🚖

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: قلم
الطبعة: ١
الصفحات: ٧١٦
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ)(١) فقال :

«إنّي رأيت اثني عشر رجلاً من أئمّة الضلالة يصعدون منبري ، وينزلون ، يردّون أمّتي علىٰ أدبارهم القهقرىٰ».

وسمعته يقول : «إنَّ بني أبي العاص إذا بَلغوا خمسة عشر رجلاً جعلوا كتاب الله دَخَلاً ، وعبادَ الله خِوَلاً ، ومال الله دُوَلاً».

يا معاوية إنّي سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول على المنبر وأنا بين يديه وعمر بن أبي سلمة ، وأُسامة بن زيد ، وسعد بن أبي وقّاص ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذرّ ، والمقداد ، والزبير بن العوّام ، وهو يقول :

«ألستُ أولىٰ بالمؤمنين من أنفسهم ؟ فقلنا : بلىٰ يا رسول الله. قال : أليس أزواجي أمّهاتِكم ؟ قلنا : بلىٰ يا رسول الله.

قال : من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه ، أولىٰ به من نفسه. وضرب بيده علىٰ منكب عليٍّ ، فقال : أللّهمَّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه.

أيّها الناس أنا أولىٰ بالمؤمنين من أنفسهم ليس لهم معي أمر ، وعليٌّ من بعدي أولىٰ بالمؤمنين من أنفسهم ليس لهم معه أمر ، ثمّ ابني الحسن أولىٰ بالمؤمنين من أنفسهم ليس لهم معه أمر».

ثمّ عاد فقال : «أيّها الناس إذا أنا استشهدتُ فعليٌّ أولىٰ بكم من أنفسكم ، فإذا استشهد عليٌّ فابني الحسن أولىٰ بالمؤمنين منهم بأنفسهم ، وإذا استشهد الحسن فابني الحسين أولىٰ بالمؤمنين منهم بأنفسه ...» إلىٰ أن قال :

فقال معاوية : يا ابن جعفر لقد تكلّمت بعظيم ، ولئن كان ما تقول حقّاً لقد هلكَتْ أمّة محمد من المهاجرين والأنصار غيرَكم ـ أهلَ البيت ـ وأوليائكم وأنصاركم.

___________________________________

(١) الإسراء : ٦٠.

٤٠١

فقلت : والله إنَّ الذي قلتُ حقٌّ سمعته من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

قال معاوية : يا حسن ويا حسين ويا ابن عبّاس ما يقول ابن جعفر ؟

فقال ابن عبّاس : إن كنتَ لا تؤمن بالذي قال ، فأَرسل إلىٰ الذين سمّاهم فاسألهم عن ذلك.

فأرسل معاوية إلىٰ عمر بن أبي سلمة وإلىٰ أُسامة بن زيد ، فسألهما فشهدا أنَّ الذي قال ابن جعفر قد سمعناه من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كما سمعه ... إلىٰ أن قال ـ من كلام ابن جعفر ـ :

ونبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد نصب لأمّته أفضل الناس وأولاهم وخيرهم بغدير خُمّ وفي غير موطن ، واحتجَّ عليهم به وأمرهم بطاعته ، وأخبرهم أنَّه منه بمنزلة هارون من موسىٰ ، وأنَّه وليُّ كلِّ مؤمن من بعده ، وأنَّه كلّ من كان هو وليَّه فعليٌّ وليّه ، ومن كان أولىٰ به من نفسه فعليٌّ أولىٰ به ، وأنَّه خليفته فيهم ووصيّه ، وأنَّ من أطاعه أطاع الله ومن عصاه عصى الله. ومن والاه والى الله ومن عاداه عادى الله. الحديث ، وفيه فوائد كثيرة قيِّمةٌ جدّاً. كتاب سُلَيم(١).

ـ ١١ ـ احتجاج بُردٍ علىٰ عمرو بن العاص بحديث الغدير

قال أبو محمد بن قتيبة ـ المترجم (ص ٩٦) ـ في الإمامة والسياسة(٢) (ص ٩٣) :

وذكروا أنَّ رجلاً من همْدان يقال له : بُرد ، قدم علىٰ معاوية فسمع عَمْراً يقع في عليٍّ عليه‌السلام فقال له : يا عمرو إنَّ أشياخنا سمعوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه» ، فحقٌّ ذلك أم باطل ؟

___________________________________

(١) كتاب سُلَيم بن قيس : ٢ / ٨٣٤ ح ٤٢.

(٢) الإمامة والسياسة : ١ / ٩٧.

٤٠٢

فقال عمرو : حقٌّ وأنا أزيدك : إنَّه ليس أحدٌ من صحابة رسول الله له مناقب مثل مناقب عليٍّ !

ففزِع الفتىٰ. فقال عمرو : إنَّه أفسدها بأمره في عثمان. فقال برد : هل أمر أو قتل ؟ قال : لا ، ولكنّه آوىٰ ومنع. قال : فهل بايعه الناس عليها ؟ قال : نعم. قال : فما أخرجك من بيعته ؟ قال : اتّهامي إيّاه في عثمان. قال له : وأنت ـ أيضاً ـ قد اتُّهِمتَ. قال : صدقتَ ، فيها خرجتُ إلىٰ فلسطين.

فرجع الفتىٰ إلىٰ قومه ، فقال : إنَّا أتينا قوماً أخذنا الحجّة عليهم من أفواههم ؛ عليٌّ على الحقّ فاتّبعوه.

ـ ١٢ ـ احتجاج عمرو بن العاص علىٰ معاوية بحديث الغدير

ذكر الخطيب الخوارزميّ الحنفيّ في المناقب(١) (ص ١٢٤) كتاباً لمعاوية كتبه إلىٰ عمرو بن العاص يستهويه لنصرته في حرب صفّين ، ثمّ ذكر كتاباً لعمرو مُجيباً به معاوية ـ وستقف على الكتابين في ترجمة عمرو بن العاص ـ ومن كتاب عمرو قوله :

وأمّا ما نسبتَ أبا الحسن أخا رسول الله ووصيّه إلى البغي والحسد علىٰ عثمان وسمّيت الصحابة فسَقةً ، وزعمت أنَّه أشلاهم(٢) علىٰ قتله ، فهذا كذب وغواية.

