ١ / ٧٩.

٣٢

راح من الأبواء ونزل يوم الجمعة الجُحْفة ، ومنها إلىٰ قُدَيْد(١) وسَبَتَ فيه ، وكان يومَ الأحد بعُسْفان(٢) ، ثمّ سار ، فلمّا كان بالغَميم(٣) اعترض المشاة ، فصُفّوا صفوفاً ، فَشكَوا إليه المشي ، فقال : استعينوا بالنسَلان ـ مشيٌ سريعٌ دون العدو ـ ففعلوا فوجدوا لذلك راحة ، وكان يوم الإثنين بمَرِّ الظهْران ، فلم يبرَحْ حتىٰ أمسىٰ ، وغرُبت له الشمس بسَرِف(٤) فلم يصلِّ المغرب حتىٰ دخل مكة ، ولمّا انتهىٰ إلى الثنِيَّتين(٥) بات بينهما ، فدخل مكّة نهار الثلاثاء(٦).

فلمّا قضىٰ مناسكه ، وانصرف راجعاً إلى المدينة ومعه من كان من الجموع المذكورات ، وصل إلىٰ غدير خُمّ من الجُحْفة التي تتشعّب فيها طرق المدنيِّين والمصريِّين والعراقيِّين ، وذلك يوم الخميس(٧) الثامن عشر من ذي الحجّة نزل إليه جبرئيل الأمين عن الله بقوله : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ) الآية. وأمره أن يقيم عليّاً عَلَماً للناس ، ويبلِّغهم ما نزل فيه من الولاية وفرض الطاعة علىٰ كلّ أحد ، وكان أوائل القوم قريباً من الجُحْفة ، فأمر رسول الله أن يردّ من تقدّم منهم ، ويحبس من تأخّر عنهم في ذلك المكان ، ونهىٰ عن سَمُراتٍ(٨) خمْسٍ متقاربات دَوْحاتٍ عظام أن لا يَنزل تحتهنَّ أحد ، حتىٰ إذا أخذ القوم منازلهم ، فقُمَّ ما تحتهنَّ ، حتىٰ إذا نودي بالصلاة ـ صلاة الظهر ـ عمد إليهنّ ، فصلّىٰ بالناس تحتهنّ ، وكان يوماً

___________________________________

(١) قُدَيْد : اسم موضع قرب مكة. معجم البلدان : ٤ / ٣١٣.

(٢) عُسفان : قال السكري : عُسفان علىٰ مرحلتين من مكة علىٰ طريق المدينة والجحفة علىٰ ثلاث مراحل. معجم البلدان : ٤ / ١٢٢.

(٣) الغميم : قال نصر : الغميم موضع قرب المدينة بين رابغ والجحفة. معجم البلدان : ٤ / ٢١٤.

(٤) سَرِف : موضع من مكة علىٰ عشرة أميال ، وقيل : أقل وأكثر. معجم البلدان : ٣ / ٢١٢.

(٥) الثنيّتان : مثنى الثنيّة ، وهي طريق العقبة ، أو العقبة ، والثنيّة : الطريقة في الجبل كالنقب.

(٦) الإمتاع للمقريزي : ص ٥١٣ ـ ٥١٧. (المؤلف)

(٧) هو المنصوص عليه في لفظ البراء بن عازب وبعض آخر من رواة حديث الغدير ، وسيوافيك كلامنا فيه : ص ٤٢ [من هذا الجزء]. (المؤلف)

(٨) سَمُرات جمع سمرة : شجرة الطلح.

٣٣

هاجراً يضع الرجل بعض ردائه علىٰ رأسه ، وبعضه تحت قدميه ، من شدّة الرمضاء ، وظُلِّل لرسول الله بثوبٍ علىٰ شجرةِ سَمُرةٍ من الشمس ، فلمّا انصرف صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من صلاته ، قام خطيباً وسط القوم(١) علىٰ أقتاب الإبل(٢) ، وأسمع الجميع ، رافعاً عقيرته ، فقال :

«ألحمد للهِ ونستعينه ونؤمن به ، ونتوكّل عليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيّئات أعمالنا ، الذي لا هادي لمن أضلّ(٣) ، ولا مُضلّ لمن هدىٰ ، وأشهد أن لا إله إلّا الله ، وأنَّ محمداً عبده ورسوله.

