🚖

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: قلم
الطبعة: ١
الصفحات: ٧١٦
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

وقال : «قومي حديثو عهدٍ بالجاهليّة» ، فنزلت : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) الآية.

هذه كلّها تنمُّ عن نبأ عظيم كان يخشىٰ في بثِّه بوادر أهل النفاق وتكذيبهم ، فالذي كان يحاذره صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويتحقّق به القول بأنّه حابى ابن عمِّه يستدعي أن يكون أمراً يخصُّ أمير المؤمنين ، لا شيئاً يشاركه فيه المسلمون أجمع من النصرة والمحبّة ، وما هو إلّا الأولويّة بالأمر وما جرىٰ مجراها من المعاني.

القرينة الحادية عشرة : جاء في أسانيد متكثِّرة : التعبير عن موقوف يوم الغدير بلفظ النصب ، فمرّ (ص ٥٧) عن عمر بن الخطّاب : نصب رسول الله عليّاً عَلَماً ، و (١٦٥) عن عليّ عليه‌السلام «أمر الله نبيّه أن ينصبني للناس ...» وفي قوله الآخر في رواية العاصمي كما تأتي : «نَصَبني عَلَماً» ، ومرّ (ص ١٩٩) عن الإمام الحسن السبط : «أتعلمون أنَّ رسول الله نصبه يوم غدير خُمّ» و (ص ٢٠٠) عن عبدالله بن جعفر : ونبيّنا قد نصب لأُمّته أفضل الناس وأولاهم وخيرهم بغدير خُمّ ، و (ص ٢٠٨) عن قيس بن سعد : نصبه رسول الله بغدير خمّ ، و (ص ٢١٩) عن ابن عبّاس وجابر : أمر الله محمداً أن ينصب عليّاً للناس ، فيخبرهم بولايته ، و (ص ٢٣١) عن أبي سعيد الخدري : لمّا نصب رسول الله عليّاً يوم غدير خُمّ ، فنادىٰ له بالولاية.

فإنّ هذا اللفظ يعطينا خُبراً بإيجاد مرتبةٍ للإمام عليه‌السلام في ذلك اليوم لم تكن تُعَرف له من قبلُ غير المحبّة والنصرة ، المعلومتين لكلِّ أحد ، والثابتتين لأيّ فرد من أفراد المسلمين ، علىٰ ما ثبت من اطِّراد استعماله في جعل الحكومات وتقرير الولايات ، فيقال : نصب السلطان زيداً والياً على القارّة الفلانيّة ، ولا يقال : نصبه رعيّة له أو محبّاً أو ناصراً أو محبوباً أو منصوراً به علىٰ زنة ما يتساوىٰ به أفراد المجتمع الذين هم تحت سيطرة ذلك السلطان.

مضافاً إلىٰ مجيء هذا اللفظ في غير واحد من الطرق مقروناً بلفظ الولاية أو متلوّاً بكونه للناس أو للأُمّة.

٦٦١

وبذلك كلّه تعرف أنَّ المرتبة المثبتة له هي الحاكميّة المطلقة على الأمّة جمعاء ، وهي معنى الإمامة الملازمة للأولويّة المُدّعاة في معنى المولىٰ ، ويستفاد هذا المعنىٰ من لفظ ابن عبّاس الآخر الذي مرّ (ص ٥١ و ٢١٧) ، قال :

لمّا أُمر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يقوم بعليّ المقام الذي قام به ....

ويُصرِّح بالمعنىٰ المراد ما مرّ (ص ١٦٥) من قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

«إنَّ الله أمر أن أنصب لكم إمامكم والقائم فيكم بعدي ووصيّي وخليفتي ، والذي فرض الله على المؤمنين في كتابه طاعته ، فقرن بطاعته طاعتي ، وأمركم بولايته».

وقوله المذكور (ص ٢١٥) : «فإنّ الله قد نصبه لكم وليّاً وإماماً ، وفرض طاعته علىٰ كلِّ أحد ، ماضٍ حكمه ، جائزٌ قوله».

القرينة الثانية عشرة : ما مرّ (ص ٥٢ و ٢١٧) من قول ابن عبّاس بعد ذكره الحديث : فوجبت والله في رقاب القوم ، في لفظ. وفي أعناق القوم ، في آخر ، فهو يُعطي ثبوت معنىً جديد مستفاد من الحديث غير ما عرفه المسلمون قبل ذلك وثبت لكلِّ فرد منهم ، وأكّد ذلك باليمين وهو معنىً عظيم يلزم الرقاب ، ويأخذ بالأعناق لدة الإقرار بالرسالة ، لم يساوِ الإمام عليه‌السلام فيه غيره ، وليس هو إلّا الخلافة التي امتاز بها من بين المجتمع الإسلامي ، ولا يبارحه معنى الأولويّة.

القرينة الثالثة عشرة : ما أخرجه شيخ الإسلام الحمّوئي في فرائد السمطين عن أبي هريرة قال :

لمّا رجع رسول الله عن حجة الوداع نزلت آية : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ) ولمّا سمع قوله تعالىٰ : (وَاللَّـهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) اطمأنّ قلبه ـ إلى أن قال بعد ذكر الحديث ـ : وهذه آخر فريضة أوجب الله علىٰ عباده ، فلمّا بلّغ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم نزل

٦٦٢

قوله : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) الآية.

