الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: قلم
الطبعة: ١
الصفحات: ٧١٦
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

وهو بنفسه يقول في الفِصَل (٣ / ٢٥٧) : وأمّا من سبّ أحداً من الصحابة رضي‌الله‌عنهم فإن كان جاهلاً فمعذور ، وإن قامت عليه الحجة فتمادىٰ غير معاند فهو فاسق ، كمن زنىٰ وسرق ، وإن عاند الله تعالىٰ في ذلك ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فهو كافر ، وقد قال عمر رضي‌الله‌عنه بحضرة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن حاطب ـ وحاطب مهاجر بدريٌّ ـ : دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فما كان عمر بتكفيره حاطباً كافراً ، بل كان مخطئاً متأوّلاً ، وقد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم «آية النفاق بغض الأنصار». وقال لعليّ : «لا يبغضك إلّا منافق». انتهى.

وكم عند ابن حزم من المجتهدين نظراء عبدالرحمن بن ملجم وأبي الغادية حَكم في الفِصَل بأنّهم مجتهدون ، وهم مأجورون فيما أخطؤوا ، قال في (٤ / ١٦١) : قطعنا أنَّ معاوية رضي‌الله‌عنه ومن معه مخطئون مجتهدون مأجورون أجراً واحداً !!

وعدّ في (ص ١٦٠) معاوية وعمرو بن العاص من المجتهدين. ثمّ قال : إنَّما اجتهدوا في مسائل دماء كالتي اجتهد فيها المفتون ، وفي المُفتين من يرىٰ قتل الساحر ، وفيهم من لا يراه ، وفيهم من يرىٰ قتل الحرّ بالعبد ، وفيهم من لا يراه ، وفيهم من يرىٰ قتل المؤمن بالكافر ، وفيهم من لا يراه ، فأيُّ فرق بين هذه الاجتهادات واجتهاد معاوية وعمرو وغيرهما لولا الجهل والعمىٰ والتخليط بغير علم ؟ انتهىٰ.

وشتّان بين المُفتين الذين التبست عليهم الأدلّة في الفتيا ، أو اختلفت عندهم بالنصوصيّة والظهور ولو بمبلغ فهم ذلك المُفتي ، أو أنَّه وجد إحدى الطائفتين من الأدلّة أقوىٰ من الأخرىٰ لصحّة الطريق عنده أو تضافر الإسناد ، فجنح إلىٰ جانب القوّة ، وارتأىٰ مقابله بضرب من الاستنباط تقوية الجانب الآخر ، فأفتىٰ كلٌّ علىٰ مذهبه. كلّ ذلك إخباتاً إلى الدليل من الكتاب والسنّة.

فشتّان بين هؤلاء وبين محاربي عليّ عليه‌السلام ، وبمرأى الملأ الإسلامي ومسمعهم كتاب الله العزيز ، وفيه آية التطهير الناطقة بعصمة النبيّ وصنوه وصفيّته وسبطيه ،

٦٠١

وفيه آية المباهلة النازلة فيهم ، وعليٌّ فيها نفس النبيّ ، وغيرهما ممّا يناهز ثلاثمائة آية(١) النازلة في الإمام أمير المؤمنين.

وهذه نصوص الحفّاظ الأثبات ، والأعلام الأئمّة ، وبين يديهم الصحاح والمسانيد ، وفيها حديث التطهير ، وحديث المنزلة ، وحديث البراءة ذلك الهتاف النبويّ المبين المتواتر ، كلّ ذلك كانت تلوكه أشداق الصحابة وأُنهي إلى التابعين.

أفترىٰ من الممكن أن يهتف المولىٰ سبحانه في المجتمع بطهارة ذاتٍ وقدسه من الدنس ، وعصمته من كلّ رجس ، أو ينزِّله منزلة نفس النبيّ الأعظم ، ويُسمع به عباده ، أو يوجب بنصّ كتابه المقدّس علىٰ أُمّة نبيّه الأقدس مودّة ذي قرباه ـ وأمير المؤمنين سيّدهم ـ ويجعل ولاءهم أجر ذلك العبء الفادح ، الرسالةِ الخاتمة العظمىٰ ، ويُخبر بلسان نبيّه أمّته بأنّ طاعة عليٍّ طاعته ومعصيته معصيته(٢) ، ويكون مع ذلك كلِّه هناك مجال للاجتهاد بأن يُقاتَل ، أو يُقتَل ، أو يُنفىٰ من الأرض ، أو يُسبّ علىٰ رؤس الأشهاد ، أو يُلعَن على المنابر ، أو تُعلَن عليه الدعايات ؟ وهل يحكم شعورك الحرُّ بأنّ الاجتهاد في كلِّ ذلك كاجتهاد المُفتين واختلافهم في قتل الساحر وأمثاله ؟

وابن حزم نفسه يقول في الفِصَل (٣ / ٢٥٨) : ومن تأوّل من أهل الإسلام فأخطأ ، فإن كان لم تقم عليه الحجّة ، ولا تبيّن له الحقّ ، فهو معذورٌ مأجورٌ أجراً واحداً لطلبه الحقّ وقصده إليه ، مغفورٌ له خطؤه إذ لم يتعمّد ؛ لقول الله تعالىٰ : (وَلَيْسَ

___________________________________

(١) راجع تاريخَي الخطيب : ٦ / ٢٢١ [رقم ٣٢٧٥] ، وابن عساكر [١٢ / ٣٠٩ ، وفي ترجمة الإمام عليّ ابن أبي طالب من تاريخ دمشق ـ الطبعة المحقّقة ـ : ١ / ٢٧٣ ح ٣٢٢] ، وكفاية الكنجي : ص ١٠٨ [ص ٢٣١] والصواعق : ص ٧٦ [ص ١٢٧] وتاريخ الخلفاء للسيوطي : ص ١١٥ [ص ١٦١] والفتوحات الإسلامية : ٢ / ٣٤٢ ، ونور الأبصار : ص ٨١ [ص ١٦٤] ، وهناك مصادر كثيرة أخرىٰ.