أمّا بعدُ : أيُّها الناس قد نبّأني اللطيف الخبير : أنّه لم يُعمَّر نبيٌّ إلّا مثلَ نصفِ عمر الذي قبلَه. وإنّي أُوشِك أن أُدعىٰ فأُجيب ، وإنّي مسؤول ، وأنتم مسؤولون ، فماذا أنتم قائلون ؟

قالوا : نشهدُ أنّك قد بلّغتَ ونصحتَ وجهدتَ ، فجزاكَ الله خيراً.

قال : ألستم تشهدون أن لا إله إلّا الله ، وأنَّ محمداً عبدهُ ورسوله ، وأنَّ جنّته حقّ وناره حقّ ، وأنَّ الموت حقّ ، وأنَّ الساعة آتية لا ريبَ فيها وأنَّ الله يبعثُ من في القبور ؟

قالوا : بلىٰ نشهد بذلك. قال : أللّهمّ اشهد ، ثمّ قال : أيّها الناس ألا تسمعون ؟ قالوا : نعم.

قال : فإنّي فَرَط(٤) على الحوض ، وأنتم واردون عليّ الحوض ، وإنَّ عُرضه ما

___________________________________

(١) جاء في لفظ الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد : ٩ / ١٠٦ وغيره. (المؤلف)

(٢) ثمار القلوب : ص ٥١١ [ص ٦٣٦ رقم ١٠٦٨] ، ومصادر أُخر ، كما مرّ ص ٨. (المؤلف)

(٣) في الأصل (ضلّ) والصحيح ما أثبتناه ، وقد أشار المصنّف في هامش ص ٨٨ إلىٰ هذا الخطأ الموجود في النسخ.

(٤) الفَرَط : المتقدم قومه إلى الماء ، ويستوي فيه الواحد والجمع.

٣٤

بين صنعاءَ وبُصرىٰ(١) ، فيه أقداح عدد النجوم من فضّة ، فانظروا كيف تخلِفوني في الثقَلَينِ(٢).

فنادىٰ منادٍ : وما الثقَلان يا رسول الله ؟

قال : الثقَل الأكبر كتاب الله طرفٌ بيد الله عزّ وجلّ وطرفٌ بأيديكم ، فتمسّكوا به لا تضلّوا ، والآخر الأصغر عترتي ، وإنَّ اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يتفرّقا حتىٰ يردا عليّ الحوض ، فسألت ذلك لهما ربّي ، فلا تَقدموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا.

ثمّ أخذ بيد عليّ فرفعها حتىٰ رُؤي بياض آباطهما وعرفه القوم أجمعون ، فقال : أيّها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم ؟. قالوا : الله ورسوله أعلم.

قال : إنَّ الله مولاي ، وأنا مولى المؤمنين ، وأنا أولىٰ بهم من أنفسهم فمن كنت مولاه فعليّ مولاه ، يقولها ثلاثَ مرّات ـ وفي لفظ أحمد إمام الحنابلة : أربع مرّات ـ ثمّ قال : أللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه ، وأحِبَّ من أحبّه ، وأبغِضْ من أبغضه وانصُرْ من نصره ، واخذُلْ من خذله ، وأَدرِ الحقَّ معه حيث دار ، ألا فليبلّغ الشاهدُ الغائب. ثمّ لم يتفرّقوا حتىٰ نزل أمين وحي الله بقوله : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) الآية. فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الله أكبر علىٰ إكمال الدين ، وإتمام النعمة ، ورضا الربّ برسالتي ، والولاية لعليٍّ من بعدي».

ثمّ طَفِق القوم يهنِّئون أمير المؤمنين ـ صلوات الله عليه ـ وممّن هنّأه ـ في مُقدّم الصحابة ـ الشيخان : أبو بكر وعمر كلٌّ يقول : بَخٍ بخٍ لك يا ابن أبي طالب أصبحتَ وأمسيتَ مولايَ ومولىٰ كلّ مؤمن ومؤمنة. وقال ابن عبّاس : وجبت ـ واللهِ ـ في أعناق القوم.

___________________________________

(١) صنعاء : عاصمة اليمن اليوم ، وبُصْرىٰ : قَصَبة كورة حوران من أعمال دمشق. (المؤلف)

(٢) الثقَل ـ بفتح المثلّثة والمثنّاة ـ : كلّ شيء خطير نفيس. (المؤلف)

٣٥

فقال حسّان : ائذنْ لي يا رسول الله أن أقول في عليٍّ أبياتاً تسمعهُنّ. فقال : «قُلْ على بركة الله».