يُعطينا هذا اللفظُ خُبراً بأنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صدع في كلمته هذه بفريضة لم يسبقها التبليغ ، ولا يجوز أن يكون ذلك معنى المحبّة والنصرة لسبق التعريف بهما منذ دهر كتاباً وسنّة ، فلم يبقَ إلّا أن يكون معنى الإمامة الذي أخّر أمره حتىٰ تُكتسح عنه العراقيل ، وتُمرّن النفوس بالخضوع لكلِّ وحي يوحىٰ ، فلا تتمرّد عن مثلها من عظيمة تجفل عنها النفوس الجامحة ، وهي الملائمة لمعنى الأَولىٰ.

القرينة الرابعة عشرة : تقدّم (ص ٢٩ و ٣٦) في حديث زيد بن أرقم بطرقه الكثيرة :

إنَّ ختَناً له سأله عن حديث غدير خمّ ، فقال له : أنتم أهل العراق فيكم ما فيكم.

فقلت له : ليس عليك منّي بأس.

فقال : نعم ، كنّا بالجُحفة فخرج رسول الله ....

ومرّ (ص ٢٤) عن عبدالله بن العلاء أنَّه قال للزهري لمّا حدّثه بحديث الغدير : لا تحدّث بهذا بالشام. وأسلفناك (ص ٢٧٣) عن سعيد بن المسيّب أنَّه قال : قلت لسعد بن أبي وقّاص : إنّي أريد أن أسألك عن شيء وإنّي أتّقيك. قال : سل عمّا بدا لك فإنّما أنا عمّك ....

فإنّ الظاهر من هذه كلّها أنَّه كان بين الناس للحديث معنىً لا يأمن معه راويه من أن يصيبه سوءٌ أولدته العداوة للوصيِّ ـ صلوات الله عليه ـ في العراق وفي الشام ، ولذلك إنَّ زيداً اتّقىٰ خَتَنه العراقيّ ، وهو يعلم ما في العراقيِّين من النفاق والشقاق يوم ذاك ، فلم يُبدِ بسرِّه حتىٰ أمن من بوادره ، فحدّثه بالحديث ، وليس من الجائز أن يكون المعنىٰ ـ حينئذٍ ـ هو ذلك المبتذل لكلّ مسلم ، وإنَّما هو معنىً ينوء بعبئه

٦٦٣

الإمام عليه‌السلام بمفرده ، فيفضل بذلك علىٰ من سواه ، وهو معنى الخلافة المتّحدة مع الأولويّة المرادة.

القرينة الخامسة عشرة : احتجاج أمير المؤمنين عليه‌السلام بالحديث يوم الرحبة بعد أن آلت إليه الخلافة ردّاً علىٰ من نازعه فيها ـ كما مرّ (ص ٣٤٤) ـ وإفحام القوم به لمّا شهدوا ، فأيّ حجّة له في المنازعة بالخلافة في المعنى الذي لا يلازم الأولويّة على الناس من الحبِّ والنصرة ؟

القرينة السادسة عشرة : مرّ في حديث الركبان (ص ١٨٧ ـ ١٩١) : أنَّ قوماً منهم أبو أيّوب الأنصاري سلّموا علىٰ أمير المؤمنين عليه‌السلام بقولهم : السلام عليك يا مولانا. فقال عليه‌السلام : «كيف أكون مولاكم وأنتم رهطٌ من العرب ؟»

فقالوا : إنَّا سمعنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه».

فأنت جدّ عليمٍ بأنّ أمير المؤمنين لم يتعجّب أو لم يُرد كشف الحقيقة للملأ الحضور لمعنىً مبذول هو شرع سواء بين أفراد المسلمين ـ وهو أن يكون معنىٰ قولهم : السلامُ عليك يا محبّنا أو ناصرنا ـ لا سيّما بعد تعليل ذلك بقوله : «وأنتم رهط من العرب». فما كانت النفوس العربيّة تستنكف من معنى المحبّة والنصرة بين أفراد جامعتها ، وإنَّما كانت تستكبر أن يخصَّ واحدٌ منهم بالمولويّة عليهم بالمعنى الذي نحاوله ، فلا ترضخ له إلّا بقوّة قاهرة عامّتهم ، أو نصٍّ إلهيّ يُلزم المسلمين منهم ، وما ذلك إلّا معنى الأولى المرادف للإمامة ، والولاية المطلقة التي استحفىٰ عليه‌السلام خبرها منهم ، فأجابوه باستنادهم في ذلك إلىٰ حديث الغدير.

القرينة السابعة عشرة : قد سلفت في (ص ١٩١) إصابة دعوة مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام أُناساً كتموا شهادتهم بحديث الغدير في يومي مناشدة الرحبة والركبان ، فأصابهم العمىٰ والبرص ، والتعرّب بعد الهجرة ، أو آفة أخرىٰ ، وكانوا من الملأ الحضور في مشهد يوم الغدير.