(المؤلف)

(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك : ٣ / ١٢١ ، ١٢٨ [٣ / ١٣١ ح ٤٦١٧ ، ص ١٣٩ ح ٤٦٤١] ، والذهبي في تلخيصه وصحّحاه. (المؤلف)

٦٠٢

عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ)(١) وإن كان مصيباً فله أجران : أجر لإصابته ، وأجر آخر لطلبه إيّاه ، وإن كان قد قامت الحجّة عليه ، وتبيّن له الحقّ فَعَنَدَ عن الحقّ غير معارض له تعالىٰ ولا لرسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فهو فاسق ؛ لجرأته على الله تعالىٰ بإصراره على الأمر الحرام ، فإن عَنَدَ عن الحقّ مُعارضاً لله ولرسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فهو كافر مرتدّ حلال الدم والمال ، لا فرق في هذه الأحكام بين الخطأ في الاعتقاد في أيّ شيء كان من الشريعة وبين الخطأ في الفُتيا في أيّ شيء كان. انتهى.

فهل من الممكن إنكار حجّية كتاب الله العزيز ، أو نفي ما تلوناه منه ، أو احتمال خفاء هذه الحجج الدامغة كلِّها علىٰ أهل الخطأ من أُولئك المجتهدين ، وعدم تبيُّن الحقِّ لهم ، وعدم قيام الحجّة عليهم ، أو تسرّب الاجتهاد والتأويل في تلك النصوص أيضاً ؟

علىٰ أنَّ هناك نصوصاً نبويّة حول حربه وسلمه ، منها :

ما أخرجه الحاكم في المستدرك(٢) (٣ / ١٤٩) عن زيد بن أرقم عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنَّه قال لعليّ وفاطمة والحسن والحسين : «أنا حربٌ لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم».

وذكره(٣) الذهبيّ في تلخيصه ، وأخرجه الكنجي في الكفاية (ص ١٨٩) من طريق الطبرانيّ ، والخوارزمي في المناقب (ص ٩٠) ، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه (٦ / ٢١٦) من طريق الترمذي وابن ماجة وابن حبّان والحاكم.

وأخرجه(٤) الخطيب بإسناده عن زيد في تاريخه (٧ / ١٣٧) بلفظ : «أنا حربٌ

___________________________________

(١) الأحزاب : ٥.

(٢) المستدرك على الصحيحين : ٣ / ١٦١ ح ٤٧١٤ : وكذا في التلخيص.

(٣) كفاية الطالب : ص ٣٣١ باب ٩٣ ، المعجم الكبير : ٣ / ٤٠ ح ٢٦٢٠ ، المناقب : ص ١٤٩ ح ١٧٧ ، كنز العمّال : ١٢ / ٩٦ ح ٣٤١٥٩ ، سنن الترمذي : ٥ / ٦٥٦ ح ٣٨٧٠ ، سنن ابن ماجة : ١ / ٥٢ ح ١٤٥ ، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان : ١٥ / ٤٣٣ ح ٦٩٧٧.

(٤) تاريخ مدينة دمشق : ٥ / ٢٩ ، وفي ترجمة الإمام الحسين عليه‌السلام من تاريخ دمشق ـ الطبعة المحقّقة ـ :

٦٠٣

لمن حاربكم ، وسلمٌ لمن سالمكم» ، والحافظ ابن عساكر في تاريخه (٤ / ٣١٦) ، ورواه الكنجي في كفايته (ص ١٨٩) من طريق الترمذي ، وابن حجر في الصواعق (ص ١١٢) من طريق الترمذي وابن ماجة وابن حبّان والحاكم ، وابن الصبّاغ المالكي في فصوله (ص ١١) ، ومحبّ الدين في الرياض (٢ / ١٨٩) ، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه (٧ / ١٠٢) من طريق ابن أبي شيبة والترمذي والطبراني والحاكم والضياء المقدسي في المختارة.

وأخرجه ابن كثير في تاريخه(١) (٨ / ٣٦) باللفظ الأوّل عن أبي هريرة من طريق النسائي من حديث أبي نعيم الفضل بن دكين ، وابن ماجة من حديث وكيع ، كلاهما عن سفيان الثوري.

وأخرج أحمد في مسنده(٢) (٢ / ٤٤٢) عن أبي هريرة بلفظ : «أنا حربٌ لمن حاربكم وسلمٌ لمن سالمكم» ، والحاكم في المستدرك(٣) (٣ / ١٤٩) ، والخطيب في تاريخه (٤ / ٢٠٨) ، والكنجي في الكفاية(٤) (ص ١٨٩) من طريق أحمد وقال : حديث حسن صحيح. والمتّقي في الكنز(٥) (٦ / ٢١٦) من طريق أحمد والطبراني والحاكم.

وأخرج محبّ الدين الطبري في الرياض(٦) (٢ / ١٨٩) عن أبي بكر الصدِّيق :

رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم خيّم خيمة ، وهو متّكئ علىٰ قوسٍ عربيّة ، وفي الخيمة عليّ وفاطمة والحسن والحسين ، فقال : «معشرَ المسلمين أنا سلمٌ لمن سالم أهل

___________________________________

ص ١٠٠ ح ١٣٤ ، كفاية الطالب : ص ٣٣٠ باب ٩٣ ، الصواعق المحرقة : ص ١٨٧ ، الفصول المهمّة : ص ٢٥ ، الرياض النضرة : ٣ / ١٣٦ ، كنز العمّال : ١٣ / ٦٤٠ ح ٣٧٦١٨.

(١) البداية والنهاية : ٨ / ٤٠ حوادث سنة ٤٩ ه‍.

(٢) مسند أحمد : ٣ / ١٨٧ ح ٩٤٠٥.

(٣) المستدرك على الصحيحين : ٣ / ١٦١ ح ٤٧١٣.

(٤) كفاية الطالب : ص ٣٣١ باب ٩٣.

(٥) كنز العمّال : ١٢ / ٩٧ ح ٣٤١٦٤.

(٦) الرياض النضرة : ٣ / ١٣٦.