فقام حسّان ، فقال : يا معشر مشيخة قريش أتبعها قولي بشهادةٍ من رسول الله في الولاية ماضية ، ثمّ قال :

يُناديهِمُ يومَ الغديرِ نبيُّهمْ

بخُمٍّ فأسمِعْ بالرسولِ مُناديا(١)

هذا مجمل القول في واقعة الغدير ، وسيُوافيك تفصيل ألفاظها ، وقد أصفقت الأمّة علىٰ هذا ، وليست في العالم كلّه ـ وعلىٰ مستوى البسيط(٢) ـ واقعة إسلاميّة غديريّة غيرها ، ولو أُطلق يومه فلا ينصرف إلّا إليه ، وإن قيل محلّه فهو هذا المحلّ المعروف علىٰ أَمَمٍ(٣) من الجُحْفة ، ولم يعرف أحد من البحّاثة والمنقِّبين سواه. نعم ، شذّ عنهم الدكتور ملحم إبراهيم الأسود في تعليقه علىٰ ديوان أبي تمام ، فإنّه قال : هي واقعة حرب معروفة ! ولنا حول ذلك بحثٌ ضافٍ تجده في ترجمة أبي تمام من الجزء الثاني إن شاء الله.

___________________________________

(١) إلىٰ آخر الأبيات الآتية في ترجمة حسّان في شعراء القرن الأوّل في الجزء الثاني. (المؤلف)

(٢) البسيط والبسيطة : الأرض العريضة والمكان الواسع.

(٣) الأَمَم : القُرب.

٣٦

العناية بحديث الغدير

كان للمولىٰ سبحانه مزيد عناية بإشهار هذا الحديث ؛ لتتداوله الألسن وتلوكه أشداق الرواة ؛ حتىٰ يكون حجّة قائمة لحامية دينه الإمام المقتدىٰ ـ صلوات الله عليه ـ ولذلك أنجز الأمر بالتبليغ في حين مزدَحم الجماهير عند مُنصَرف نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الحجّ الأكبر ، فنهض بالدعوة ، وكراديس الناس وزُرافاتهم من مختلف الديار محتفّةٌ به ، فردّ المتقدِّم ، وجعجع بالمتأخِّر ، وأسمع الجميع(١) ، وأمر بتبليغ الشاهد الغائب ؛ ليكونوا كلّهم رواة هذا الحديث ، وهم يرْبونَ علىٰ مائة ألفٍ ، ولم يكتفِ ـ سبحانه ـ بذلك كلّه حتىٰ أنزل في أمره الآيات الكريمة تُتلىٰ مع مرِّ الجديدين بُكرةً وعَشيّاً ؛ ليكون المسلمون علىٰ ذُكْرٍ من هذه القضيّة في كلّ حين ، وليعرفوا رُشدهم ، والمرجع الذي يجب عليهم أن يأخذوا عنه معالم دينهم.

___________________________________

(١) روى النسائي في إحدىٰ طرق حديث الغدير عن زيد بن أرقم في الخصائص : ص ٢١ [ص ٩٦ ح ٧٩ والسنن الكبرىٰ : ٥ / ١٣٠ ح ٨٤٦٤] ، وفيه : قال أبو الطفيل : سمعته من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ فقال : [نعم] وإنَّه ما كان في الدوحات أحد إلّا رآه بعينيه ، وسمعه بأُذُنيه.

وصحّحه الذهبي كما في تاريخ ابن كثير الشامي : ٥ / ٢٠٨ [٥ / ٢٢٨ حوادث سنة ١٠ هـ].

وفي مناقب الخوارزمي في أحد أحاديث الغدير ص ٩٤ : ينادي رسول الله بأعلىٰ صوته.

وقال ابن الجوزي في المناقب : كان معه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الصحابة ومن الأعراب وممّن يسكن حول مكّة والمدينة مائة وعشرون ألفاً ، وهم الذين شهدوا معه حجّة الوداع ، وسمِعوا منه هذه المقالة.

(المؤلف)

٣٧

ولم يزل مثل هذه العناية لنبيّنا الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث استنفر أُمم الناس للحجّ في سنته تلك ، فالتحقوا به ثُباً ثُباً ، وكراديس كراديس ، وهو صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعلم أنّه سوف يبلّغهم في منتهىٰ سفره نبأً عظيماً ، يُقام به صرح الدين ، ويشاد علاليُّه ، وتسود به أُمّته الأُمم ، ويدبُّ ملكها بين المشرق والمغرب ، لو عقَلتْ صالحها ، وأبصرتْ طريق رُشدها(١).

