الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ٨

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ٨

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي
المطبعة: محمّد
الطبعة: ٥
الصفحات: ٥٤٠
  نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

٥
٦

في هذا الجزء أبحاث قيّمة ودروس دينيّة راقية لا منتدح لأيّ دينيّ ارتاد مهيع الحق ،

وابتغى لاحب الحقيقة عن عرفانها والخوض فيها ، والبحث عنها بضميرٍ حُرّ

غير جانِحٍ إلى العصبيّة العمياء والعاطفة الحمقاء ..

والله وليّ التوفيق

٧

أدب أمير المؤمنين عليه‌السلام

أدب الشيعة ، أدب الأميني

قال مولانا أمير المؤمنين لحجر بن عدي وعمرو بن الحَمِق :

«كرهت لكم أن تكونوا لعّانين شتّامين ، تشتمون وتبرءون ، ولكن لو وصفتم مساوئ أعمالهم فقلتم من سيرتهم كذا وكذا ، ومن أعمالهم كذا وكذا ، كان أصوب في القول ، وأبلغ في العذر ، ولو قلتم مكان لعنكم إيّاهم وبراءتكم منهم : اللهمّ احقن دماءهم ودماءنا ، واصلح ذات بينهم وبيننا ، واهدهم من ضلالتهم ، حتى يَعرف الحقّ منهم من جهله ، ويرعوي عن الغيّ والعدوان منهم من لهج به ، لكان أحبّ إليّ وخيراً لكم».

فقالا : يا أمير المؤمنين نقبل عظتك ، ونتأدّب بأدبك (١).

وقال الأميني مثل ما قالا ، وهو مقال الشيعة جمعاء.

والسلام على من اتّبع الهدى

__________________

(١) كتاب صفّين لنصر بن مزاحم ص ١١٥ [ص ١٠٣]. (المؤلف)

٨

بسم الله الرحمن الرحيم

سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لي أَنْ أقُولَ مَا لَيسَ لِي بِحَقٍّ ، الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الكِتَابَ يَتلُونَهُ حَقَّ تِلَاوتِهِ أُولئِكَ يُؤمِنوُنَ بِهِ ، وَإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَيعلَموُنَ أَنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ، الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الكِتَابَ يَعرِفُونَهُ كَمَا يَعرِفُونَ أَبنَاءَهُمْ ، مَا فرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيءٍ ، وَإنَّ فَرِيقَاً مِنْهُمْ لَيكتُمُونَ الحَقَّ وَهُمْ يَعلَموُن ، إذ يَقُولُ المُنافِقُونَ وَالَّذينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤلَاءِ دِينُهُمْ ، كَبُرَتْ كلِمَةً تَخرُجُ مِنْ أَفوَاهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلاّ كَذِباً ، فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأرضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقوُنَ ، قُلْ إيْ وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ ، وَإِنّا لَمّا سَمِعْنَا الهُدَى آمَنّا بِهِ ، مَا كَانَ حَدِيثَاً يُفتَرَى وَلَكِن تَصدِيقَ الَّذِي بَينَ يَدَيهِ ، فَهدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذنِهِ ، فَمَاذا بَعدَ الحَقِّ إلاَّ الضَّلالُ ، وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ فَمَن شاءَ فَليُؤمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَليَكْفُرْ.

قُلِ الحَمدُ للهِ وَسلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِين اصطَفى.

٩
١٠

أبو طالب في الذكر الحكيم

لقد أغرق القوم نزعاً في الوقيعة والتحامل على بطل الإسلام والمسلم الأوّل بعد ولده البارّ ، وناصر دين الله الوحيد ، فلم يقنعهم ما اختلقوه من الأقاصيص حتى عمدوا إلى كتاب الله فحرّفوا الكلم عن مواضعه ، فافتعلوا في آيات ثلاث أقاويل نأت عن الصدق ، وبعدت عن الحقيقة بُعد المشرقين ، وهي عمدة ما استند إليه القوم في عدم تسليم إيمان أبي طالب ، فإليك البيان :

الآية الأولى :

قوله تعالى : (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ) (١).

أخرج الطبري وغيره من طريق سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عمّن سمع ابن عبّاس أنّه قال : إنّها نزلت في أبي طالب ، ينهى عن أذى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يؤذى ، وينأى أن يدخل في الإسلام (٢).