٦٦٤

فهل يجد الباحث مساغاً لاحتمال وقوع هاتيك النقم على القوم ، وتشديد الإمام عليه‌السلام بالدعاء عليهم لمحض كتمانهم معنى النصرة والحبِّ العامّين بين أفراد المجتمع الدينيّ ، فكان من الواجب إذن أن تصيب كثيراً من المسلمين الذين تشاحنوا ، وتلاكموا ، وقاتلوا ، فقمّوا جذوم(١) تَينِك الصفتين ، وقلعوا جذورهما ، فضلاً عن كتمان ثبوتهما بينهم ، لكنّ المنقِّب لا يرىٰ إلّا أنَّهم وُسموا بِشِيَةِ العار ، وأصابتهم الدعوة بكتمانهم نبأً عظيماً يختصّ به هذا المولى العظيم ـ صلوات الله عليه ـ وما هو إلّا ما أصفقت عليه النصوص ، وتراكمت القرائن من إمامته وأولويّته على الناس منهم بأنفسهم.

ثمّ إنَّ نفس كتمانهم للشهادة لا تكون لأمر عاديّ هو شرع سواء بينه وبين غيره ، وإنَّما الواجب أن تكون فيه فضيلة يختصُّ بها ، فكأنّهم لم يرُقْهم أن يتبجّح الإمام بها ، فكتموها ، لكن الدعوة الصالحة فضحتهم بإظهار الحقِّ ، وأبقت عليهم مثلبة لائحة علىٰ جبهاتهم وجنوبهم وعيونهم ما داموا أحياء ، ثمّ تضمّنتها طيّات الكتب فعادت تلوكها الأشداق ، وتتناقلها الألسن حتىٰ يرث الله الأرض ومن عليها.

القرينة الثامنة عشرة : مرّ بإسناد صحيح (ص ١٧٤ و ١٧٥) في حديث مناشدة الرحبة من طريق أحمد والنسائي والهيثمي ومحبّ الدين الطبري :

أنَّ أمير المؤمنين عليه‌السلام لمّا ناشد القوم بحديث الغدير في الرحبة شهد نفر من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأنّهم سمعوه منه.

قال أبو الطفيل : فخرجت وكأنّ في نفسي شيئاً(٢) ، فلقيت زيد بن أرقم ، فقلت له : إنّي سمعت عليّاً رضي‌الله‌عنه يقول : كذا وكذا ، قال : فما تنكر ؟ قد سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول له ذلك.

___________________________________

(١) جمع جذم ، وهو الأصل.

(٢) كذا في لفظ أحمد ، وفي لفظ النسائي : وفي نفسي منه شيء ، وفي لفظ محبّ الدين : وفي نفسي من ريبة شيء. (المؤلف)

٦٦٥

فما الذي تراه يستكبره أو يستنكره أبو الطفيل من ذلك ؟ أهو صدور الحديث ؟ ولا يكون ذلك ؛ لأنّ الرجل شيعيٌّ متفانٍ في حبِّ أمير المؤمنين عليه‌السلام ومن ثقاته ، فلا يشكُّ في حديث رواه مولاه ، لا ، بل هو معناه الطافح بالعظمة ، فكان عجبه من نكوس القوم عنه وهم عرب أقحاح يعرفون اللفظ وحقيقته ، وهم أتباع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحابه ، فاحتمل أنَّه لم يسمعه جلّهم ، أو حجزت العراقيل بينهم وبين ذلك ، فطمّنه زيد بن أرقم بالسماع ، فعلم أنَّ الشهوات حالت بينهم وبين البخوع له ، وما ذلك المعنى المستعظم إلّا الخلافة المساوقة للأولويّة دون غيرها من الحبِّ والنصرة ، وكلٌّ منهما منبسطٌ على أيِّ فرد من أفراد الجامعة الإسلاميّة.

القرينة التاسعة عشرة : سبق أيضاً (ص ٢٣٩ ـ ٢٤٦) حديث إنكار الحارث الفهري معنىٰ قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حديث الغدير ، وشرحنا (ص ٣٤٣) تأكّد عدم التئامه مع غير الأَولىٰ من معاني المولىٰ.

القرينة العشرون : أخرج الحافظ ابن السمّان كما في الرياض النضرة(١) (٢ / ١٧٠) ، وذخائر العقبىٰ للمحبّ الطبري (ص ٦٨) ، ووسيلة المآل للشيخ أحمد بن باكثير المكّي(٢) ، ومناقب الخٰوارزمي(٣) (ص ٩٧) ، والصواعق(٤) (ص ١٠٧) عن الحافظ الدارقطني عن عمر وقد جاءه أعرابيّان يختصمان ، فقال لعليّ : اقض بينهما ، فقال أحدهما : هذا يقضي بيننا ؟ فوثب إليه عمر وأخذ بتلبيبه وقال : ويحك ما تدري من هذا ؟ هذا مولاي ومولىٰ كلّ مؤمن ، ومن لم يكن مولاه فليس بمؤمن.

وعنه وقد نازعه رجل في مسألة ، فقال : بيني وبينك هذا الجالس ، وأشار إلىٰ عليّ بن أبي طالب ، فقال الرجل : هذا الأبطن ؟ فنهض عمر عن مجلسه ، وأخذ بتلبيبه

___________________________________

(١) الرياض النضرة : ٣ / ١١٥.

(٢) وسيلة المآل : ص ١١٩ باب ٤.

(٣) المناقب : ص ١٦٠ ح ١٩١.

(٤) الصواعق المحرقة : ص ١٧٩.

٦٦٦

حتىٰ شاله من الأرض ، ثمّ قال : أتدري من صغّرت ؟ هذا مولاي ومولىٰ كلِّ مسلم.