___________________________________

(١) أخرج أحمد في مسنده : ١ / ١٠٩ [١ / ١٧٥ ح ٨٦١] عن زيد بن يثيع ، عن عليّ ، عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم في حديث : «وإن تُؤمّروا عليّاً رضي‌الله‌عنه ـ ولا أراكم فاعلين ـ تجدوه هادياً مهديّاً ، يأخذ بكم الطريق المستقيم».

وروى الخطيب البغدادي في تاريخه : ١١ / ٤٧ [رقم ٥٧٢٨] بإسناده عن حذيفة في حديث ـ حُرّف صدره ، وزِيد عليه ـ عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «وإن وَلّيتموها ـ الخلافة ـ عليّاً وجدتموه هادياً مهديّاً ، يسلك بكم على الطريق المستقيم».

وفي رواية أبي داود : «إن تستخلفوه (عليّاً) ـ ولن تفعلوا ذلك ـ يسلُكْ بكم الطريق ، وتجدوه هادياً مهديّاً».

وفي حديث أبي نعيم في الحِلية : ١ / ٦٤ [رقم ٤] عن حذيفة ، قال : قالوا : يا رسول الله ألا تستخلف عليّاً ؟ قال : «إن تُولّوا عليّاً تجدوه هادياً مهديّاً ، يسلك بكم الطريق المستقيم».

وفي لفظ آخر : «وإن تؤمّروا عليّاً ـ ولا أراكم فاعلين ـ تجدوه هادياً مهديّاً ، يأخذ بكم الطريق المستقيم».

وفي كنز العمّال : ٦ / ١٦٠ [١١ / ٦٣٠ ح ٣٣٠٧٢] عن فضائل الصحابة لأبي نعيم ، وفي حِليته : ١ / ٦٤ [رقم ٤] «إن تستخلفوا عليّاً ـ وما أراكم فاعلين ـ تجدوه هادياً مهديّاً يحملكم على المحجّة البيضاء». وأخرجه الحافظ الكنجي الشافعي في الكفاية : ص ٦٧ [ص ١٦٣] بهذا اللفظ وبلفظ أبي نعيم الأوّل.

وفي الكنز : ٦ / ١٦٠ [١١ / ٦٣١ ح ٣٣٠٧٥] عن الطبراني ، وفي المستدرك للحاكم [٣ / ١٥٣ ح ٤٧٨٥] : «إن وَلّيتُموها عليّاً فهادٍ مهديّ ، يقيمكم علىٰ طريق مستقيم».

وروى الخطيب الخوارزمي في المناقب : ص ٦٨ [ص ١١٤ ح ١٢٤] مسنداً عن عبدالله بن مسعود ، قال : كنت مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد أصحر ، فتنفّس الصعَداء ، فقلت : يا رسول الله مالك تتنفّس ؟ قال : «يا ابنَ مسعود نُعِيَتْ إليّ نفسي. فقلت : يا رسول الله استخلفْ. قال : من ؟ قلت : أبا بكر ، فسكت ، ثمّ تنفّس ، فقلت : ما لي أراك تتنفّس ؟ قال : نُعِيَتْ إليّ نفسي. فقلت : استخلف

٣٨

ولكن ولهذه الغاية بعينها لم يبرح أئمّة الدين ـ سلام الله عليهم ـ يهتفون بهذه الواقعة ، ويحتجّون بها لإمامة سلفهم الطاهر ، كما لم يفتأ أمير المؤمنين ـ صلوات الله عليه ـ بنفسه يحتجّ بها طيلة حياته الكريمة ، ويستنشد السامعين لها من الصحابة الحضور في حجّة الوداع في المنتديات ومجتمعات لفائف الناس ؛ كلّ ذلك لتبقىٰ غضّةً طريّةً بالرغم من تعاوُر الحُقُب والأعوام ؛ ولذلك أمروا شيعتهم بالتعيّد في يوم الغدير والاجتماع وتبادل التهاني والبشائر ؛ إعادةً لجِدّة هاتيك الواقعة العظيمة ، كما ستمرّ عليك تفاصيل هذه الجمل في هذا الكتاب ـ إن شاء الله تعالىٰ ـ فإلى الملتقىٰ.