وقال القرطبي : هو عامّ في جميع الكفّار ، أي ينهون عن اتّباع محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وينأون عنه ، عن ابن عبّاس والحسن. وقيل : هو خاصّ بأبي طالب ينهى الكفّار عن أذاية محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويتباعد عن الإيمان به ، عن ابن عبّاس أيضاً. روى أهل السير قال : كان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد خرج إلى الكعبة يوماً وأراد أن يصلّي ، فلمّا دخل في الصلاة

__________________

(١) الأنعام : ٢٦.

(٢) طبقات ابن سعد : ١ / ١٠٥ [١ / ١٢٣] ، تفسير الطبري : ٧ / ١١٠ [مج ٥ / ج ٧ / ١٧٣] ، تفسير ابن كثير : ٢ / ١٢٧ ، الكشّاف : ١ / ٤٤٨ [٢ / ١٤] ، تفسير ابن جزي : ٢ / ٦ ، تفسير الخازن : ٢ / ١٠. (المؤلف)

١١

قال أبو جهل ـ لعنه الله ـ : من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته؟ فقام ابن الزبعرى فأخذ فرثاً ودماً فلطّخ به وجه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فانفتل النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من صلاته ، ثمّ أتى أبا طالب عمّه فقال : «يا عمّ ألا ترى إلى ما فُعل بي؟» فقال أبو طالب : من فَعل هذا بك؟ فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «عبد الله بن الزبعرى» ، فقام أبو طالب ووضع سيفه على عاتقه ومشى معه حتى أتى القوم ، فلمّا رأوا أبا طالب قد أقبل جعل القوم ينهضون ، فقال أبو طالب : والله لئن قام رجل لجلّلته بسيفي. فقعدوا حتى دنا إليهم ، فقال : يا بنيّ من الفاعل بك هذا؟ فقال : «عبد الله بن الزبعرى». فأخذ أبو طالب فرثاً ودماً فلطّخ به وجوههم ولحاهم وثيابهم وأساء لهم القول ، فنزلت هذه الآية : (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ). فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا عم نزلت فيك آية. قال : وما هي؟ قال تمنع قريشاً أن تؤذيني ، وتأبى أن تؤمن بي. فقال أبو طالب :

والله لن يصلوا إليك بجمعهم

حتى أُوسَّد في التراب دفينا

إلى آخر الأبيات التي أسلفناها (٧ / ٣٣٤ ، ٣٥٢). فقالوا : يا رسول الله هل تنفع نصرة أبي طالب (١)؟ قال : نعم دفع عنه بذاك الغلّ ، ولم يقرن مع الشياطين ، ولم يدخل في جبّ الحيّات والعقارب ، إنّما عذابه في نعلين من نار [في رجليه] (٢) يغلي منهما دماغه في رأسه ، وذلك أهون أهل النار عذاباً (٣).

قال الأميني : نزول هذه الآية في أبي طالب باطل لا يصحّ من شتّى النواحي :

١ ـ إرسال حديثه بمن بين حبيب بن أبي ثابت وابن عبّاس ، وكم وكم غير ثقة في أُناس رووا عن ابن عبّاس ، ولعلّ هذا المجهول أحدهم.

٢ ـ إنّ حبيب بن أبي ثابت انفرد به ولم يروه أحد غيره ولا يمكن المتابعة

__________________

(١) في المصدر : هل تنفع أبا طالب نصرته؟

(٢) الزيادة من المصدر.

(٣) تفسير القرطبي : ٦ / ٤٠٦ [٦ / ٢٦١]. (المؤلف)

١٢

على ما يرويه ، ولو فرضناه ثقة في نفسه بعد قول ابن حبّان (١) : إنّه كان مدلّساً. وقول العقيلي (٢) : غمزه ابن عون وله عن عطاء أحاديث لا يتابع عليها. وقول القطّان : له غير حديث عن عطاء لا يتابع عليه وليست بمحفوظة. وقول الآجري عن أبي داود : ليس لحبيب عن عاصم بن ضمرة شيء يصحّ ، وقول ابن خزيمة : كان مدلّساً (٣).

ونحن لا نناقش في السند بمكان سفيان الثوري ، ولا نؤاخذه بقول من قال : إنّه يدلّس ويكتب عن الكذّابين (٤).

٣ ـ إنّ الثابت عن ابن عبّاس بعدّة طرق مسندة يضادّ هذه المزعمة ، ففيما رواه الطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق عليّ بن أبي طلحة وطريق العوفي عنه أنّها في المشركين الذين كانوا ينهون الناس عن محمد أن يؤمنوا به ، وينأون عنه يتباعدون عنه (٥).