وفي الفتوحات الإسلاميّة (٣ / ٣٠٧) : حكم عليّ مرّة علىٰ أعرابيّ بحكم ، فلم يرضَ بحكمه ، فتلبّبه عمر بن الخطّاب ، وقال له : ويلك إنَّه مولاك ومولىٰ كلّ مؤمن ومؤمنة.

وأخرج الطبراني : أنَّه قيل لعمر : إنَّك تصنع بعليّ ـ أي من التعظيم ـ شيئاً لا تصنع مع أحد من أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : إنَّه مولاي. وذكره الزرقاني المالكي في شرح المواهب (٧ / ١٣) عن الدارقطني.

فإنّ المولويّة الثابتة لأمير المؤمنين التي اعترف بها عمر علىٰ نفسه وعلى كلِّ مؤمن زِنَة ما اعترف به يوم غدير خمّ ، وشفع ذلك بنفي الإيمان عمّن لا يكون الوصيّ مولاه ، أي لم يعترف له بالمولويّة ، أو لم يكن هو مولىً له أي محبّاً أو ناصراً ، ولكن على حدٍّ ينفي عنه الإيمان إن انتفىٰ عنه ذلك الحبّ والنصرة ، لا ترتبط(١) إلّا مع ثبوت الخلافة له ، فإنّ الحبّ والنصرة العاديّين المندوب إليهما بين عامّة المسلمين لا ينفي بانتفائه الإيمان ، ولا يمكن القول بذلك نظراً إلى ما شجر من الخلاف والتباغض بين الصحابة والتابعين حتىٰ آل في بعض الموارد إلى التشاتم ، والتلاكم ، وإلى المقاتلة ، والمناضلة ، وكان بعضها بمشهد من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلم ينفِ عنهم الإيمان ، ولا غمز القائلون بعدالة الصحابة أجمع في أحد منهم بذلك ، فلم يبق إلّا أن تكون الولاية التي هذه صفتها معناها الإمامة الملازمة للأولوية المقصودة ، سواء أوعز عمر بكلمته هذه إلىٰ حديث الغدير كما تومي إليه رواية الحافظ محبّ الدين الطبري لها في ذيل أحاديث الغدير ، أو أنَّه أرسلها حقيقة راهنة ثابتة عنده من شتّى النواحي.

تذييل :

عزا ابن الأثير في النهاية(٢) (٤ / ٢٤٦) ، والحلبي في السيرة(٣) (٣ / ٣٠٤)

___________________________________

(١) الجملة الفعلية خبر لـ (إنَّ) في قوله السابق أوّل الفقرة : فإنّ المولويّة ....

(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر : ٥ / ٢٢٨.

(٣) السيرة الحلبية : ٣ / ٢٧٧.

٦٦٧

وبعض آخر إلى القيل ، وذكروا أنَّ السبب في قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من كنت مولاه» : أنَّ أُسامة بن زيد قال لعليّ : لست مولاي ، إنَّما مولاي رسول الله ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من كنت مولاه فعليّ مولاه».

إنَّ من روىٰ هذه الرواية المجهولة أراد حطّاً من عظمة الحديث ، وتحطيماً لمنعته فصوّره بصورة مصغّرةٍ لا تعدو عن أن تكون قضيّة شخصيّة ، وحواراً بين اثنين من أفراد الأمّة ، أصلحه رسول الله بكلمته هذه ، وهو يجهل أو يتجاهل عن أنَّه تَخْصمه على تلك المزعمة الأحاديثُ المتضافرة في سبب الإشادة بذلك الذكر الحكيم من نزول آية التبليغ إلىٰ مقدّمات ومقارنات أخرىٰ لا يلتئم شيء منها مع هذه الأكذوبة ، ومثلها الآية الكريمة الناصّة بكمال الدين ، وتمام النعمة ، ورضا الربّ بذلك الهتاف المبين ، وليست هذه العظمة من قيمة الإصلاح بين رجلين تلاحيا ، لكن ذهب على الرجل أنَّه لم يزد إلّا تأكيداً في المعنىٰ وحجّة على الخصم علىٰ تقدير الصحّة.

فهب أنَّ السبب لذلك البيان الواضح هو ما ذكر ، لكنّا نقول : إنَّ ما أنكره أُسامة علىٰ أمير المؤمنين عليه‌السلام من معنى المولىٰ ، وأثبته لرسول الله خاصّة دون أيّ أحد ، لا بدّ أن يكون شيئاً فيه تفضيل لا معنىً ينوء به كلُّ أحد حتىٰ أُسامة نفسه ، ولا تفاضل بين المسلمين من ناحيته في الجملة ، وذلك المعنى المستنكر المثبت لا يكون إلّا الأولويّة أو ما يجري مجراها من معاني المولىٰ.

ونقول : إنَّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا علم أنَّ في أُمّته من لا يلاحي ابن عمّه ويناوئه بالقول ، ويخشىٰ أن يكون له مغبّة وخيمة تؤول إلىٰ مضادّته ، ونصْب العراقيل أمام سيره الإصلاحيّ من بعده ، عقد ذلك المحتشد العظيم فنوّه بموقف وصيّه من الدين ، وزلفته منه ، ومكانته من الجلالة ، وأنَّه ليس لأحد من أفراد الأمّة أن يقابله بشيء من القول أو العمل ، وإنَّما عليهم الطاعة له ، والخضوع لأمره ، والرضوخ لمقامه ، وأنَّه يجري فيهم مجراه من بعده ، فاكتسح بذلك المعاثر عن خطّته ، وألحب السَّنَن إلىٰ

٦٦٨

طاعته ، وقطع المعاذير عن محادّته بخطبته التي ألقاها ، ونحن لم نألُ جُهداً في إفاضة القول في مفاده.