٦٠٤

الخيمة ، حربٌ لمن حاربهم ، وليٌّ لمن والاهم ، لا يُحبّهم إلّا سعيد الجدِّ طيِّب المولد ، ولا يبغضهم إلّا شقيّ الجدّ رديء الولادة».

وأخرج الحاكم في المستدرك(١) (٣ / ١٢٩) عن جابر بن عبدالله قال :

سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو آخذٌ بضَبْع عليِّ بن أبي طالب وهو يقول : «هذا أمير البررة ، قاتل الفَجَرة ، منصورٌ من نصره ، مخذولٌ من خذله». ثمّ مدَّ بها صوته. وأخرجه ابن طلحة الشافعي في مطالب السؤول (ص ٣١) عن أبي ذرّ بلفظ : «قائد البررة ، وقاتل الكفرة ...». ورواه ابن حجر في الصواعق(٢) (ص ٧٥) عن الحاكم ، وأحمد زيني دحلان في الفتوحات الإسلاميّة(٣) (٢ / ٣٣٨) إلى أحاديث كثيرة لو جمعت لتأتّىٰ مجلّدات ضخمة.

على أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يبثّ الدعاية بين أصحابه حول تلك المقاتلة التي زعم ابن حزم فيها اجتهاد معاوية وعمرو بن العاص ومن كان معهما ، وكان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يأمرهم ويأمر أميرهم ـ وليّ الله الطاهر ـ بحربهم وقتالهم ، وبطبع الحال ما كان ذلك يخفىٰ علىٰ أيِّ أحد من أصحابه ، وإليك نماذج من تلك(٤) الدعاية النبويّة :

أخرج الحاكم في المستدرك(٥) (٣ / ١٣٩) والذهبيُّ في تلخيصه عن أبي أيّوب الأنصاري : أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أمر عليّ بن أبي طالب بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين.

ورواه الكنجي في كفايته(٦) (ص ٧٠).

___________________________________

(١) المستدرك على الصحيحين : ٣ / ١٤٠ ح ٤٦٤٤.

(٢) الصواعق المحرقة : ص ١٢٥.

(٣) الفتوحات الإسلاميّة : ٢ / ٣٤٢.

(٤) لم نذكرها بجميع طرقها التي وقفنا عليها روماً للاختصار ، وستوافيك في الجزء الثالث. (المؤلف)

(٥) المستدرك على الصحيحين : ٣ / ١٥٠ ح ٤٦٧٤ ، وكذا في التلخيص.

(٦) كفاية الطالب : ص ١٦٨ باب ٣٧.

٦٠٥

وأخرج الحاكم في المستدرك(١) (٣ / ١٤٠) عن أبي أيوب قال : سمعت رسول الله يقول لعليّ : «تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين».

وأخرج الخطيب في تاريخه (٨ / ٣٤٠ و ١٣ / ١٨٧) ، وابن عساكر(٢) عن أمير المؤمنين عليه‌السلام قال : «أمرني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين».

وأخرجه الحمّوئي في فرائد السمطين في الباب الثالث والخمسين(٣) ، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه(٤) (٦ / ٣٩٢). وأخرج الحاكم وابن عساكر كما في ترتيب جمع الجوامع(٥) (٦ / ٣٩١) عن ابن مسعود قال :

خرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأتىٰ منزل أُمّ سلمة ، فجاء عليّ ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يا أُمّ سلمة هذا ـ والله ـ قاتل القاسطين والناكثين والمارقين من بعدي».

وأخرجه الحمّوئي في فرائد السمطين في الباب الرابع والخمسين(٦) بطريقين عن سعد بن عبادة عن عليٍّ قال : «أُمِرت بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين».

وأخرج البيهقي في المحاسن والمساوئ(٧) (١ / ٣١) والخوارزمي في المناقب(٨) (ص ٥٢ و ٥٨) عن ابن عبّاس قال :

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لأُمِّ سلمة : «هذا عليّ بن أبي طالب لحمه من لحمي ودمه

___________________________________

(١) المستدرك على الصحيحين : ٣ / ١٥٠ ح ٤٦٧٥.

(٢) تاريخ مدينة دمشق : ١٢ / ٣٦٧ ، وفي ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب من تاريخ دمشق ـ الطبعة المحقّقة ـ : ٣ / ٢٠٠ ح ١٢٠٦.

(٣) فرائد السمطين : ١ / ٢٧٨ ح ٢١٧.

(٤) كنز العمّال : ١٣ / ١١٢ ح ٣٦٣٦٧.

(٥) المصدر السابق : ١٣ / ١١٠ ح ٣٦٣٦١.

(٦) فرائد السمطين : ١ / ٢٨٤ ح ٢٢٤.

(٧) المحاسن والمساوئ : ص ٤٤ ـ ٤٥.

(٨) المناقب : ص ٨٦ ح ٧٧.

٦٠٦

من دمي ، وهو منّي بمنزلة هارون من موسىٰ إلّا أنَّه لا نبيّ بعدي ، يا أُمّ سلمة هذا أمير المؤمنين وسيّد المسلمين ووعاء علمي ووصيّي وبابي الذي أُؤتىٰ منه ، أخي في الدنيا والآخرة ومعي في المقام الأعلىٰ ، عليٌّ يقتل القاسطين والناكثين والمارقين».

ورواه الحمّوئي في الفرائد(١) في الباب السابع والعشرين والتاسع والعشرين بطرق ثلاث ، وفيه : «وعيبة علمي» مكان «وعاء علمي» ، والكنجي في الكفاية(٢) (ص ٦٩) ، والمتّقي في الكنز(٣) (٦ / ١٥٤) من طريق الحافظ العقيلي.

وأخرج شيخ الإسلام الحمّوئي في فرائده(٤) عن أبي أيّوب قال : أمرني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بقتال الناكثين والقاسطين ، من طريق الحاكم ، ومن طريقه الآخر عن غياث بن ثعلبة عن أبي أيّوب ، قال غياث : قاله أبوأيّوب في خلافة عمر بن الخطّاب.