وقد تأكّد ذلك ما أخرجه الطبري وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وعبد بن حميد من طريق وكيع عن سالم عن ابن الحنفية ، ومن طريق الحسين بن الفرج عن أبي معاذ ، ومن طريق بشر عن قتادة.

وأخرج عبد الرزّاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة والسدي والضحّاك ، ومن طريق أبي نجيح عن مجاهد ، ومن طريق يونس عن ابن زيد قالوا : ينهون عن القرآن وعن النبيّ ، وينأون عنه يتباعدون عنه (٦).

__________________

(١) الثقات : ٤ / ١٣٧.

(٢) الضعفاء الكبير : ١ / ٢٦٣ رقم ٣٢٢.

(٣) تهذيب التهذيب : ٢ / ١٧٩ [٢ / ١٥٦]. (المؤلف)

(٤) ميزان الاعتدال : ١ / ٣٩٦ [٢ / ١٦٩ رقم ٣٣٢٢]. (المؤلف)

(٥) تفسير الطبري : ٧ / ١٠٩ [مج ٥ / ج ٧ / ١٧٢] ، الدرّ المنثور : ٣ / ٨ [٣ / ٢٦٠ ـ ٢٦١]. (المؤلف)

(٦) تفسير الطبري : ٧ / ١٠٩ [مج ٥ / ج ٧ / ١٧٢] ، الدرّ المنثور : ٣ / ٨ ، ٩ [٣ / ٢٦٠ ، ٢٦١] ، تفسير الآلوسي : ٧ / ١٢٦. (المؤلف)

١٣

وليس في هذه الروايات أيّ ذكر لأبي طالب ، وإنّما المراد فيها الكفار الذين كانوا ينهون عن اتّباع رسول الله أو القرآن ، وينأون عنه بالتباعد والمناكرة ، وأنت جدّ عليم بأنّ ذلك كلّه خلاف ما ثبت من سيرة شيخ الأبطح الذي آواه ونصره وذبّ عنه ودعا إليه إلى آخر نفس لفظه.

٤ ـ إنّ المستفاد من سياق الآية الكريمة أنّه تعالى يريد ذمّ أُناس أحياء ينهون عن اتّباع نبيّه ويتباعدون عنه ، وإنّ ذلك سيرتهم السيّئة التي كاشفوا بها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهم متلبّسون بها عند نزول الآية ، كما هو صريح ما أسلفناه من رواية القرطبي وأنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخبر أبا طالب بنزول الآية.

لكن نظراً إلى ما يأتي عن الصحيحين فيما زعموه من أنّ قوله تعالى في سورة القصص : (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ). نزلت في أبي طالب بعد وفاته. لا يتمّ نزول آية ينهون عنه وينأون النازلة في أُناس أحياء في أبي طالب ، فإنّ سورة الأنعام التي فيها الآية المبحوث عنها نزلت جملة واحدة (١) بعد سورة القصص بخمس سور كما في الإتقان (٢) (١ / ١٧) فكيف يمكن تطبيقها على أبي طالب وهو رهن أطباق الثرى ، وقد توفّي قبل نزول الآية ببرهة طويلة؟

٥ ـ إنّ سياق الآيات الكريمة هكذا : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ* وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ

__________________

(١) أخرجه أبو عبيد وابن المنذر والطبراني [في المعجم الكبير : ١٢ / ١٦٦ ح ١٢٩٣٠] وابن مردويه والنحّاس من طريق ابن عبّاس والطبراني وابن مردويه من طريق عبد الله بن عمر ، راجع تفسير القرطبي : ٦ / ٣٨٢ ، ٣٨٣ [٦ / ٢٤٦] ، تفسير ابن كثير : ٢ / ١٢٢ ، الدرّ المنثور : ٣ / ٢ [٣ / ٢٤٥] ، تفسير الشوكاني : ٣ / ٩١ ، ٩٢ [٢ / ٩٦ ، ٩٧]. (المؤلف)

(٢) الإتقان في علوم القرآن : ١ / ٢٤ ، ٢٧.

١٤

وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ) (١).