ويشبه هذا ما أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده(١) (٥ / ٣٤٧) وآخرون عن بُريدة قال : غزوت مع عليٍّ اليمن ، فرأيت منه جَفوةً ، فلمّا قدمتُ علىٰ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ذكرت عليّاً فتنقّصتُه ، فرأيت وجه رسول الله يتغيّر ، فقال : «يا بريدة ألستُ أولىٰ بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قلت : بلىٰ يا رسول الله.

قال : من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه».

فكأنّ راوي هذه القصّة كراوي سابقتها أراد تصغيراً من صورة الأمر ، فصبّها في قالب قضيّة شخصيّة ، ونحن لا يهمّنا ثبوت ذلك بعد ما أثبتنا حديث الغدير بطرقه المُرْبية على التواتر ، فإنّ غاية ما هنالك تكريره صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اللفظ بصورة نوعيّة تارة ، وفي صورة شخصيّة أخرىٰ ، لتفهيم بُريدة أنَّ ما حسبه جَفوة من أمير المؤمنين لا يسوغ له الوقيعة فيه علىٰ ما هو شأن الحكّام المفوّض إليهم أمر الرعيّة ، فإذا جاء الحاكم بحكم فيه الصالح العامّ ، ولم يرُقْ ذلك لفرد من السُّوقة ، ليس له أن يتنقّصه ؛ فإنّ الصالح العامّ لا يدحضه النظر الفرديُّ ، ومرتبة الولاية حاكمة على المبتغيات الشخصيّة ، فأراد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يُلزم بُريدة حدّه ، فلا يتعدّىٰ طوره بما أثبته لأمير المؤمنين من الولاية العامّة نظير ما ثبت له صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ألست أولىٰ بالمؤمنين من أنفسهم ؟»

(هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ)(٢)

___________________________________

(١) مسند أحمد : ٦ / ٤٧٦ ح ٢٢٤٣٦.

(٢) آل عمران : ١٣٨.

٦٦٩
٦٧٠

الأحاديث المُفَسِّرة لمعنى المولىٰ والولاية

وقبل هذه القرائن كلّها تفسير رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نفسه معنىٰ لفظه وبعده مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام حذو القذّة بالقذّة.

أخرج القرشيّ عليّ بن حميد في شمس الأخبار(١) (ص ٣٨) ، نقلاً عن سلوة العارفين ـ للموفّق بالله الحسين بن إسماعيل الجرجاني ، والد المرشد بالله ـ بإسناده عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنَّه لمّا سُئل عن معنىٰ قوله : «من كنتُ مولاه فعليّ مولاه» ، قال :

«الله مولاي ؛ أَولىٰ بي من نفسي لا أمرَ لي معه ، وأنا مولى المؤمنين ؛ أَولىٰ بهم من أنفسهم لا أمرَ لهم معي ، ومن كنتُ مولاه أَولىٰ به من نفسه لا أمرَ له معي ، فعليٌّ مولاه أَولىٰ به من نفسه لا أمرَ له معه».

ومرّ في صفحة (٢٠٠) في حديث احتجاج عبدالله بن جعفر علىٰ معاوية قوله : يا معاوية إنّي سمعتُ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول على المنبر وأنا بين يديه ، وعمر بن أبي سلمة ، وأُسامة بن زيد ، وسعد بن أبي وقّاص ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذرّ ، والمقداد ، والزبير بن العوّام ، وهو يقول :

«ألستُ أَولىٰ بالمؤمنين من أنفسهم ؟ فقلنا : بلىٰ يا رسول الله.

___________________________________

(١) مسند شمس الأخبار : ١ / ١٠٢ باب ٧. نقلاً عن الأنوار وأمالي المؤيّد.

٦٧١

قال : أليس أزواجي أمّهاتكم ؟ قلنا : بلىٰ يا رسول الله.

قال : من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه ، أَولىٰ به من نفسه» ، وضرب بيده علىٰ منكب عليّ ، فقال : «أللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه ، أيُّها الناس أنا أَولىٰ بالمؤمنين من أنفسهم ليس لهم معي أمر ، وعليّ من بعدي أولىٰ بالمؤمنين من أنفسهم ليس لهم معه أمر ...» ـ إلىٰ أن قال عبدالله ـ :

ونبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد نصب لأُمّته أفضل الناس وأَولاهم وخيرهم بغدير خُمّ وفي غير موطن ، واحتجّ عليهم به ، وأمرهم بطاعته ، وأخبرهم أنَّه منه بمنزلة هارون من موسىٰ ، وأنَّه وليّ كلّ مؤمن من بعده ، وأنَّه كلُّ من كان هو وليّه فعليّ وليّه ، ومن كان أَولىٰ به من نفسه فعليّ أَولىٰ به ، وأنَّه خليفته فيهم ووصيّه. الحديث.