وأخرج في الفرائد في الباب الثالث والخمسين(٥) عن أبي سعيد الخدري ، قال : أمرَنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين ، قلنا : يا رسول الله أمرتَنا بقتال هؤلاء فمع من ؟ قال : «مع عليّ بن أبي طالب».

وقال ابن عبدالبَرّ في الاستيعاب(٦) (٣ / ٥٣) هامش الإصابة :

ورُوي من حديث عليّ ، ومن حديث ابن مسعود ، ومن حديث أبي أيّوب الأنصاري : أنَّه أمر بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين.

فلعلّك باخِعٌ بما ظهرت عليه من الحقِّ الجليِّ ، غير أنَّك باحثٌ عن القول

___________________________________

(١) فرائد السمطين : ١ / ٣٣٢ ح ٢٥٧ باب ٦١ ، ص ١٥٠ ح ١١٣ باب ٣٠.

(٢) كفاية الطالب : ص ١٦٨ باب ٣٧.

(٣) كنز العمّال : ١١ / ٦٠٧ ح ٣٢٩٣٦.

(٤) فرائد السمطين : ١ / ٢٨٢ ح ٢٢٢ باب ٥٣.

(٥) المصدر السابق : ١ / ٢٨٠ ح ٢٢٠.

(٦) الاستيعاب : القسم الثالث / ١١١٧ رقم ١٨٥٥.

٦٠٧

الفصل في معاوية وعمرو بن العاص ، فعليك بما في طيّات كتب التاريخ من كلماتهما ، وسنوقفك علىٰ ما يبيِّن الرشد من الغيّ في ترجمة عمرو بن العاص ، وعند البحث عن معاوية في الجزء العاشر.

هذا مجمل القول في آراء ابن حزم وضلالاته وتحكّماته ، فأنت ـ كما يقول هو ـ لو لا الجهل والعمىٰ والتخليط بغير علم ، لوجدتَ الرأي العامّ في ضلاله قد صدر من أهله في محلّه ، وليس هناك مجال نسبة الحسد والحَنَق إلى من حكم بذلك من المالكيّين أو غيرهم ، ممّن عاصره أو تأخّر عنه ، وكتابه الفِصَل أقوىٰ دليل علىٰ حقِّ القول وصواب الرأي.

قال ابن خلّكان في تاريخه(١) (١ / ٣٧٠) : كان كثير الوقوع في العلماء المتقدِّمين لا يكاد أحد يسلم من لسانه ، قال ابن العريف : كان لسان ابن حزم وسيف الحجّاج شقيقين ، قاله لكثرة وقوعه في الأئمّة ، فنفرت منه القلوب ، واستهدف لفقهاء وقته ، فتمالؤوا علىٰ بغضه ، وردّوا قوله ، واجتمعوا علىٰ تضليله ، وشنّعوا عليه ، وحذّروا سلاطينهم من فتنته ، ونهوا عوامّهم من الدنوِّ إليه ، والأخذ عنه ، فأقصته الملوك ، وشرّدته عن بلاده ، حتى انتهىٰ إلىٰ بادية لبلة(٢) ، فتوفّي بها في آخر نهار الأحد لليلتين بقيتا من شعبان سنة ستّ وخمسين وأربعمائة.

(أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ)(٣)

___________________________________

(١) وفيات الأعيان : ٣ / ٣٢٧ رقم ٤٤٨.

(٢) فتح اللامين من بلاد الأندلس. (المؤلف)

(٣) الزّمر : ١٩.

٦٠٨

مفاد حديث الغدير

لعلّ إلى هنا لم يبق مسلك للشكِّ في صدور الحديث عن المصدر النبويِّ المقدّس. وأمّا دلالته علىٰ إمامة مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام فإنّا مهما شككنا في شيء ، فلا نشكُّ في أنَّ لفظة (المولىٰ) سواءٌ كانت نصّاً في المعنى الذي نحاوله بالوضع اللغويِّ أو مجملةً في مفادها لاشتراكها بين معانٍ جمّة ، وسواء كانت عريّة عن القرائن لإثبات ما ندّعيه من معنى الإمامة أو محتفّة بها ، فإنّها في المقام لا تدلّ إلّا علىٰ ذلك لِفَهْم من وعاه من الحضور في ذلك الُمحتَشد العظيم ، ومن بلغه النبأ بعد حين ممّن يحتجُّ بقوله في اللغة من غير نكير بينهم ، وتتابع هذا الفهم فيمن بعدهم من الشعراء ورجالات الأدب حتىٰ عصرنا الحاضر ، وذلك حجّة قاطعة في المعنى المراد :

وفي الطليعة من هؤلاء مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام حيث كتب إلىٰ معاوية في جواب كتاب له من أبيات ستسمعها ما نصّه :

وأوجبَ لي ولايتَهُ عليكُمْ

رسولُ اللهِ يومَ غديرِ خُمِ

ومنهم : حسّان بن ثابت الحاضر مشهد الغدير ، وقد استأذن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن ينظم الحديث في أبيات منها قوله :

فقال له : قمْ يا عليُّ فإنّني

رَضِيتُكَ من بعدي إماماً وهاديا

٦٠٩

ومن أولئك : الصحابيّ العظيم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري الذي يقول :

وعليٌّ إمامنا وإمامٌ

لسوانا أتىٰ به التنزيلُ

يوم قال النبيُّ : من كنت مولا

هُ فهذا مولاه خطبٌ جليلُ

ومن القوم : محمد بن عبدالله الحميري القائل :

تناسَوا نصبَه في يوم خُمٍّ

من الباري ومن خير الأنامِ

ومنهم : عمرو بن العاص الصحابيُّ القائل :

وكم قد سمعنا من المصطفىٰ

وصايا مُخصَّصةً في علي

وفي يوم خُمٍّ رقىٰ منبرا

وبلّغَ والصحْبُ لم ترحلِ

فأمنحه إمْرة المؤمنين

من الله مستخلف المنحلِ

وفي كفِّهِ كفُّهُ مُعلناً

يُنادي بأمر العزيز العَلِي

وقال فمن كنتُ مولىً له

عليٌّ له اليوم نِعْم الولي

ومن أولئك : كميت بن زيد الأسدي الشهيد (١٢٦) حيث يقول :