ويحك يا معاوية ، أما علمت أنَّ أبا الحسن بذل نفسه بين يدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وبات علىٰ فراشه ؟! وهو صاحب السبق إلى الإسلام والهجرة ، وقد قال فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «هو منّي وأنا منه». و «هو منّي بمنزلة هارون من موسىٰ إلّا أنَّه لا نبيّ بعدي».

وقال في يوم غدير خُمّ : «ألا من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه ، أللّهمّ والِ من والاه ،

___________________________________

(١) المناقب : ص ١٩٩ ح ٢٤٠.

(٢) أشلاهم عليه : أغراهم به.

٤٠٣

وعادِ من عاداه ، وانصُر من نصره ، واخذُل من خَذَله».

ـ ١٣ ـ احتجاج عمّار بن ياسر يوم صفِّين علىٰ عمرو بن العاص سنة (٣٧)

روىٰ نصر بن مزاحم الكوفي(١) في كتاب صفِّين(٢) (ص ١٧٦) في حديث طويل عن عمّار بن ياسر يخاطب عمرو بن العاص يوم صفّين ، قال :

أمرني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن أقاتل الناكثين ، وقد فعلت ، وأمرني أن أقاتل القاسطين ، فأنتم هم ، وأمّا المارقون فما أدري أُدركهم أم لا ، أيّها الأبتر ألستَ تعلم أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعليّ : «من كنتُ مولاه فعليّ مولاه ، أللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه» وأنا مولى الله ورسوله وعليٍّ بعده ، وليس لك مولى. فقال له عمرو : لِمَ تشتمني يا أبا اليقظان ؟

يأتي تمام الحديث في ترجمة عمرو بن العاص فراجع ، وذكره ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة(٣) (٢ / ٢٧٣).

ـ ١٤ ـ احتجاج أصبغ بن نباتة بحديث الغدير في مجلس معاوية سنة (٣٧)

كتب أمير المؤمنين ـ صلوات الله عليه ـ أيّام صفِّين كتاباً إلىٰ معاوية بن أبي سفيان ، وأرسله إليه بيد أصبغ بن نباتة ـ المترجم (ص ٦٢) ـ قال الأصبغ :

___________________________________

(٣) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج ١ / ١٨٣ [٢ / ٢٠٦ خطبة ٣٥] : ونحن نذكر ما أورده نصر بن مزاحم من كتاب صفّين في هذا المعنىٰ ، فهو ثقة ثبت صحيح النقل غير منسوب إلىٰ هوىً ولا إدغال ، وهو من رجال أصحاب الحديث. (المؤلف)

(٤) وقعة صفّين : ص ٣٣٨.

(٥) شرح نهج البلاغة : ٨ / ٢١ خطبة ١٢٤.

٤٠٤

فدخلت علىٰ معاوية وهو جالسٌ علىٰ نَطعٍ من الأَدَم متّكئاً علىٰ وسادتين خضراوين ، وعن يمينه عمرو بن العاص ، وحَوْشب ، وذو الكلاع(١) ، وعن شماله أخوه عتبة المتوفّىٰ (٤٣ ، ٤٤) وابن عامر بن كريز عبدالله المتوفّىٰ (٥٧ ، ٥٨) والوليد ابن عقبة الفاسق بنصِّ القرآن ، وعبدالرحمن بن خالد المتوفّىٰ (٤٧) ، وشرحبيل بن السمط المتوفّىٰ (٤٠ ، ٤١) ، وبين يديه أبو هريرة ، وأبو الدرداء(٢) والنعمان بن بشير المتوفّىٰ (٦٥) ، وأبو أمامة الباهلي صُدَيّ المتوفّىٰ (٨١) فلمّا قرأ الكتاب قال : إنَّ عليّاً لا يدفع إلينا قتلة عثمان.

قال الأصبغ : فقلت له : يا معاوية لا تعتلَّ بدم عثمان ، فإنّك تطلب الملك والسلطان ، ولو كُنتَ أردتَ نصره حيّاً لنصرته ، ولكنّك تربّصت به ؛ لتجعل ذلك سبباً إلىٰ وصول الملك. فغضب من كلامي ، فأردت أن يزيد غضبه ، فقلت لأبي هريرة :

يا صاحب رسول الله إنّي أُحلّفك بالذي لا إلٰه إلّا هو عالم الغيب والشهادة ، وبحقِّ حبيبه المصطفىٰ ـ عليه وآله السلام ـ إلّا أخبرتَني أشهدتَ يوم غدير خُمّ ؟

قال : بلىٰ شهدتُه. قلت : فما سمعته يقول في عليّ ؟

قال : سمعته يقول : «من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه ، أللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه ، وانصُر من نصره ، واخذُل من خَذَله».

فقلت له : فإذاً أنت ـ يا أبا هريرة ـ واليتَ عدوَّه ، وعاديت وليَّه.

فتنفّس أبو هريرة الصعداء ، وقال : إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.

رواه الحنفيّ في مناقبه(٣) (ص ١٣٠) ، وسبط ابن الجوزي في تذكرته(٤) (ص ٤٨).

___________________________________

(١) حَوْشب الحميري وذو الكلاع كانا مع معاوية في حرب صفّين وقُتلا بها. (المؤلف)

(٢) عويمر الأنصاري : قال ابن عبدالبَرّ في الاستيعاب في الكنىٰ [القسم الثالث / ١٢٢٩ رقم ٢٠٠٦] : قال أهل الأخبار : إنَّه تُوفّي بعد صفّين. (المؤلف)

(٣) مناقب الخوارزمي : ص ٢٠٥ ح ٢٤٠.

(٤) تذكرة الخواص : ص ٨٥.

٤٠٥

ـ ١٥ ـ مناشدة شابّ أبا هريرة بحديث الغدير في مسجد الكوفة(*)

أخرج الحافظ أبو يعلى الموصلي(١) ـ المترجم (ص ١٠٠) ـ قال : حدّثنا أبو بكر ابن أبي شيبة ، أنبأنا شريك ، عن أبي يزيد داود الأودي المتوفّىٰ (١٥٠) عن أبيه يزيد الأودي.