ومرّ (ص ١٦٥) فيما أخرجه شيخ الإسلام الحمّوئي في حديث احتجاج أمير المؤمنين عليه‌السلام أيّام عثمان قوله : «ثمّ خطب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال :

أيّها الناس أتعلمون أنَّ الله عزّ وجلّ مولاي ، وأنا مولى المؤمنين ، وأنا أَولىٰ بهم من أنفسهم ؟ قالوا : بلىٰ يا رسول الله.

قال : قم يا عليُّ ، فقمت ، فقال : من كنتُ مولاهُ فعليٌّ مولاه ، أللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه.

فقام سلمان ، فقال : يا رسول الله ولاءٌ كمَاذا ؟ قال : ولاءٌ كَوِلاي ؛ من كنتُ أَولىٰ به من نفسه فعليٌّ أَولىٰ به من نفسه».

وسبق (ص ١٩٦) في حديث مناشدة أمير المؤمنين عليه‌السلام يوم صفِّين قوله : ثمّ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أيّها الناس إنَّ الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأَولىٰ بهم من أنفسهم ، من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه ، أللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله.

٦٧٢

فقام إليه سلمان الفارسي ، فقال : يا رسول الله ولاءٌ كماذا ؟ فقال : ولاءٌ كَوِلاي ؛ من كنت أَولىٰ به من نفسه فعليّ أَولىٰ به من نفسه».

وروى الحافظ العاصمي في زين الفتىٰ قال : سُئل عليُّ بن أبي طالب عن قول النبيِّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه». فقال : «نصبني عَلماً إذ أنا قمت ، فمن خالفني فهو ضالٌّ».

يريد عليه‌السلام بالقيام قيامه في ذلك المشهد ـ يوم الغدير ـ لمّا أمره به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليرفعه فيعرِّفه ، وينصبه عَلَماً للأُمّة ، وقد مرّ ذلك (ص ١٥ ، ٢٣ ، ١٦٥ ، ٢١٧) ، وأشار إليه حسّان في ذلك اليوم بقوله :

فقال له قم يا عليُّ فإنّني

رضيتُكَ من بعدي إماماً وهادياً

وفي حديث رواه السيّد الهمداني في مودّة القربىٰ(١) : فقال ـ رسول الله ـ : «معاشر الناس أليس الله أَولىٰ بي من نفسي يأمرني وينهاني ، ما لي على الله أمر ولا نهي ؟ قالوا : بلىٰ يا رسول الله.

قال : من كان الله وأنا مولاه فهذا عليٌّ مولاه ؛ يأمركم وينهاكم ما لكم عليه من أمر ولا نهي ، أللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه ، وانصُر من نصره ، واخذُل من خذله ، أللّهمّ أنت شهيد عليهم ، أنِّي قد بلّغت ونصحت».

وقال الإمام الحافظ الواحدي بعد ذكر حديث الغدير : هذه الولاية التي أثبتها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعليٍّ مسؤولٌ عنها يوم القيامة ، رُوي في قوله تعالىٰ : (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ)(٣) أي عن ولاية عليّ عليه‌السلام والمعنىٰ : أنَّهم يُسألون هل والوه حقّ الموالاة كما أوصاهم النبيُّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أم أضاعوها وأهملوها فتكون عليهم المطالبة والتبعة ؟

___________________________________

(٢) أنظر : المودّة الخامسة.

(٣) الصافّات : ٢٤.

٦٧٣

وذكره وأخرج حديثه شيخ الإسلام الحمّوئي في فرائد السمطين في الباب الرابع عشر(١) ، وجمال الدين الزرندي في نظم درر السمطين(٢) ، وابن حجر في الصواعق(٣) (ص ٨٩) ، والحضرمي في الرشفة (ص ٢٤).

وأخرج الحمّوئي(٤) من طريق الحاكم أبي عبدالله بن البيِّع(٥) عن محمد بن المظفّر قال : حدّثنا عبدالله بن محمد بن غزوان ، حدّثنا عليّ بن جابر ، حدّثنا محمد بن خالد بن عبدالله ، حدّثنا محمد بن فضيل ، حدّثنا محمد بن سوقة عن إبراهيم عن الأسود عن عبدالله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

«أتاني ملك فقال : يا محمد سَلْ من أرسلنا قبلك من رسلنا علىٰ ما بُعثوا ؟

[قال : قلت : علىٰ ما بعثوا ؟ قال](٦) : علىٰ ولايتك وولاية عليّ بن أبي طالب».

وقال(٧) : ورُوي عن عليّ عليه‌السلام أنَّه قال : «جُعلت الموالاة أصلاً من أصول الدين» ، وأخرج(٨) من طريق الحاكم ابن البيِّع : حدّثنا محمد بن عليّ ، حدّثنا أحمد بن حازم ، حدّثنا عاصم بن يوسف اليربوعي ، عن سفيان بن إبراهيم الحرنوي ، عن أبيه ، عن أبي صادق ، قال : قال عليّ :

«أصول الإسلام ثلاثة لا ينفع واحد منها دون صاحبه : الصلاة ، والزكاة ، والموالاة».

ومرّ (ص ٣٨٢) عن عمر بن الخطّاب نفي الإيمان عمّن لا يكون أميرالمؤمنين مولاه.

___________________________________

(١) فرائد السمطين : ١ / ٧٩ ح ٤٧.