ويوم الدوحِ دوحِ غديرِ خُمٍ

أبانَ له الولايةَ لو أُطيعا

ولكنّ الرجالَ تبايعوها

فلم أرَ مثلَها خطراً مَبيعا

ومنهم : السيّد إسماعيل الحميري المتوفّىٰ (١٧٩) في شعره الكثير الآتي ، ومنه :

لذلك ما اختاره ربُّهُ

لخيرِ الأنامِ وصيّاً ظهيرا

فقام بخُمٍّ بحيثُ الغديرُ

وحطَّ الرحالَ وعافَ المسيرا

وقُمَّ له الدوحُ ثمّ ارتقىٰ

علىٰ منبرٍ كان رحْلاً وكورا

ونادىٰ ضحىً باجتماعِ الحجيجِ

فجاؤوا إليه صغيراً كبيرا

فقال وفي كفِّه حيدرٌ

يُليح إليه مُبيناً مشيرا

٦١٠

ألا إنَّ من أنا مولىً له

فمولاه هذا قضاً لن يجورا

فهل أنا بلّغتُ قالوا نعم

فقال اشهدوا غُيَّباً أو حضورا

يُبلِّغ حاضرُكم غائباً

وأُشهِدُ ربّي السميعَ البصيرا

فقوموا بأمرِ مليكِ السما

يبايعْه كلٌّ عليه أميرا

فقاموا لبيعته صافقين

أكفّاً فأوجس منهم نكيرا

فقال إلهيَ والِ الوليَّ

وعادِ العدوَّ له والكفورا

وكن خاذلاً للأُلىٰ يخذُلون

وكن للأُلىٰ ينصرون نصيرا

فكيف ترىٰ دعوةَ المصطفىٰ

مُجاباً بها أم هباءً نثيرا

أُحبّكَ يا ثانيَ المصطفىٰ

ومن أُشْهِدَ الناسُ فيه الغديرا

ومنهم : العبدي الكوفي من شعراء القرن الثاني في بائيّته الكبيرة بقوله :

وكان عنها لهمْ في خُمّ مُزدَجرٌ

لَمّا رقىٰ أحمدُ الهادي علىٰ قَتَبِ

وقال والناسُ من دانٍ إليه ومن

ثاوٍ لديه ومن مُصغٍ ومُرتقبِ

قم يا عليُّ فإنّي قد أُمِرتُ بأن

أُبلِّغَ الناسَ والتبليغُ أجدرُ بي

إنّي نصبتُ عليّاً هادياً علماً

بعدي وإنَّ عليّاً خيرُ مُنتصَبِ

فبايعوك وكلٌّ باسطٌ يَدَهُ

إليك من فوقِ قلبٍ عنك مُنقلبِ

ومنهم : شيخ العربيّة والأدب أبو تمام المتوفّىٰ (٢٣١) في رائيّته بقوله :

ويومَ الغديرِ استوضح الحقَّ أهلُهُ

بصحياءَ لا فيها حجاب ولا سترُ

أقام رسول الله يدعوهُمُ بها

ليقْرَبَهُمْ عُرفٌ وينآهُمُ نُكْرُ

يمدّ بضَبْعيهِ ويُعلِمُ أنَّه

وليٌّ ومولاكمْ فهل لَكُمُ خُبْرُ

يروحُ ويغدو بالبيان لِمَعْشَرٍ

يروحُ بهم غَمْرٌ ويغدو بهم غَمْرُ

فكان لهم جهرٌ بإثباتِ حقِّهِ

وكان لهم في بَزِّهمْ حقّه جهرُ

٦١١

وتبع هؤلاء جماعة من بواقع(١) العلم والعربيّة الذين لا يَعْدون مواقع اللغة ، ولا يجهلون وضع الألفاظ ، ولا يتحرّون إلّا الصحّة في تراكيبهم وشعرهم ، كدعبل الخزاعي ، والحِمّاني الكوفي ، والأمير أبي فراس ، وعلم الهدى المرتضىٰ ، والسيِّد الشريف الرضيّ ، والحسين بن الحجّاج ، وابن الروميِّ ، وكشاجم ، والصنوبري ، والمفجّع ، والصاحب بن عبّاد ، والناشئ الصغير ، والتنوخي ، والزاهي ، وأبي العلاء السروي ، والجوهري ، وابن علويّة ، وابن حمّاد ، وابن طباطبا ، وأبي الفرج ، ومهيار ، والصولي النيلي ، والفنجكردي ... إلىٰ غيرهم من أساطين الأدب وأعلام اللغة ، ولم يزل أثرهم مقتصّاً في القرون المتتابعة إلىٰ يومنا هذا ، وليس في وسع الباحث أن يحكم بخطأ هؤلاء جميعاً وهم مصادره في اللغة ، ومراجع الأمّة في الأدب.

وهنالك زرافات من الناس فهموا من اللفظ هذا المعنىٰ وإن لم يُعربوا عنه بقريض ، لكنّهم أبدوه في صريح كلماتهم ، أو أنَّه ظهر من لوائح خطابهم ، ومن أولئك الشيخان وقد أتيا أمير المؤمنين عليه‌السلام مهنِّئَين ومبايعَين وهما يقولان : أمسيت ياابن أبي طالب مولىٰ كلِّ مؤمن ومؤمنة(٢). فليت شعري أيّ معنىً من معاني (المولى) الممكن تطبيقه علىٰ مولانا لم يكن قبل ذلك اليوم ، حتىٰ تجدّد به ، فأتيا يهنِّئانه لأجله ، ويصارحانه بأنّه أصبح متلفِّعاً به يوم ذاك ؟ أهو معنى النصرة أو المحبّة اللتين لم يزل أمير المؤمنين عليه‌السلام متّصفاً بهما منذ رضع ثُدِيَّ الإيمان مع صنوه المصطفىٰ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ أم غيرهما ممّا لا يمكن أن يراد في خصوص المقام ؟ لاها الله لا ذلك ولا هذا ، وإنَّما أرادا معنىً فهمه كلّ الحضور من أنَّه أولىٰ بهما وبالمسلمين أجمع من أنفسهم ، وعلىٰ ذلك بايعاه وهنّآه.