وهو كما ترى صريح بأنّ المراد بالآيات كفّار جاءوا النبيّ فجادلوه وقذفوا كتابه المبين بأنّه من أساطير الأوّلين ، وهؤلاء الذين نهوا عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعن كتابه الكريم ، ونأوا وباعدوا عنه ، فأين هذه كلّها عن أبي طالب ، الذي لم يفعل كلّ ذلك طيلة حياته ، وكان إذا جاءه فلكلاءته والذبّ عنه بمثل قوله :

والله لن يصلوا إليك بجمعهم

حتى أوسَّد في التراب دفينا

وإن لهج بذكره نوّه برسالته عنه بمثل قوله :

ألم تعلموا أنّا وجدنا محمداً

رسولاً كموسى خطّ في أوّل الكتب

وإن قال عن كتابه هتف بقوله :

أو يؤمنوا بكتاب منزل عجب

على نبيٍّ كموسى أو كذي النونِ

وقد عرف ذلك المفسّرون فلم يقيموا للقول بنزولها في أبي طالب وزناً ، فمنهم من عزاه إلى القيل ، وجعل آخرون خلافه أظهر ، ورأى غير واحد خلافه أشبه ، وإليك جملة من نصوصهم :

قال الطبري في تفسيره (٢) (٧ / ١٠٩) : المراد المشركون المكذّبون بآيات الله ينهون الناس عن اتّباع محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والقبول منه وينأون عنه ويتباعدون عنه. ثمّ رواه من الطرق التي أسلفناها عن ابن الحنفية وابن عباس والسدي وقتادة وأبي معاذ ، ثمّ ذكر قولاً آخر بأنّ المراد ينهون عن القرآن أن يسمع له ويعمل بما فيه ، وعدّ ممّن قال به قتادة ومجاهد وابن زيد ، ومرجع هذا إلى القول الأوّل ، ثمّ ذكر القول بنزولها في

__________________

(١) الأنعام : ٢٥ ، ٢٦.

(٢) جامع البيان : مج ٥ / ج ٧ / ١٧١ ـ ١٧٤.

١٥

أبي طالب وروى حديث حبيب بن أبي ثابت عمّن سمع ابن عبّاس وأردفه بقوله في (ص ١١٠):

وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال : تأويل وهم ينهون عنه عن اتّباع محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من سواهم من الناس وينأون عن اتّباعه ، وذلك أنّ الآيات قبلها جرت بذكر جماعة المشركين العادين به والخبر عن تكذيبهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والإعراض عمّا جاءهم به من تنزيل الله ووحيه ، فالواجب أن يكون قوله (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ) خبراً عنهم ، إذ لم يأتنا ما يدلّ على انصراف الخبر عنهم إلى غيرهم ، بل ما قبل هذه الآية وما بعدها يدلّ على صحّة ما قلنا من أنّ ذلك خبر عن جماعة مشركي قوم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دون أن يكون خبراً عن خاصّ منهم ، وإذ كان ذلك كذلك فتأويل الآية : وإن يرَ هؤلاء المشركون يا محمد كلّ آية لا يؤمنوا [بها] (١) حتى إذا جاءوك يجادلونك يقولون إن هذا الذي جئتنا به إلاّ أحاديث الأوّلين وأخبارهم ، وهم ينهون عن استماع التنزيل وينأون عنك ، فيبعدون منك ومن اتّباعك ، وإن يهلكون إلاّ أنفسهم. انتهى.

وذكر الرازي في تفسيره (٢) (٤ / ٢٨) قولين : نزولها في المشركين الذين كانوا ينهون الناس عن اتّباع النبيّ والإقرار برسالته. ونزولها في أبي طالب خاصّة ، فقال : والقول الأوّل أشبه لوجهين :

الأوّل : أنّ جميع الآيات المتقدّمة على هذه الآية تقتضي ذمّ طريقتهم فكذلك قوله : (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ). ينبغي أن يكون محمولاً على أمر مذموم ، فلو حملناه على أنّ أبا طالب كان ينهى عن إيذائه لما حصل هذا النظم.

والثاني : أنّه تعالى قال بعد ذلك (وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ) يعني به ما تقدّم

__________________

(١) من المصدر.

(٢) التفسير الكبير : ١٢ / ١٨٩.

١٦

ذكره ، ولا يليق ذلك بأن يكون المراد من قوله وهم ينهون عنه النبي عن أذيّته ، لأنّ ذلك حسن لا يوجب الهلاك.