(٢) نظم درر السمطين : ص ١٠٩.

(٣) الصواعق المحرقة : ص ١٤٩.

(٤) فرائد السمطين : ١ / ٨١ ح ٥٢.

(٥) معرفة علوم الحديث : ص ٩٦.

(٦) ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.

(٧) و (٨) فرائد السمطين : ١ / ٧٩ ح ٤٨ و ٤٩.

٦٧٤

وقال الآلوسي في تفسيره(١) (٢٣ / ٧٤) في قوله تعالىٰ (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ) بعد عدّ الأقوال فيها :

وأَولىٰ هذه الأقوال أنَّ السؤال عن العقائد والأعمال ، ورأس ذلك لا إله إلّا الله ، ومن أجلّه ولاية عليٍّ كرّم الله تعالى وجهه.

ومن طريق البيهقي عن الحافظ الحاكم النيسابوري بإسناده عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

«إذا جمع الله الأوّلين والآخرين يوم القيامة ، ونصب الصراط علىٰ جسر جهنّم لم يَجُزها أحدٌ إلّا من كانت معه براءة بولاية عليّ بن أبي طالب». وأخرجه محبّ الدين الطبري في الرياض(٢) (٢ / ١٧٢).

ولا يسعنا المجال لذكر ما وقفنا عليه من المصادر الكثيرة المذكور فيها ما ورد في قوله تعالىٰ : (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ) ، وقوله : (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا)(٣) ، وما أخرجه الحفّاظ عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من حديث البراءة والجواز ، فلا أحسب أنَّ ضميرك الحرّ يحكم بملاءمة هذه كلّها مع معنىً أجنبيٍّ عن الخلافة والأولويّة على الناس من أنفسهم ، ويراه مع ذلك أصلاً من أصول الدين ، ويُنفى الإيمان بانتفائه ، ولا يرىٰ صحّة عمل عامل إلّا به.

وهذه الأولويّة المعدودة من أصول الدين والمولويّة التي يُنفى الإيمان بانتفائها ـ كما مرّ في كلام عمر (ص ٣٨٢) ـ صرّح بها عمر لابن عبّاس في كلامه الآخر ، ذكره الراغب في محاضراته(٤) (٢ / ٢١٣) عن ابن عبّاس قال :

كنت أسير مع عمر بن الخطّاب في ليلة وعمر علىٰ بغل وأنا علىٰ فرس ، فقرأ

___________________________________

(١) روح المعاني : ٢٣ / ٨٠.

(٢) الرياض النضرة : ٣ / ١١٦.

(٣) الزخرف : ٤٥.

(٤) محاضرات الأدباء : مج ٢ / ج ٤ / ٤٧٨.

٦٧٥

آية فيها ذكر عليّ بن أبي طالب ، فقال : أما والله يا بني عبدالمطّلب لقد كان عليٌّ فيكم أَولى بهذا الأمر منّي ومن أبي بكر.

فقلت في نفسي : لا أقالني الله إن أَقَلْته ، فقلت : أنت تقول ذلك يا أمير المؤمنين ، وأنت وصاحبك وَثَبْتُما وأفرغتما(١) الأمر منّا دون الناس.

فقال : إليكم يا بني عبدالمطّلب ، أما إنَّكم أصحاب عمر بن الخطّاب ، فتأخّرتُ وتقدّم هنيهة ، فقال : سِر ، لا سرتَ ، وقال : أعد عليّ كلامك.

فقلت : إنَّما ذكرتَ شيئاً فرددتُ عليك جوابه ، ولو سكتَّ سكتنا.

فقال : إنَّا والله ما فعلنا الذي فعلنا عن عداوة ، ولكن استصغرناه ، وخشينا أن لا يجتمع عليه العرب وقريش لِمَا قد وترها.

قال : فأردتُ أن أقول : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يبعثه ، فينطح كبشها ، فلم يستصغره ، أفتستصغره أنت وصاحبك ؟

فقال : لا جرم ، فكيف ترىٰ ؟ والله ما نقطع أمراً دونه ، ولا نعمل شيئاً حتىٰ نستأذنه.

وفي شرح نهج البلاغة(٢) (٢ / ٢٠) قال عمر : يا ابن عبّاس أما والله إنَّ صاحبك هذا لأَولى الناس بالأمر بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلّا أنَّا خفناه على اثنين .... ـ إلىٰ أن قال ابن عبّاس ـ : فقلت : وما هما يا أمير المؤمنين ؟

قال : خفناه علىٰ حداثة سنِّه ، وحبِّه بني عبدالمطّلب ، وفي (٢ / ١١٥) : كرهناه علىٰ حداثة السنِّ وحبِّه بني عبدالمطّلب.

والشهادة بولاية أمير المؤمنين بالمعنى المقصود هي نور وحكمة مودوعة في

___________________________________

(١) في المصدر : وافترعتما.

(٢) شرح نهج البلاغة : ٦ / ٥٠ خطبة ٦٦ و ١٢ / ٨٢ خطبة ٢٢٣.