ومن أولئك : الحارث بن النعمان الفهري ـ أو جابر ـ المنتقَم منه بعاجل العقوبة يوم جاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يقول : يا محمد أمرتنا بالشهادتين والصلاة والزكاة

___________________________________

(١) البواقع : جمع باقعة ، وهو الرجل الذكيّ العارف.

(٢) مرّ حديث التهنئة بأسانيده وتفاصيله (ص ٢٧٠ ـ ٢٨٣). (المؤلف)

٦١٢

والحجّ ثمّ لم ترضَ بهذا حتىٰ رفعتَ بضَبْعَي ابن عمّك ففضّلته علينا ، وقلت : من كنتُ مولاه فعليّ مولاه ... وقد سبق حديثه (ص ٢٣٩ ـ ٢٤٧) ، فهل المعنى الملازم للتفضيل الذي استعظمه هذا الكافر الحاسد ، وطَفِق يشكّ أنَّه من الله أم أنَّه مُحاباة من الرسول ، يمكن أن يراد به أحد ذينك المعنيين أو غيرهما ؟

أحسب أنَّ ضميرك الحرَّ لا يستبيح لك ذلك ، ويقول لك بكلِّ صراحة : إنَّه هو تلك الولاية المطلقة التي لم يؤمن بها طاحنة قريش في رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلّا بعد قهر من آيات باهرة ، وبراهين دامغة ، وحروب طاحنة ، حتىٰ جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً ، فكانت هي في أمير المؤمنين أثقل عليهم وأعظم ، وقد جاهر بما أضمره غيره الحارث بن النعمان ، فأخذه الله أخذ عزيز مقتدر.

ومن أولئك : النفرُ الذين وافوا أمير المؤمنين عليه‌السلام في رحبة الكوفة قائلين : السلام عليك يا مولانا. فاستوضح الإمام عليه‌السلام الحالة لإيقاف السامعين على المعنى الصحيح ، وقال : «كيف أكون مولاكم وأنتم رهطٌ من العرب ؟»

فأجابوه : إنَّا سمعنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول يوم غدير خُمِّ : «من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه»(١).

عرف القارئ الكريم أنَّ المولويّة المستعظمة عند العرب ـ الذين لم يكونوا يتنازلون بالخضوع لكلِّ أحد ـ ليست هي المحبّة والنصرة ولا شيئاً من معاني الكلمة ، وإنَّما هي الرئاسة الكبرى التي كانوا يستصعبون حمل نيرها إلّا بموجبٍ يُخضعهم لها ، وهي التي استوضحها أمير المؤمنين عليه‌السلام للملأ باستفهام ، فكان من جواب القوم : أنَّهم فهموها من نصِّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

وهذا المعنىٰ غير خافٍ حتىٰ على المخدّرات في الحجال ، فقد أسلفنا (ص ٢٠٨)

___________________________________

(١) راجع ما أسلفناه من أسانيد هذا الحديث ومتنه (ص ١٨٧ ـ ١٩١). (المؤلف)

٦١٣

عن الزمخشري في ربيع الأبرار عن دارميّة الحجونيّة التي سألها معاوية عن سبب حبّها لأمير المؤمنين عليه‌السلام وبغضها له ، فاحتجّت عليه بأشياء منها : أنَّ رسول الله عقد له الولاية بمشهد منه يوم غدير خمّ ، وأسندت بغضها له إلىٰ أنَّه قاتَل من هو أولىٰ بالأمر منه وطلب ما ليس له ، ولم يُنكره عليها معاوية.

وقبل هذه كلّها مناشدة أمير المؤمنين عليه‌السلام واحتجاجه به يوم الرحبة ، وقد أوقفناك علىٰ تفصيل أسانيده وطرقه الصحيحة المتواترة (ص ١٦٦ ـ ١٨٥) ، وكان ذلك لمّا نوزع في خلافته ، وبلغه اتّهام الناس له فيما كان يرويه من تفضيل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم له وتقديمه إيّاه علىٰ غيره ، كما مرّ (ص ١٨٣ ، ٣٠٠ ، ٣٠١ ، ٣٠٤ ، ٣٠٩) ، وقال برهان الدين الحلبي في سيرته(١) (٣ / ٣٠٣) : احتجَّ به بعد أن آلت إليه الخلافة ردّاً علىٰ من نازعه فيها.

أفترىٰ ـ والحالة هذه ـ معنىً معقولاً للمولىٰ غير ما نرتئيه ، وفهمه هو عليه‌السلام ومن شهد له من الصحابة ومن كتم الشهادة إخفاءً لفضله حتى رُمي بفاضح من البلاء ، ومن نازعه حتىٰ أُفحم بتلك الشهادة ؟ وإلّا فأيّ شاهد له في المنازعة بالخلافة في معنى الحبِّ والنصرة ، وهما يعمّان سائر المسلمين ؟ إلّا أن يكونا على الحدّ الذي سنصفه إن شاء الله ، وهو معنى الأولويّة المطلوبة.

والواقف علىٰ موارد الحِجاج بين أفراد الأمّة وفي مجتمعاتها ، وفي تضاعيف الكتب منذ ذلك العهد المتقادم إلىٰ عصورنا هذه جِدُّ عليم بأنّ القوم لم يفهموا من الحديث إلّا المعنى الذي يُحتجُّ به للإمامة المطلقة ، وهو الأولويّة من كلِّ أحد بنفسه وماله في دينه ودنياه ، الثابت ذلك لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وللخلفاء المنصوص عليهم من بعده ، نحيل الوقوف علىٰ ذلك علىٰ إحاطة الباحث وطول باع المتتبِّع فلا نطيل بإحصائها المقام.

___________________________________

(١) السيرة الحلبية : ٣ / ٢٧٥.