وأخرج الحافظ ابن جرير الطبري ، عن أبي كريب ، عن شاذان ، عن شريك ، عن إدريس وأخيه داود ، عن أبيهما يزيد الأودي قال :

دخل أبو هريرة المسجد فاجتمع إليه الناس ، فقام إليه شابّ ، فقال : أنشُدُك بالله سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «من كنتُ مولاه فعليّ مولاه ، أللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه» ؟

قال : فقال : إنّي أشهد أنّي سمعت رسول الله يقول : «من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه ، أللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه».

ورواه الحافظ أبو بكر الهيثمي في مجمع الزوائد (٩ / ١٠٥) نقلاً عن أبي يعلىٰ والطبراني والبزّار بطريقيه ، وصحّح أحدهما ووثّق رجاله ، وذكره ابن كثير في تاريخه(٢) (٥ / ٢١٣) من طريق أبي يعلى الموصلي ، وابن جرير الطبري.

وقال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة(٣) (١ / ٣٦٠) : روىٰ سفيان الثوري عن عبدالرحمن بن القاسم ، عن عمر بن عبدالغفّار : أنَّ أبا هريرة لَمّا قدِم الكوفة مع

___________________________________

(*). إسناد هذه المناشدة من طريق إدريس بن يزيد صحيح ، رجاله كلّهم ثقات. (المؤلف)

(١) مسند أبي يعلى الموصلي : ١١ / ٣٠٧ ح ٦٤٢٣.

(٢) البداية والنهاية : ٥ / ٢٣٢ حوادث سنة ١٠ ه‍.

(٣) شرح نهج البلاغة : ٤ / ٦٨ خطبة ٥٦.

٤٠٦

معاوية كان يجلس بالعشيّات بباب كندة ، ويجلس الناس إليه ، فجاء شابّ من الكوفة فجلس إليه فقال :

يا أبا هريرة أَنشُدُك الله أسمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول لعليّ بن أبي طالب : «أللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه» ؟.

فقال : أللّهمّ نعم. قال : فأشهد بالله لقد واليتَ عدوَّه وعاديتَ وليَّه. ثمّ قام عنه.(١)

وروت الرواة أنَّ أبا هريرة كان يؤاكل الصبيان في الطريق ويلعب معهم ، وكان يخطب وهو أمير المدينة ، فيقول : الحمد لله الذي جعل الدين قياماً ، وأبا هريرة إماماً ، يُضحِك الناس بذلك. وكان يمشي وهو أمير المدينة في السوق ، فإذا انتهىٰ إلىٰ رجل يمشي أمامه ضرب برجليه الأرض ويقول : الطريق الطريق ، قد جاء الأمير. يعني نفسه.

___________________________________

(١) وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنّف : ح ١٢١٤١ ، والبزّار في مسنده كشف الأستار : ح ٢٥٣١ ، وأخرجه الحافظ الطبراني ، وعنه في مجمع الزوائد : ٩ / ١٠٥.

وأخرجه المبارك بن عبد الجبّار الصيرفي في الطيوريات : ج ٩ / ق ١٦٠ / ب ، وأخرجه الذهبي في كتابه في الغدير ـ جزء في حديث من كنت مولاه ـ بالأرقام : ٨٢ ـ ٨٨ ، وابن حجر العسقلاني في المطالب العالية : ح ٣٩٥٨ ، وفي مختصر زوائد مسند البزّار : ح ١٩٠٣ ، والبوصيري في إتحاف السادة المهرة : ج ٣ ق ٥٦ / أ.

وفي رواية للذهبي في غديره رقم ٨٤ : قدم علينا معاوية [الكوفة] فنزل النخيلة ، فدخل أبو هريرة المسجد بالكوفة ، فكان يقصّ على الناس ويذكّرهم ! فقام إليه شابّ ، فقال : يا أبا هريرة نشدتك بالله أنت سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول لعليّ : «من كنت مولاه فعليّ مولاه ، اللّهمّ والِ من والاه وعادِ من عاداه» ؟ قال : اللّهمّ نعم .

وفي مصنّف ابن أبي شيبة : ح ١٢١٤١ : فقال الشابّ : أنا منك بريء ، أشهد أنَّك قد عاديت من والاه ، وواليت من عاداه ، قال : فحصبه الناس بالحصىٰ.

فيبدو أنَّ معاوية لما قدم الكوفة بعث جهاز إعلامه شيخ المضيرة إلى المسجد يمجّده ويطريه ويحرّض الناس علىٰ إكرامه وتبجيله ! ولعلّه نال من أمير المؤمنين عليه‌السلام وتنقّصه !! مما أثار حفيظة هذا الشابّ ، فقام إليه وناشده وأفحمه ، وقال له : فأشهد بالله لقد واليت عدوّه وعاديت وليّه.

وأنت تعلم أنَّ مجرد القصص والتذكير لا يؤدّي إلىٰ مثل هذا. (الطباطبائي)

٤٠٧

قلت : قد ذكر ابن قتيبة هذا كلّه في كتاب المعارف(١) في ترجمة أبي هريرة ، وقوله فيه حجّة لأنّه غير متّهم عليه.

قال الأميني : هذا كلّه قد أسقطته عن كتاب المعارف ـ طبعة مصر (١٣٥٣ هـ) ـ يد التحريف اللاعبة به ، وكم فعلت هذه اليد الأمينة لدة(٢) هذه في عدّة موارد منه ، كما أنَّها أدخلت فيه ما ليس منه ، وقد مرّ الإيعاز إليه (ص ١٩٢).

ـ ١٦ ـ مناشدة رجل زيد بن أرقم بحديث الغدير

رُوي عن أبي عبدالله الشيباني رضي‌الله‌عنه(٣) قال : بينما أنا جالسٌ عند زيد بن أرقم إذ جاء رجلٌ ، فقال : أيّكم زيد بن أرقم ؟ فقال القوم : هذا زيد.

فقال : أَنشدُك بالذي لا إلٰه إلّا هو سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «من كنتُ مولاه فعليّ مولاه ، أللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه» ؟ قال : نعم.