فإن قيل : إنّ قوله : (وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ) يرجع إلى قوله : (وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ) لا إلى قوله (يَنْهَوْنَ عَنْهُ). لأنّ المراد بذلك أنّهم يبعدون عنه بمفارقة دينه وترك الموافقة له وذلك ذمّ فلا يصحّ ما رجحتم به هذا القول قلنا : إنّ ظاهر قوله : (وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ) يرجع إلى كلّ ما تقدّم ذكره لأنّه بمنزلة أن يقال : إنّ فلاناً يبعد عن الشيء الفلاني وينفر عنه ولا يضرّ بذلك إلاّ نفسه ، فلا يكون هذا الضرر متعلّقاً بأحد الأمرين دون الآخر. انتهى.

وذكر ابن كثير في تفسيره (٢ / ١٢٧) القول الأوّل نقلاً عن ابن الحنفيّة وقتادة ومجاهد والضحّاك وغير واحد ، فقال : وهذا القول أظهر والله أعلم ، وهو اختيار ابن جرير.

وذكر النسفي في تفسيره (١) بهامش تفسير الخازن (٢ / ١٠) القول الأوّل ثمّ قال : وقيل : عني به أبو طالب : والأوّل أشبه.

وذكر الزمخشري في الكشّاف (٢) (١ / ٤٤٨) والشوكاني في تفسيره (٣) (٢ / ١٠٣) وغيرهما القول الأوّل وعزوا القول الثاني إلى القيل ، وجاء الآلوسي (٤) وفصّل في القول الأوّل ثمّ ذكر الثاني وأردفه بقوله : وردّه الإمام. ثمّ ذكر محصّل قول الرازي.

وليت القرطبي لمّا جاءنا يخبط في عشواء وبين شفتيه رواية التقطها كحاطب ليل دلّنا على مصدر هذا الذي نسجه ، ممّن أخذه؟ وإلى من ينتهي إسناده؟ ومن ذا

__________________

(١) تفسير النسفي : ٢ / ٨.

(٢) الكشّاف : ٢ / ١٤.

(٣) فتح القدير : ٢ / ١٠٨.

(٤) روح المعاني : ٧ / ١٢٦ ـ ١٢٧.

١٧

الذي صافقه على روايتها من الحفّاظ؟ وأيّ مؤلّف دوّنه قبله ، ومن الذي يقول : إنّ ما ذكره من الشعر قاله أبو طالب يوم ابن الزبعرى؟ ومن الذي يروي نزول الآية يوم ذلك؟ وأيّ ربط وتناسب بين الآية وإخطارها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على أبي طالب وبين شعره ذاك؟ وهل روى قوله في هذا النسيج : يا عم نزلت فيك آية. غيره من أئمّة الحديث ممّن هو قبله أو بعده؟ وهل وجد القرطبي للجزء الأخير من روايته مصدراً غير تفسيره؟ وهل أطلّ على جبّ الحيّات والعقارب فوجده خالياً من أبي طالب؟ وهل شدّ الأغلال وفكّها هو ليعرف أنّ شيخ الأبطح لا يغلّ بها؟ أم أنّ مدركه في ذلك الحديث النبويّ؟ حبّذا لو صدقت الأحلام ، وعلى كلّ فهو محجوج بكلّ ما ذكرناه من الوجوه.

الآية الثانية والثالثة :

١ ـ قوله تعالى : (ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ) (١).

٢ ـ قوله تعالى : (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (٢).

أخرج البخاري في الصحيح في كتاب التفسير في القصص (٣) (٧ / ١٨٤) ، قال : حدّثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب عن الزهري قال : أخبرني سعيد بن المسيب عن أبيه قال : لمّا حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أُميّة بن المغيرة فقال : أي عم قل : لا اله إلاّ الله ، كلمة أحاجّ لك بها عند الله. فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أُميّة : أترغب عن ملّة عبد المطّلب؟ فلم يزل

__________________

(١) البراءة : ١١٣.

(٢) القصص : ٥٦.

(٣) صحيح البخاري : ٤ / ١٧٨٨ ح ٤٤٩٤.

١٨

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعرضها عليه ويعيدانه بتلك المقالة ، حتى قال أبو طالب آخر ما تكلّم (١) على ملّة عبد المطّلب وأبى أن يقول : لا إله إلاّ الله. فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : والله لأستغفرنّ لك ما لم أُنه عنك. فأنزل الله : (ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ). وأنزل الله في أبي طالب فقال لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ).

وفي مرسلة الطبري (٢) : فنزلت : (ما كانَ لِلنَّبِيِ) الآية. ونزلت : (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ).