٦١٤

مفعل بمعنىٰ أفعل

أمّا أنَّ لفظ (مولىٰ) يراد به لغةً الأولىٰ ، أو أنَّه أحد معانيه ، فناهيك من البرهنة عليه ما تجده في كلمات المفسِّرين والمحدِّثين من تفسير قوله تعالىٰ في سورة الحديد : (فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) ، فمنهم من حصر التفسير بأنّها أولىٰ بكم ، ومنهم من جعله أحد المعاني في الآية ، فمن الفريق الأوّل :

١ ـ ابن عبّاس في تفسيره(١) ، من تفسير الفيروزآبادي (ص ٢٤٢).

٢ ـ الكلبي(٢) ، حكاه عنه الفخر الرازي في تفسيره(٣) (٨ / ٩٣).

٣ ـ الفرّاء يحيى بن زياد الكوفيّ ، النحويّ(٤) : المتوفّىٰ (٢٠٧).

حكاه عنه الفخر الرازيّ في تفسيره (٨ / ٩٣).

٤ ـ أبو عبيدة معمر بن المثنّى البصريّ : المتوفّىٰ (٢١٠).

ذكره عنه الرازي في تفسيره (٨ / ٩٣) ، وذكر استشهاده ببيت لبيد :

فغدت كلا الفرجين تحسبُ أنَّه

مولى المخافة خلفها وأمامها(٥)

وذكره عنه شيخنا المفيد في رسالته في معنى المولىٰ(٦) ، والشريف المرتضىٰ في

___________________________________

(١) تفسير ابن عبّاس : ص ٤٥٨.

(٢) محمد بن سائب المفسِّر النسّابة : المتوفّىٰ (١٤٦) بالكوفة [ذكره في تفسيره التسهيل لعلوم التنزيل : ٤ / ٩٧]. (المؤلف)

(٣) التفسير الكبير : ٢٩ / ٢٢٧.

(٤) معاني القرآن : ٣ / ١٣٤.

(٥) الفرج : ما بين قوائم الدواب ، والمراد أنَّها تحسب أن كلّ فرج من فرجيها هو الأولىٰ بالمخافة منه.

(٦) رسالة في معنى المولىٰ ، المطبوع ضمن مصنّفات الشيخ المفيد : ٨ / ٣٧.

٦١٥

الشافي(١) من كتابه غريب القرآن وذكر استشهاده ببيت لبيد ، واحتج الشريف الجرجاني في شرح المواقف(٢) (٣ / ٢٧١) بنقل ذلك عنه ردّاً على الماتن.

٥ ـ الأخفش الأوسط أبو الحسن سعيد بن مسعدة النحويّ : المتوفّىٰ (٢١٥).

نقله عنه الفخر الرازي في نهاية العقول ، وذكر استشهاده ببيت لبيد.

٦ ـ أبو زيد سعيد بن أوس اللغويّ ، البصريّ : المتوفّىٰ (٢١٥).

حكاه عنه صاحب الجواهر العبقريّة.

٧ ـ البخاري أبو عبدالله محمد بن إسماعيل : المتوفّىٰ (٢١٥).

قاله في صحيحه(٣) (٧ / ٢٤٠).

٨ ـ ابن قتيبة : المتوفّىٰ (٢٧٦) ، المترجم (ص ٩٦).

قاله في القرطين (٢ / ١٦٤) ، واستشهد ببيت لبيد.

٩ ـ أبو العبّاس ثعلب أحمد بن يحيى النحويّ ، الشيبانيّ : المتوفّىٰ (٢٩١).

قال القاضي الزَّوْزَني حسين بن أحمد المتوفّىٰ (٤٨٦) في شرح السبع المعلّقة(٤) في بيت لبيد المذكور : قال ثعلب : إنَّ المولىٰ في هذا البيت بمعنى الأَولىٰ بالشيء كقوله (مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ) أي هي أولىٰ بكم.

١٠ ـ أبو جعفر الطبري : المتوفّىٰ (٣١٠).

ذكره في تفسيره(٥) (٩ / ١١٧).

___________________________________

(١) الشافي في الإمامة : ٢ / ٢٦٩.

(٢) شرح المواقف : ٨ / ٣٦١.

(٣) صحيح البخاري : ٤ / ١٨١٥.

(٤) شرح المعلّقات السبع : ص ١٠٦.

(٥) جامع البيان : مج ١٣ / ج ٢٧ / ٢٢٨.

٦١٦

١١ ـ أبو بكر الأنباري محمد بن القاسم اللغويّ ، النحويّ : المتوفّىٰ (٣٢٨).

قاله في تفسيره ـ مشكل القرآن ـ نقله عنه الشريف المرتضىٰ في الشافي(١) ، وذكر استشهاده ببيت لبيد ، وابن البطريق في العمدة(٢) (ص ٥٥).

١٢ ـ أبو الحسن الرمّاني عليّ بن عيسى المشهور بالورّاق ، النحويّ : المتوفّىٰ (٣٨٢ ، ٣٨٤).

ذكره عنه الفخر الرازي في نهاية العقول.

١٣ ـ أبو الحسن الواحدي : المتوفّىٰ (٤٦٨) ، المترجم (ص ١١١).

ففي الوسيط(٣) : (مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ) هي أولىٰ بكم لما أسلفتم من الذنوب ، والمعنىٰ : أنَّها هي التي تلي عليكم ؛ لأنّها قد ملكت أمركم ، فهي أولىٰ بكم من كلِّ شيء.

١٤ ـ أبو الفرج ابن الجوزي : المتوفّىٰ (٥٩٧) ، المترجم (ص ١١٧).

نقله في تفسيره زاد المسير(٤) عن أبي عبيدة مرتضياً له.

١٥ ـ أبو سالم محمد بن طلحة الشافعيّ : المتوفّىٰ (٦٥٢).

قاله في مطالب السؤول (ص ١٦).

١٦ ـ شمس الدين سبط ابن الجوزيّ ، الحنفيّ : المتوفّىٰ (٦٥٤).

قاله في التذكرة(٥) (ص ١٩).

___________________________________

(١) الشافي في الإمامة : ٢ / ٢٧٢.

(٢) العمدة : ص ١١٣.

(٣) تفسير الوسيط : ٤ / ٢٤٩.