مودّة القربىٰ(٤) ، وينابيع المودّة(٥) (ص ٢٤٩).(٦)

___________________________________

(١) المعارف : ص ٢٧٧ ـ ٢٧٨.

(٢) لِدة الصبي : من وُلِد أو تربّىٰ معه.

(٣) كذا في النسخ ولعلّ الصحيح : أبو عمرو الشيباني ، وهو التابعيّ الكبير [سعد بن إياس من بني] شيبان بن ثعلبة ، الكوفي المتوفّىٰ (٩٨) ، كان يقرأ القرآن في المسجد الأعظم بالكوفة ، ترجمه الذهبي في تذكرته : ١ / ٥٩ [١ / ٦٨ رقم ٦٢]. (المؤلف)

(٤) أنظر المودّة الخامسة.

(٥) ينابيع المودّة : ٢ / ٧٣ باب ٥٦.

(٦) وأخرجه الحافظ أبو يعلىٰ ، ومن طريقه أخرجه الحافظ ابن عساكر في تاريخه : ٥٣٧ ، وأخرجه الحافظ الطبراني في المعجم الكبير : ح ٥٠٦٥.

وهناك صورة أخرى وسؤال آخر رواه القطيعي في زياداته في كتاب مناقب عليّ عليه‌السلام لأحمد بن

٤٠٨

ـ ١٧ ـ مناشدة رجل عراقي جابر الأنصاري بحديث الغدير(*)

أخرج العلّامة الكنجيّ الشافعيّ في كفاية الطالب(١) (ص ١٦) قال :

أخبرني بذلك ـ عالياً ـ المشايخ منهم : الشريف الخطيب أبو تمام عليُّ بن أبي الفخار بن أبي منصور الهاشمي بكرخ بغداد ، وأبو طالب عبداللطيف بن محمد بن عليّ ابن حمزة القبيطي بنهر معلّىٰ ، وإبراهيم بن عثمان بن يوسف بن أيوب الكاشغري ، قالوا جميعاً :

أخبرنا أبوالفتح محمد بن عبدالباقي بن سليمان المعروف بنسيب ابن البطّي ، وقال الكاشغري أيضاً : أخبرنا أبو الحسن عليّ بن أبي القاسم الطوسي المعروف بابن تاج

___________________________________

حنبل برقم ١٧٠ وفي فضائل الصحابة له برقم ١٠٤٨ عن أبي ليلى الكندي أنّه حدّثه ، قال : سمعت زيد بن أرقم يقول ـ ونحن ننتظر جنازة ـ فسأله رجل من القوم فقال : أبا عامر أسمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول يوم غدير خُمّ لعليّ : «من كنت مولاه فعليّ مولاه» ؟ قال : نعم.

قال أبو ليلىٰ : فقلت لزيد بن أرقم : قالها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال : نعم ؛ قد قالها له ، أربع مرات ، فقال : نعم.

صورة ثالثة أخرجها أحمد في المسند : ٤ / ٣٧٢ :

عن ميمون أبي عبدالله قال : كنت عند زيد بن أرقم ، فجاء رجل من أقصى الفسطاط فسأله عن ذا ، فقال : إنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «ألست أولىٰ بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا : بلى ، قال : من كنت مولاه فعليٌّ مولاه ...»

وأخرجه الحافظ ابن عساكر في تاريخه في ترجمة أمير المؤمنين عليه‌السلام برقم ٥٤٤.

وصورة رابعة أخرجها أحمد في المسند : ٤ / ٣٦٨ ، وفي فضائل الصحابة : ح ٩٩٢ ، وفي كتاب مناقب عليّ عليه‌السلام برقم ١١٦ عن عطيّة العوفي قال : سألت زيد بن أرقم ، فقلت له : إنَّ ختناً حدّثني عنك بحديث في شأن عليّ ؟ .. فأنا أحبّ أن أسمعه منك فقال : إنَّكم معشر أهل العراق فيكم ما فيكم ، فقلت : ليس عليك منّي بأس ، فقال : نعم كنّا بالجحفة ... (الطباطبائي)

(*) سند هذه المناشدة صحيح رجاله كلّهم ثقات. (المؤلف)

(١) كفاية الطالب : ص ٦١.

٤٠٩

القرّاء ، قالا : أخبرنا أبو عبدالله مالك بن أحمد بن عليّ البانياسي ، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت ، حدّثنا إبراهيم بن عبدالصمد الهاشمي ، حدّثنا أبو سعيد الأشجّ ، حدّثنا مطّلب بن زياد ، عن عبدالله بن محمد بن عقيل ، قال : كنت عند جابر بن عبد الله في بيته و [عنده] عليّ بن الحسين ، ومحمد بن الحنفيّة ، وأبو جعفر ، فدخل رجلٌ من أهل العراق ، فقال : بالله(١) إلّا ما حدّثتني ما رأيتَ وما سمعتَ من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال :

كنّا بالجُحفة بغدير خُمّ ، وثَمَّ ناس كثير من جُهينة ومُزينة وغِفار ، فخرج علينا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من خِباء ـ في الفرائد : أو فسطاط ـ فأشار بيده ثلاثاً ، فأخذ بيد عليّ ابن أبي طالب ، وقال : «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه».

ورواه الحمّوئي في فرائد السمطين في الباب التاسع(٢) قال : أخبرني الشيخ مجد الدين عبدالله بن محمود بن مودود الحنفي بقراءتي عليه ببغداد ثالث رجب سنة اثنتين وسبعين وستمائة : قال : أنبأنا الشيخ أبو بكر المسمار بن عمر بن العويس البغدادي سماعاً عليه ، قال : أنبأنا أبو الفتح محمد بن عبدالباقي المعروف بابن البطّي سماعاً عليه.