وللإماميّة مجتمع باهر يوم الغدير عند المرقد العلويّ الأقدس ، يضمّ إليه رجالات القبائل ووجوه البلاد من الدانين والقاصين ؛ إشادةً بهذا الذكر الكريم ، ويروون عن أئمّة دينهم ألفاظ زيارةٍ مُطنَبة ، فيها تعدادُ أعلام الإمامة ، وحجج الخلافة الدامغة من كتاب وسنّة ، وتبسّط في رواية حديث الغدير ، فترىٰ كلّ فرد من أفراد تلكم الآلاف المؤلّفة يلهج بها ، رافعاً عقيرته ، مبتهجاً بما اختصّه الله من مِنْحة الولاية والهداية إلىٰ صراطه المستقيم ، ويرىٰ نفسه راوياً لتلك الفضيلة ، مثبتاً لها ، يَدين الله بمفادها ، ومن لم يُتَحْ له الحظوة بالمثول في ذلك المشعر المقدّس ، فإنّه يتلوها في نائية البلاد ، ويُومي إليه من مستقرّه. وليوم الغدير وظائف من صوم وصلاة ودعاء فيها هتاف بذكره ، تقوم بها الشيعة في أمصارها وحواضرها وأوساطها والقرىٰ والرساتيق(١) ، فهناك تجد ما يُعَدُّون بالملايين ، أو يُقدَّرون بثُلُث المسلمين أو نصفهم

___________________________________

يا رسول الله. قال : من ؟ قلت : عمر بن الخطاب ، فسكت ، ثمّ تنفّس. قال : فقلت : ما شأنك يا رسول الله ؟ قال : نُعِيَتْ إليّ نفسي. فقلت : يا رسول الله استخلف. قال : من ؟ قلت : عليّ بن أبي طالب. قال : أوْهِ ، ولن تفعلوا إذاً أبداً ، واللهِ لئن فعلتموه ليُدخِلَنّكُم الجنّة».

ورواه ابن كثير في البداية : ٧ / ٣٦٠ [٧ / ٣٩٧ حوادث سنة ٤٠ ه‍] عن الحاكم أبي عبدالله النيسابوري ، عن أبي عبدالله محمد بن عليّ الآدمي ، عن إسحاق الصنعاني ، عن عبدالرزّاق ، عن أبيه ، عن ابن ميناء ، عن عبدالله بن مسعود. (المؤلف)

(١) الرساتيق : فارسي معرّب ، جمع رستاق ، وهي السواد.

٣٩

رواةً للحديث ، مخبتين إليه معتنقين له ديناً ونِحْلة.

وأمّا كتب الإماميّة في الحديث والتفسير والتاريخ وعلم الكلام ، فضع يدك علىٰ أيٍّ منها تجده مفعماً بإثبات قصّة الغدير والاحتجاج بمؤدّاها ، فمن مسانيد عنعنتها الرواة إلىٰ مُنبثق أنوار النبوّة ، ومراسيل أرسلها المؤلِّفون إرسال المسلّم ، حذفوا أسانيدها ؛ لتسالم فِرَق المسلمين عليها.

ولا أحسب أنَّ أهل السنّة يتأخّرون بكثير عن الإماميّة في إثبات هذا الحديث ، والبخوع لصحّته ، والركون إليه ، والتصحيح له ، والإذعان بتواتره ، أللّهمّ إلّا شذّاذاً تنكّبت عن الطريقة ، وَحَدتْ بهم العصبيّة العمياء إلىٰ رمي القول علىٰ عواهنه ، وهؤلاء لا يمثِّلون من جامعة العلماء إلّا أنفسهم ، فإنَّ المثبتين المحقّقين للشأن المتولِّعين في الفنّ لا تخالجهم أيّة شبهة في اعتبار أسانيدهم التي أنهوها ـ متعاضدةً متظافرةً بل متواترة(١) ـ إلىٰ جماهير من الصحابة والتابعين. وإليك أسماء جملة وقفنا على الطرق المنتهية إليهم علىٰ حروف الهجاء :

___________________________________

(١) رواه أحمد بن حنبل من أربعين طريقاً ، وابن جرير الطبري من نيّف وسبعين طريقاً ، والجزري المقري من ثمانين طريقاً ، وابن عقدة من مائة وخمس طرق ، وأبو سعيد السجستاني من مائة وعشرين طريقاً ، وأبو بكر الجُعابي من مائة وخمس وعشرين طريقاً ، وفي تعليق هداية العقول (ص ٣٠) عن الأمير محمد اليمني ـ أحد شعراء الغدير في القرن الثاني عشر ـ : أنَّ له مائةً وخمسين طريقاً. (المؤلف)

٤٠