(٤) زاد المسير : ٨ / ١٦٧.

(٥) تذكرة الخواص : ص ٣٢.

٦١٧

١٧ ـ محمد بن أبي بكر الرازيّ صاحب مختار الصحاح.

قال في غريب القرآن ـ فرغ منه (٦٦٨) ـ : المولىٰ : الذي هو أولىٰ بالشيء ، ومنه قوله : (مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ) ؛ أي هي أولىٰ بكم ، والمولىٰ في اللغة علىٰ ثمانية أوجه ـ وعدّ منها ـ الأَولىٰ بالشيء.

١٨ ـ التفتازانيّ : المتوفّىٰ (٧٩١).

ذكره في شرح المقاصد(١) (ص ٢٨٨) نقلاً عن أبي عبيدة.

١٩ ـ ابن الصبّاغ المالكيّ : المتوفّىٰ (٨٥٥) ، المترجم (ص ١٣١).

عدّ في الفصول المهمّة(٢) (ص ٢٨) الأَولىٰ بالشيء من معاني المولىٰ المستعملة في الكتاب العزيز.

٢٠ ـ جلال الدين محمد بن أحمد المحلّي ، الشافعيّ : المتوفّىٰ (٨٥٤).

في تفسير الجلالين(٣).

٢١ ـ جلال الدين أحمد الخجندي ، ففي توضيح الدلائل علىٰ ترجيح الفضائل عنه أنَّه قال : المولىٰ يطلق علىٰ معانٍ ، ومنها : الأَولىٰ في قوله تعالىٰ : (هِيَ مَوْلَاكُمْ) ؛ أي أَولىٰ بكم.

٢٢ ـ علاء الدين القوشجي : المتوفّىٰ (٨٧٩).

ذكره في شرح التجريد(٤).

٢٣ ـ شهاب الدين أحمد بن محمد الخفاجيّ ، الحنفيّ : المتوفّىٰ (١٠٦٩).

___________________________________

(١) شرح المقاصد : ٥ / ٢٧٣.

(٢) الفصول المهمّة : ص ٤٢.

(٣) تفسير الجلالين : ص ٧٢١.

(٤) شرح التجريد : ص ٤٧٧.

٦١٨

قاله في حاشية تفسير البيضاوي مستشهداً ببيت لبيد.

٢٤ ـ السيّد الأمير محمد الصنعاني : قاله في الروضة النديّة(١) نقلاً عن الفقيه حميد المحلّي.

٢٥ ـ السيّد عثمان الحنفيّ ، المكيّ : المتوفّىٰ (١٢٦٨).

قاله في تاج التفاسير(٢) (٢ / ١٩٦).

٢٦ ـ الشيخ حسن العدوي ، الحمزاويّ ، المالكيّ : المتوفّىٰ (١٣٠٣).

قال في النور الساري. هامش صحيح البخاري (٧ / ٢٤٠) : (هِيَ مَوْلَاكُمْ) : أَولىٰ بكم من كلِّ منزل علىٰ كفركم وارتيابكم.

٢٧ ـ السيّد محمد مؤمن الشبلنجيّ : ذكره في نور الأبصار(٣) (ص ٧٨).

ومن الفريق الثاني :

٢٨ ـ أبو إسحاق أحمد الثعلبي : المتوفّىٰ (٤٢٧).

قال في الكشف والبيان : (مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ) ؛ أي صاحبتكم وأولىٰ وأحقُّ بأن تكون مسكناً لكم. ثمّ استشهد ببيت لبيد المذكور.

٢٩ ـ أبو الحجّاج يوسف بن سليمان الشنتمري : المتوفّىٰ (٤٧٦).

قاله في تحصيل عين الذهب ـ تعليق كتاب سيبويه ـ (١ / ٢٠٢) في قول لبيد واستشهد بالآية الكريمة.

٣٠ ـ الفرّاء حسين بن مسعود البغوي : المتوفّىٰ (٥١٠).

___________________________________

(١) الروضة النديّه شرح التحفة العلويّة : ص ١٥٨.

(٢) تاج التفاسير : ٢ / ١٨٢.

(٣) نور الأبصار : ص ١٦٠.

٦١٩

قاله في معالم التنزيل(١).

٣١ ـ الزمخشري : المتوفّىٰ (٥٣٨).

ذكره في الكشّاف(٢) (٢ / ٤٣٥) ، واستشهد ببيت لبيد ، ثمّ قال : يجوز أن يراد هي ناصركم ... إلخ.

٣٢ ـ أبو البقاء محبّ الدين العكبريّ ، البغداديّ : المتوفّىٰ (٦١٦).

قاله في تفسيره(٣) (ص ١٣٥).

٣٣ ـ القاضي ناصر الدين البيضاويّ : المتوفّىٰ (٦٩٢).

ذكره في تفسيره(٤) (٢ / ٤٩٧) واستشهد ببيت لبيد.

٣٤ ـ حافظ الدين النسفي : المتوفّىٰ (٧٠١ ، ٧١٠).

ذكره في تفسيره(٥) هامش تفسير الخازن (٤ / ٢٢٩).

٣٥ ـ علاء الدين عليّ بن محمد الخازن ، البغداديّ : المتوفّىٰ (٧٤١).

قاله في تفسيره (٤ / ٢٢٩).

٣٦ ـ ابن سمين أحمد بن يوسف الحلبي : المتوفّىٰ (٨٥٦).

قال في تفسيره المصون في علم الكتاب المكنون : (هِيَ مَوْلَاكُمْ) يجوز أن يكون مصدراً ؛ أي ولايتكم ؛ أي ذات ولايتكم ، وأن يكون مكاناً أي مكان ولايتكم ، وأن يكون أولىٰ بكم ، كقولك : هو مولاه.

___________________________________

(١) معالم التنزيل : ٤ / ٢٩٧.

(٢) الكشّاف : ٤ / ٤٧٦.

(٣) إملاء ما منّ به الرحمٰن : ٢ / ٢٥٦.

(٤) تفسير البيضاوي : ٢ / ٤٦٩.

(٥) تفسير النسفي : ٤ / ٢٢٦.

٦٢٠