وأخبرنا الإمام الفقيه كمال الدين أبو غالب هبة الله [بن أبي القاسم بن أبي غالب](٣) السامريّ بقراءتي عليه بجامع النصر(٤) ببغداد ليلة الأحد السابع والعشرين من شهر رمضان سنة اثنتين وثمانين وستمائة ، قال : أنبأنا الشيخ محاسن بن عمر بن رضوان الخزائني سماعاً عليه في الحادي والعشرين من المحرّم سنة اثنتين وعشرين

___________________________________

(١) في لفظ شيخ الإسلام الحمّوئي : أَنشُدُك الله الأحد. (المؤلف)

(٢) فرائد السمطين : ١ / ٦٢ ح ٢٩ ، وذكره الذهبي في معجم شيوخه : ص ٥٣٢ رقم ٧٩٣.

(٣) ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.

(٤) كتب إلينا الدكتور مصطفىٰ جواد البغدادي : والصواب : بجامع القصر ، وهو جامع سوق الغزل الحالي. (المؤلف)

٤١٠

وستمائة ، قال : أنبأنا أبو بكر محمد بن عبيدالله بن نصر الزاغوني سماعاً عليه في السادس عشر من شهر رجب سنة خمسين وخمسمائة ، قالا(١) : أنبأنا أبو عبدالله مالك ابن أحمد بن عليِّ بن إبراهيم الفرّاء البانياسي سماعاً عليه ، قال : أنبأنا ابن الزاغوني(٢) ـ المترجم (ص ١١٣) ـ في شهر شعبان سنة ثلاث وستِّين(٣) وأربعمائة ، قال : أنبأنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن القاسم بن الصلت قراءة عليه وأنا أسمع في رجب ثالث عشر من الشهر سنة خمس وأربعمائة ، قال : أنبأنا إبراهيم بن عبدالصمد الهاشمي المكنّىٰ بأبي إسحاق ، قال : أنبأنا أبو سعيد الأشجّ ، قال : أنبأنا أبو طالب المطّلب بن زياد ، عن عبدالله بن محمد بن عقيل ، قال : كنت عند جابر ... الحديث بلفظه.

ورواه ابن كثير في تاريخه(٤) (٥ / ٢١٣) قال : قال المطّلب بن زياد عن عبدالله ابن محمد بن عقيل ، سمع جابر بن عبدالله يقول :

كنّا بالجُحفة بغدير خُمّ ، فخرج علينا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من خِباء أو فساط ، فأخذ بيد عليٍّ ، فقال : «من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه». قال شيخنا الذهبي : هذا حديث حسن.(٥)

قال الأميني : لا يهمّنا إسقاط ابن كثير من الحديث شطراً فيه الجمع الحضور عند جابر ومناشدة العراقيّ إيّاه ، وذكره الحديث بصورة مصغَّرة ، إذ صحائف تاريخه

___________________________________

(١) هما ابنا البطّي والزاغوني.

(٢) راجع ترجمته ص ٢٤٨.

(٣) التاريخ مصحّف ؛ فابن الزاغوني ولد سنة ٤٦٨ والبانياسي توفّي سنة ٤٨٥ ، فيبدو أنَّ سماع ابن الزاغوني من البانياسي كان سنة ٤٨٣ ، فصحّف ثمانين إلىٰ ستين. (الطباطبائي)

(٤) البداية والنهاية : ٥ / ٢٣٢ حوادث سنة ١٠ ه‍.

(٥) وأخرجه ابن الأبّار في معجم الشيوخ : ص ٣٢٥ رقم ٣٨٤ ، والذهبي في سير أعلام النبلاء : ٨ / ٢٩٦ ، وفي معجم شيوخه : ٢ / ٢٣٤ ، كلّ منهما عن عدّة من شيوخه بطرقهم.

وأخرجه ابن عساكر في تاريخه بعدّة طرق : ٥٥٨ و ٥٥٩ و ٥٦٠ عن عدّة من شيوخه.

(الطباطبائي)

٤١١

ـ البداية والنهاية ـ تنمُّ عن لسانه البذيِّ ، ويده الجانية علىٰ ودائع النبيّ الأعظم فضائل آل الله ، وعن قلبه المحتدم بعدائهم ، فتراه يسبُّ ويشتم من والاهم ويمدح ويثني علىٰ من ناواهم ، وينبز الصحاح من مناقبهم بالوضع ، ويقذف الراوي لها على ثقته بالضعف ، كل ذلك تحكّماً منه بلا دليل ، ويحرِّف الكَلِم عن مواضعها ، ولو ذهبنا لنذكر كلَّ ما فيه من هذا القبيل لجاء منه كتاب ضخم ، وحسبك من تحريفه ما ذكره من حديث بدء الدعوة النبويّة عند نزول قوله تعالى : (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)(١) قال في تاريخه(٢) (٣ / ٤٠) بعد ذكر الحديث الوارد في الآية الشريفة من طريق البيهقي :

وقد رواه أبو جعفر بن جرير عن محمد بن حميد الرازي ... وساق إلىٰ آخر السند ثمّ قال : وزاد بعد قوله :

«وإنّي قد جئتُكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله أن أدعوَكم إليه ، فأيُّكم يُؤازرني علىٰ هذا الأمر علىٰ أن يكون أخي وكذا وكذا ؟ قال :

فأحجم القوم عنها جميعاً ، وقلت ـ وَلَأنّي لَأحدثهم سنّاً وأرمصهم عيناً ، وأعظمهم بطناً ، وأحمشهم ساقاً ـ : أنا يا نبيَّ الله أكون وزيرك عليه ، فأخذ برقبتي ، فقال : إنَّ هذا أخي وكذا وكذا ، فاسمعوا له وأطيعوا.

قال : فقام القوم يضحكون ، ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك وتُطيع».

وبهذا اللفظ ذكره في تفسيره (٣ / ٣٥١) ، وقال : وقد رواه أبو جعفر بن جرير عن ابن حميد ... إلىٰ آخره حرفيّاً.

وها نحن نذكر لفظ الطبريِّ بنصِّه حتىٰ يتبيّن الرشد من الغيِّ :

___________________________________

(١) الشعراء : ٢١٤.

(٢) البداية والنهاية : ٣ / ٥٣.