٦٧٦

قلوب مواليه عليه‌السلام ودونها كانت تُشَدُّ الرحال ، ولتعيين حامل عبئها كانت تبعث الرسل ، كما ورد فيما أخرجه البيهقي في المحاسن والمساوئ(١) (١ / ٣٠) في حديث طويل جرى بين ابن عبّاس ورجل من أهل الشام من حمص ففيه :

قال الشاميّ : يا ابن عبّاس إنَّ قومي جمعوا لي نفقة ، وأنا رسولهم إليك وأمينهم ، ولا يسعك أن تردّني بغير حاجتي ، فإنّ القوم هالكون في أمر عليّ ، ففرّج عنهم فرّج الله عنك.

فقال ابن عبّاس : يا أخا أهل الشام إنَّ مَثَل عليٍّ في هذه الأمّة في فضله وعلمه كمثل العبد الصالح الذي لقيه موسىٰ عليه‌السلام ـ ثمّ ذكر حديث أمّ سلمة ، وفيه لعليٍّ فضائل جمّة ـ فقال الشاميّ يا ابن عبّاس ملأتَ صدري نوراً وحكمةً ، وفرّجتَ عنّي فرّج الله عنك ، أشهد أنَّ عليّاً رضي‌الله‌عنه مولاي ومولىٰ كلّ مؤمن ومؤمنة.

(وَهَـٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ)(٢)

___________________________________

(١) المحاسن والمساوئ : ص ٤٣ ـ ٤٥.

(٢) الأنعام : ١٢٦.

٦٧٧
٦٧٨

كلمات حول مفاد الحديث للأعلام الأئمّة في تآليفهم

لقد تمخّضت الحقيقة عن معنى المولىٰ ، وظهرت بأجلىٰ مظاهرها ؛ بحيث لم يبقَ للخصم مُنتَدَح عن الخضوع لها ، إلّا من يبغي لِداداً ، أو يرتاد انحرافاً عن الطريقة المُثلى ، ولقد أوقَفَنا السير علىٰ كلمات دُرِّية لجمع من العلماء حداهم التنقيب إلىٰ صُراح الحقّ ، فلهجوا به غير آبهين بما هنالك من جلبة ولغط ، فإليك عيون ألفاظهم :

١ ـ قال ابن زولاق الحسن بن إبراهيم ، أبو محمد المصريّ : المتوفّىٰ (٣٨٧) في تاريخ مصر :

وفي ثمانية عشر من ذي الحجّة سنة (٣٦٢) ـ وهو يوم الغدير ـ تجمّع خلق من أهل مصر والمغاربة ومن تبعهم للدعاء ؛ لأنّه يوم عيد ؛ لأنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عهد إلىٰ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب فيه واستخلفه(١).

يعرب هذا الكلام عن أنَّ ابن زولاق ـ وهو ذلك العربيّ المتضلِّع ـ لم يفهم من الحديث إلّا المعنى الذي نرتئيه ، ولم ير ذلك اليوم إلّا يوم عهدٍ إلىٰ أمير المؤمنين واستخلاف.

___________________________________

(١) وحكاه عنه المقريزي في الخطط : ٢ / ٢٢٢ [١ / ٣٨٩]. (المؤلف)

٦٧٩

٢ ـ قال الإمام أبو الحسن الواحديّ : المتوفّىٰ (٤٦٨) بعد ذكر حديث الغدير : هذه الولاية التي أثبتها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعليّ مسؤول عنها يوم القيامة.

راجع تمام العبارة (ص ٣٨٧).

٣ ـ قال حجّة الإسلام أبو حامد الغزالي : المتوفّىٰ (٥٠٥) في كتابه سرّ العالمين(١) (ص ٩) :

اختلف العلماء في ترتيب الخلافة وتحصيلها لمن آل أمرها إليه ، فمنهم من زعم أنَّها بالنصّ ، ودليلهم في المسألة قوله تعالىٰ : (قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّـهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)(٢) وقد دعاهم أبو بكر رضي‌الله‌عنه بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى الطاعة فأجابوا ، وقال بعض المفسِّرين في قوله تعالىٰ : (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا)(٣) قال في الحديث : إنَّ أباكِ هو الخليفة من بعدي يا حُميراء. وقالت امرأة : إذا فقدناك فإلىٰ من نرجع ؟ فأشار إلىٰ أبي بكر. ولأنّه أمَّ بالمسلمين(٤) علىٰ بقاء رسول الله ، والإمامة عماد الدين.

هذا جملةُ ما يتعلّق به القائلون بالنصوص ، ثمّ تأوّلوا وقالوا : لو كان عليٌّ أوّل الخلفاء لانسحب عليهم ذيل الفناء ، ولم يأتوا بفتوح ولا مناقب ، ولا يقدح في كونه رابعاً ، كما لا يقدح في نبوّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا كان آخراً ، والذين عدلوا عن هذا الطريق زعموا أنَّ هذا وما يتعلّق به فاسد وتأويل بارد جاء علىٰ زعمكم وأهويتكم ، وقد وقع

___________________________________

(١) لا شكّ في نسبة الكتاب إلى الغزالي ، فقد نصّ عليه الذهبي في ميزان الاعتدال [١ / ٥٠٠ رقم ١٨٧٢] في ترجمة الحسن بن صباح الإسماعيلي ، وينقل عنه قصّته ـ وصرّح بها سبط ابن الجوزي في التذكرة : ص ٣٦ [ص ٦٢] ـ وشطراً من الكلام المذكور. (المؤلف)

(٢) الفتح : ١٦ .

(٣) التحريم : ٣.

(٤) كذا في المصدر.

٦٨٠