وأخرجه مسلم في صحيحه (٣) من طريق سعيد بن المسيّب ، وتبع الشيخين جلّ المفسّرين لحسن ظنّهم بهما وبالصحيحين.

مواقع النظر في هذه الرواية :

١ ـ إنّ سعيداً الذي انفرد بنقل هذه الرواية كان ممّن ينصب العداء لأمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام فلا يحتجّ بما يقوله أو يتقوّله فيه وفي أبيه وفي آله وذويه ، فإنّ الوقيعة فيهم أشهى مأكلة له ، قال ابن أبي الحديد في الشرح (٤) (١ / ٣٧٠) : وكان سعيد بن المسيّب منحرفاً عنه عليه‌السلام ، وجبهه عمر بن عليّ عليه‌السلام في وجهه بكلام شديد ، روى عبد الرحمن بن الأسود عن أبي داود الهمداني قال : شهدت سعيد بن المسيّب وأقبل عمر بن عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام فقال له سعيد : يا ابن أخي ما أراك تكثر غشيان مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كما يفعل أخوتك وبنو أعمامك؟ فقال عمر : يا ابن المسيّب أكلّما دخلت المسجد أجيء ، فأشهدك؟ فقال سعيد : ما أحبّ أن تغضب

__________________

(١) في المصدر : آخر ما كلّمهم.

(٢) جامع البيان : مج ٧ / ج ١١ / ٤١.

(٣) صحيح مسلم : ١ / ٨٢ ح ٣٩ كتاب الإيمان.

(٤) شرح نهج البلاغة : ٤ / ١٠١ الأصل ٥٦.

١٩

سمعت أباك يقول : إنّ لي من الله مقاماً لهو خير لبني عبد المطّلب ممّا على الأرض من شيء. فقال عمر : وأنا سمعت أبي يقول : ما كلمة حكمة في قلب منافق فيخرج من الدنيا إلاّ يتكلّم بها. فقال سعيد : يا ابن أخي جعلتني منافقاً؟ قال : هو ما أقول لك. ثمّ انصرف.

وأخرج الواقدي من أنّ سعيد بن المسيّب مرّ بجنازة السجّاد عليّ بن الحسين ابن عليّ بن أبي طالب عليهم‌السلام ولم يصلّ عليها ، فقيل له : ألا تصلي على هذا الرجل الصالح من أهل البيت الصالحين؟فقال : صلاة ركعتين أحب إليّ من الصلاة على الرجل الصالح!

ويعرّفك سعيد بن المسيّب ومبلغه من الحيطة في دين الله ما ذكره ابن حزم في المحلّى (٤ / ٢١٤) عن قتادة قال : قلت لسعيد : أنصلّي خلف الحجّاج؟ قال : إنّا لنصلّي خلف من هو شرّ منه.

٢ ـ إنّ ظاهر رواية البخاري كغيرها تعاقب نزول الآيتين عند وفاة أبي طالب عليه‌السلام ، كما أنّ صريح ما ورد في كلّ واحدة من الآيتين نزولها عند ذاك ، ولا يصحّ ذلك لأنّ الآية الثانية منهما مكيّة والأولى مدنيّة نزلت بعد الفتح بالاتّفاق وهي في سورة براءة المدنيّة التي هي آخر ما نزل من القرآن (١) فبين نزول الآيتين ما يقرب من عشر سنين أو يربو عليها.

٣ ـ إنّ آية الاستغفار نزلت بالمدينة بعد موت أبي طالب بعدّة سنين تربو

__________________

(١) صحيح البخاري : ٧ / ٦٧ في آخر سورة النساء [٤ / ١٦٨١ ح ٤٣٢٩] ، الكشّاف : ٢ / ٤٩ [٢ / ٣١٥] ، تفسير القرطبي : ٨ / ٢٧٣ [٨ / ١٧٣] ، الإتقان : ١ / ١٧ [١ / ٢٧] ، تفسير الشوكاني : ٣ / ٣١٦ [٢ / ٣٣١] ، نقلاً عن ابن أبي شيبة [في مصنّفه : ١٠ / ٥٤٠ ح ١٢٦٢] والبخاري والنسائي [في السنن الكبرى : ٦ / ٣٥٣ ح ١١٢١٢] وابن الضريس وابن المنذر والنحّاس وأبي الشيخ وابن مردويه عن طريق البراء بن عازب. (المؤلف)

٢٠