٤١٢

قال في تاريخه(١) (٢ / ٢١٧) من الطبعة الأولىٰ :

«إنّي قد جئتُكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله تعالىٰ أن أدعوكم إليه ، فأيُّكم يُؤازرني علىٰ هذا الأمر علىٰ أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم ؟

قال : فأحجم القوم عنها جميعاً ، وقلت : ـ وإنّي لأحدثهم سنّاً ، وأرمصهم عيناً ، وأعظمهم بطناً ، وأحمشهم ساقاً ـ : أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك عليه ، فأخذ برقبتي ، ثمّ قال : إنَّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا.

قال : فقام القوم يضحكون ، ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع». فإلى الله المشتكىٰ.

نعم ؛ رواه الطبري في تفسيره(٢) (١٩ / ٧٤) محرّفاً ، فهلّا وقف ابن كثير علىٰ ما في تاريخه وقد أخرجه غير محرَّفٍ ، أو علىٰ ما أخرجه غير الطبريّ من أئمّة الحديث والتاريخ في تآليفهم ، أو حدَته ضغينته على اختيار المحرَّف من الكَلِم ، والله يعلم ما تكِنُّ صدورهم.(٣)

___________________________________

(١) تاريخ الأُمم والملوك : ٢ / ٣٢١.

(٢) جامع البيان : مج ١١ / ج ١٩ / ١٢٢.

(٣) وأخرجه الطبري في تهذيب الآثار في مسند عليّ بن أبي طالب وصحّح سنده.

قال في ص ٦٠ : حدّثنا أحمد بن منصور ، قال : حدّثنا الأسود بن عامر ، قال : حدّثنا شريك ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن عبّاد بن عبدالله الأسدي ، عن عليّ قال :

لما نزلت هذه الآية (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) قال : جمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم علية أهل بيته فاجتمعوا ثلاثين رجلاً. فأكلوا وشربوا وقال لهم : «من يضمن عنّي ذمّتي ومواعيدي وهو معي في الجنّة ، ويكون خليفتي في أهلي».

قال : فعرض ذلك عليهم ، فقال رجل : أنت يا رسول الله كنت بحراً ، من يطيق هذا ؟ حتىٰ عرض علىٰ واحد واحد. فقال عليّ : «أنا».

وأخرج في ص ٦٢ : حدّثنا ابن حميد ، قال : حدّثنا سلمة بن الفضل ، قال : حدّثني محمد بن إسحاق ، عن عبدالغفّار بن القاسم ، عن المنهال بن عمرو ، عن عبدالله بن الحارث بن نوفل بن

٤١٣

ـ ١٨ ـ احتجاج قيس بن سعد بحديث الغدير على معاوية سنة (٥٠ ، ٥٦)

قدم معاوية بن أبي سفيان حاجّاً إلى المدينة في أيّام خلافته بعد ما توفّي الإمام السبط الحسن ـ صلوات الله عليه ـ فاستقبله أهل المدينة ، فجرىٰ بينه وبين قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجيّ الصحابيّ الكبير حديث يأتي ذكره بطوله في ترجمة قيس في شعراء القرن الأوّل ، وفيه بعد قول قيس : ولَعمري ما لأحد من الأنصار ولا لقريش ولا لِأَحدٍ من العرب في الخلافة حقٌّ مع عليٍّ وولده من بعده ما نصّه :

فغضب معاوية ، وقال : يا ابن سعد ممّن أخذت هذا ؟ وعمّن رويته ؟ وعمّن سمعته ؟ أبوك أخبرك بذلك وعنه أخذته ؟

فقال قيس : سمعتُه وأخذتُه ممّن هو خيرٌ من أبي وأعظم حقّاً من أبي. قال : من ؟

قال : عليُّ بن أبي طالب عالم هذه الأمّة وصِدِّيقها الذي أنزل الله فيه (قُلْ كَفَىٰ بِاللَّـهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ)(١) فلم يَدَعْ آيةً نزلت في عليّ عليه‌السلام إلّا ذكرها.

قال معاوية : فإنَّ صدِّيقها أبو بكر ، وفاروقها عمر ، والذي عنده علم الكتاب

___________________________________

الحارث بن عبد المطّلب ، عن عبدالله بن عبّاس ، عن عليّ بن أبي طالب قال :

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يا بني عبدالمطلّب إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه ، فأيّكم يؤازرني علىٰ هذا الأمر علىٰ أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم ؟

قال : فأحجم القوم عنها جميعاً : وقلت : أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك عليه ، فأخذ برقبتي وقال : هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا». (الطباطبائي)

(١) الرعد : ٤٣ .

٤١٤

عبدالله بن سلام.

قال قيس : أحقُّ هذه(١) الأسماء وأولىٰ بها الذي أنزل الله فيه : (أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ)(٢) ، والذي نصبه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بغدير خُمّ ، فقال :

«من كنتُ مولاه أولىٰ به من نفسه فعليٌّ أولىٰ به من نفسه» ، وفي غزوة تبوك :

«أنت منّي بمنزلة هارون من موسىٰ إلّا أنَّه لا نبيَّ بعدي». كتاب سُلَيم الهِلالي(٣).

ـ ١٩ ـ احتجاج دارميّة الحجونيّة علىٰ معاوية سنة (٥٠ ، ٥٦)

قال الزمخشري ـ المترجم (ص ١١٤) ـ في ربيع الأبرار في الباب الحادي والأربعين(٤) :

حجَّ معاوية ، فطلب امرأة يقال لها : دارميّة(٥) الحجونيّة من شيعة عليّ ، وكانت سوداء ضخمة ، فقال : كيف حالك يا بنتَ حام ؟ فقالت : بخير ولست بحامٍ ، إنَّما أنا امرأة من بني كنانة.

فقال : صدقتِ ، هل تعلمين لِمَ دعوتُكِ ؟ قالت : يا سبحان الله ، وإنِّي لم أعلم

___________________________________

(١) كذا في المصدر أيضاً.

(٢) هود : ١٧.

(٣) كتاب سُلَيم بن قيس : ٢ / ٧٧٧ ح ٢٦.

(٤) ربيع الأبرار : ٢ / ٥٩٩.

(٥) نسبة إلىٰ (داروم) قلعة بعد غزّة للقاصد إلىٰ مصر علىٰ ساحل البحر ، نزل بها بنوحام ، كما يظهر من قول معاوية : يا بنت حام. والحجون مكان معروف بمكّة [معجم البلدان : ٢ / ٢٢٥] ، كانت دارميّة تنزل بها ، فنسبت إليها. (المؤلف)

٤١٥

الغيب. قال : لِأسألك لِمَ أحببتِ عليّاً وأبغضتِني ، وواليتِه وعاديتِني ؟ قالت : أوَ تَعفِني ؟ قال : لا.

قالت : أمّا إذا أبيتَ فإنّي أحببتُ عليّاً علىٰ عدله في الرعيّة ، وقَسْمه بالسويّة ، وأبغضتك علىٰ قتال من هو أولىٰ بالأمر منك ، وطلبك ما ليس لك ، وواليتُ عليّاً علىٰ ما عَقَد له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من الولاية يوم خُمّ بمشهدٍ منك ، وحبِّه للمساكين ، وإعظامه لأهل الدين ، وعاديتُك علىٰ سفكك الدماء ، وشقِّك العصا ، وجورك في القضاء ، وحكمك بالهوىٰ. الحديث(١).

ـ ٢٠ ـ احتجاج عمرو الأودي علىٰ مناوئي أمير المؤمنين عليه‌السلام

روىٰ مفتي الكوفة وقاضيها شريك بن عبدالله النخعي ـ المترجم (ص ٧٨) ـ عن أبي إسحاق السبيعي ـ المترجم (ص ٦٩) ـ عن عمرو بن ميمون الأودي ـ المترجم (ص ٦٩) ـ أنَّه ذُكر عنده عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين ، فقال :

إنَّ قوماً يَنالُون منه أولئك هم وقود النار ، ولقد سمعتُ عدّة من أصحاب محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منهم : حذيفة بن اليمان ، وكعب بن عجرة ، يقول كلّ رجل منهم : لقد أُعطي عليٌّ ما لم يُعطَهُ بشرٌ : هو زوج فاطمة سيِّدة نساء الأوّلين والآخرين ، فمن رأىٰ مثلها ؟ أو سمع أنَّه تزوّج بمثلها أحدٌ في الأوّلين والآخرين ؟ وهو أبو الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة من الأوّلين والآخرين ، فمن له ـ أيّها الناس ـ مثلهما ؟ ورسول الله حَمُوه وهو وصيّ رسول الله في أهله وأزواجه ، وسُدّت الأبواب التي في المسجد كلّها غير بابه ، وهو صاحب باب خيبر ، وهو صاحب الراية يوم خيبر ، وتفل رسول الله

___________________________________

(١) يوجد هذا الاحتجاج بألفاظ أخرىٰ في بلاغات النساء : ص ٧٢ [ص ١٠٥] ، والعقد الفريد : ١ / ١٦٢ [١ / ٢٢٢] ، وصبح الأعشىٰ : ١ / ٢٥٩ [١ / ٣٠٦]. (المؤلف)

٤١٦

ـ يومئذٍ ـ في عينيه وهو أرمد ، فما اشتكاهما من بعدُ ، ولا وجد حَرّاً ولا برداً بعد يوم ذلك ، وهو صاحب يوم الغدير إذْ نوّهَ رسول الله باسمه وألزم أمّته ولايته وعرّفهم بخطره ، وبيَّن لهم مكانه ، فقال :

«أيّها الناس من أولىٰ بكم من أنفسكم ؟» قالوا : الله ورسوله أعلم.

قال : «فمن كنتُ مولاه فهذا عليٌّ مولاه». الكلام.

ـ ٢١ ـ احتجاج عمر بن عبدالعزيز الخليفة الأمويِّ المتوفّىٰ (١٠١)

روى الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء (٥ / ٣٦٤) عن أبي بكر محمد التستري عن يعقوب ، وعن عمر بن محمد السريّ ـ المتوفّىٰ (٣٧٨) ـ عن ابن أبي داود ، قالا : حدّثنا عمر بن شبّة ، عن عيسىٰ ، عن يزيد بن عمر بن مورق قال :

كنت بالشام وعمر بن عبدالعزيز يعطي الناس ، فتقدّمتُ إليه ، فقال لي : ممّن أنت ؟ قلت : من قريش. قال : من أيِّ قريش ؟ قلت : من بني هاشم [قال : من أيّ بني هاشم ؟](١) قال : فسكتُّ. فقال : من أيِّ بني هاشم ؟ قلت : مولىٰ عليّ. قال : من عليّ ؟

فسكتُّ ، قال : فوضع يده علىٰ صدره ، فقال : وأنا والله مولىٰ عليّ بن أبي طالب ـ كرّم الله وجهه.

ثمّ قال : حدّثني عدّة أنَّهم سمِعوا النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه».

ثمّ قال : يا مزاحم(٢) كم تُعطي أمثاله ؟ قال : مائة أو مائتي درهم. قال : أعطه خمسين ديناراً.

___________________________________

(١) ما بين المعقوفين غير موجود في طبعتي (الغدير) ، وأثبتناه من المصدر.

(٢) مزاحم بن أبي مزاحم المكّي مولىٰ عمر بن عبدالعزيز ، وثّقه ابن حبّان [الثقات ٧ / ٥١١]. (المؤلف)

٤١٧

وقال ابن أبي داود : ستّين ديناراً لولايته عليَّ بن أبي طالب. ثمّ قال : إلحق ببلدك ، فسيأتيك مثلُ ما يأتي نظراءك(١).

وأخرجه أبو الفرج في الأغاني(٢) (٨ / ١٥٦) من طريق عمر بن شبّة ، عن عيسى بن عبدالله بن محمد بن عمر بن عليّ ، عن يزيد بن عيسى بن مورق.

وأخرجه ابن عساكر في تاريخه(٣) (٥ / ٣٢٠) عن رزيق القرشيّ المدنيّ مولىٰ أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب.

ورواه الحمّوئي في فرائد السمطين في الباب العاشر(٤) عن شيخه أبي عبدالله بن يعقوب الحنبلي بإسناده عن الحافظ أبي نعيم بالسند واللفظ المذكورين ، وذكره الحافظ جمال الدين الزرندي في نظم درر السمطين(٥) ، والسمهودي في جواهر العقدين(٦) ، عن يزيد بن عمرو بن مرزوق ـ فيه تصحيف.

ـ ٢٢ ـ احتجاج المأمون الخليفة على الفقهاء بحديث الغدير

روىٰ أبو عمر بن عبدربِّه ـ المترجم (ص ١٠٢) ـ في العقد الفريد(٧) (٣ / ٤٢) عن إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل بن حمّاد بن زيد قال : بعث إليّ يحيى بن أكثم وإلىٰ عدّة من أصحابي وهو ـ يومئذٍ ـ قاضي القضاة ، فقال :

___________________________________

(١) في نسخة الحلية أغلاط لاتخفىٰ علىٰ من راجع ، فقد صحّحناها من لفظ الحمّوئي. (المؤلف)

(٢) الأغاني : ٩ / ٣٠١.

(٣) تاريخ مدينة دمشق : ٦ / ٢٥١.

(٤) فرائد السمطين : ١ / ٦٦ ح ٣٢.

(٥) نظم درر السمطين : ص ١١٢.

(٦) جواهر العقدين : الورقة ٣٠٣.

(٧) العقد الفريد : ٥ / ٥٦ ـ ٦١.

٤١٨

إنَّ أمير المؤمنين أمرني أن أُحضر معي غداً مع الفجر أربعين رجلاً ، كلّهم فقيهٌ يفقه ما يُقال له ، ويحسن الجواب ، فسمّوا من تظنّونه يصلح لِما يطلب أمير المؤمنين ، فسمّينا له عدّة ، وذكر هو عدّة ، حتىٰ تمّ العدد الذي أراد ، وكتب تسمية القوم وأمر بالبكور في السحر ، وبعث إلىٰ من يحضر فأمره بذلك ، فغدونا عليه قبل طلوع الفجر ، فوجدناه قد لبس ثيابه وهو جالس ينتظرنا ، فركب وركبنا معه حتىٰ صرنا إلى الباب ، فإذا بخادم واقف ، فلمّا نظر إلينا قال : يا أبا محمد أمير المؤمنين ينتظرك ، فأُدخِلنا ، فأمرنا بالصلاة فأخذنا فيها ، فلم نستتمّها حتىٰ خرج الرسول ، فقال : ادخلوا ، فدخلنا فإذا أمير المؤمنين جالس علىٰ فراشه ... إلىٰ أن قال :

ثمّ قال : إنّي لم أبعث فيكم لهذا ، ولكنّني أحببتُ أن أبسطكم أنَّ أمير المؤمنين أراد مناظرتكم في مذهبه الذي هو عليه ، والذي يدين الله به. قلنا : فليفعل أمير المؤمنين وفّقه الله.

فقال : إنَّ أمير المؤمنين يَدين الله علىٰ أنَّ عليّ بن أبي طالب خير خلفاء الله بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأولى الناس بالخلافة له.

قال إسحاق : فقلت : يا أمير المؤمنين إنَّ فينا من لا يعرف ما ذكر أمير المؤمنين في عليّ ، وقد دعانا أمير المؤمنين للمناظرة.

فقال : يا إسحاق اختر ، إن شئت سألتك أسألك ، وإن شئت أن تسأل فقل.

قال إسحاق : فاغتنمتها منه ، فقلت : بل أسألك يا أمير المؤمنين. قال : سل.

قلت : من أين قال أمير المؤمنين : إنَّ عليّ بن أبي طالب أفضل الناس بعد رسول الله وأحقّهم بالخلافة بعده ؟

قال : يا إسحاق خبِّرني عن الناس بِمَ يتفاضلون ؛ حتىٰ يُقال : فلانٌ أفضل من فلان ؟ قلت : بالأعمال الصالحة. قال : صدقت.

٤١٩

قال : فأخبرني عمّن فضل صاحبه علىٰ عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ثمّ إنَّ المفضول إن عمل بعد وفاة رسول الله بأفضل من عمل الفاضل علىٰ عهد رسول الله أيلحق به ؟ قال : فأطرقت ، فقال لي : يا إسحاق لا تقل : نعم ؛ فإنّك إن قلت : نعم ، أوجدتك في دهرنا هذا من هو أكثر منه جهاداً وحجّاً وصياماً وصلاةً وصدقةً. فقلت : أجل ، يا أمير المؤمنين لا يلحق المفضول علىٰ عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم الفاضل أبداً.

قال : يا إسحاق هل تروي حديث الولاية ؟ قلت : نعم ؛ يا أمير المؤمنين. قال : اروِه ، ففعلت. قال : يا إسحاق أرأيت هذا الحديث هل أوجب علىٰ أبي بكر وعمر ما لم يوجب لهما عليه ؟ قلت : إنَّ الناس ذكروا أنَّ الحديث إنَّما كان بسبب زيد بن حارثة لشيء جرىٰ بينه وبين عليّ ، وأنكر ولاء عليّ ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من كنتُ مولاه فعليّ مولاه ، أللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه».

قال : في أيّ موضع قال هذا ؟ أليس بعد منصرفه من حجّة الوداع ؟ قلت : أجل.

قال : فإنّ قتل زيد بن حارثة قبل الغدير ، كيف رضيتَ لنفسك بهذا ؟!

أخبرني لو رأيت ابناً لك قد أتت عليه خمس عشرة سنة يقول : مولاي مولى ابن عمّي ، أيّها الناس فاعلموا ذلك. أكنت منكراً ذلك عليه تعريفه الناس ما لا ينكرون ولا يجهلون ؟

فقلت : أللّهمّ نعم. قال : يا إسحاق أفتنزِّه ابنك عمّا لا تنزِّه عنه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؟

ويحكم لا تجعلوا فقهاءكم أربابكم ، إنَّ الله ـ جلَّ ذكره ـ قال في كتابه : (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّـهِ ...)(١) ، ولم يصلّوا لهم ولا صاموا ولا زعموا أنَّهم أرباب ، ولكن أمروهم فأطاعوا أمرهم(٢).

___________________________________

(١) التوبة : ٣١.

(٢) أخذنا من الحديث محلّ الحاجة ، وهو طويل غزير الفائدة جدّاً. (المؤلف)

٤٢٠