الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: قلم
الطبعة: ١
الصفحات: ٧١٦
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

وروى الطبريّ(١) بأربعة أسانيد عن عائشة : من زعم أنَّ محمداً صلى‌الله‌عليه‌وسلم كتم شيئاً من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية ، والله يقول : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ).

وما كانت عائشة بقولها في صدد بيان سبب النزول ، وإنَّما احتجّت بالآية الكريمة علىٰ أنَّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد أغرق نزعاً بالتبليغ ، ولم يدَعْ آية من الكتاب إلّا وبثّها ، وهذا ما لا يُشَكّ فيه ، ونحن نقول به قبل هذه الآية وبعدها.

وأمّا ما حشده الرازي في تفسيره(٢) (٣ / ٦٣٥) من الوجوه العشرة(٣) ـ وجعل نصَّ الغدير عاشرها ، وقصّة الأعرابيّ المذكور في تفسير الطبريّ ثامنها ، وهيبة قريش مع زيادة اليهود والنصارىٰ تاسعها ، وقد عرفت حقّ القول فيهما ـ فهي مراسيل مقطوعة عن الإسناد غير معلومة القائل ، ولذا عُزي جميعها في تفسير نظام الدين

___________________________________

(١) جامع البيان : مج ٤ / ج ٦ / ٣٠٨.

(٢) التفسير الكبير : ١٢ / ٤٩.

(٣) ١ ـ نزلت في قصّة الرجم والقِصاص علىٰ ما تقدّم في قصّة اليهود.

٢ ـ نزلت في عيب اليهود واستهزائهم بالدين.

٣ ـ لمّا نزلت آية التخيير ، وهي قوله : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ ...) الآية ، فلم يَعْرِضْها عليهنّ خوفاً من اختيارهنّ الدنيا.

٤ ـ نزلت في أمر زيد وزينب.

٥ ـ نزلت في الجهاد ، فإنّه كان يمسك أحياناً عن حثّ المنافقين على الجهاد.

٦ ـ لمّا سكت النبيّ عن عيب آلهة الوثنيّين فنزلت.

٧ ـ لمّا قال في حجّة الوداع ـ بعد بيان الشرائع والمناسك ـ : «هل بلّغتُ ؟».

قالوا : نعم.

قال : «اللّهمّ فاشهد». فنزلت الآية.

٨ ـ نزلت في أعرابيّ أراد قتله وهو نائم تحت شجرة.

٩ ـ كان يهاب قريشاً واليهود والنصارىٰ ، فأزال الله عن قلبه تلك الهيبة بالآية.

١٠ ـ نزلت في قصّة الغدير.

هذه ملخّص الوجوه التي ذكرها. (المؤلف)

٤٤١

النيسابوريّ(١) إلى القيل ، وجعل ما رُوي في نصِّ الولاية أوّل الوجوه ، وأسنده إلى ابن عبّاس والبراء بن عازب وأبي سعيد الخُدريّ ومحمد بن عليّ عليهما‌السلام.

والطبريّ الذي هو أقدم وأعرف بهذه الشؤون أهملها رأساً ، وهو وإن لم يذكر حديث الولاية ـ أيضاً ـ لكنّه أفرد له كتاباً أخرجه فيه بنيِّف وسبعين طريقاً ، كما سبق ذكرُه وذكرُ من عزاه إليه في هذا الكتاب ، وروىٰ هناك نزول الآية ـ عندئذٍ ـ بإسناده عن زيد بن أرقم ، والرازي نفسه لم يعتبر منها إلّا ما زاد علىٰ رواية الطبريّ في تاسع الوجوه من التهيّب من اليهود والنصارىٰ ، وستقف علىٰ حقيقة الحال فيه.

فهي غير صالحة للاعتماد عليها ، ولا ناهضة لمجابهة الأحاديث المعتبرة السابق ذكرها التي رواها من قدّمنا ذكرهم من أعاظم العلماء كالطبريّ ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وابن عساكر ، وأبي نعيم ، وأبي إسحاق الثعلبيّ ، والواحديّ ، والسجستانيّ والحَسكانيّ ، والنطنزيّ ، والرسعنيّ وغيرهم بأسانيد جمّة ، فما ظنّك بحديث يعتبره هؤلاء الأئمّة ؟

علىٰ أنَّ اللائح علىٰ غير واحد من الوجوه ـ [مع] لوائح الافتعال السائد عليها ـ عدم التلاؤم بين سياق الآية وسبب النزول ، فلا يعدو جميعها أن يكون تفسيراً بالرأي ، أو استحساناً من غير حجّة ، أو تكثيراً لِلَّغط أمام حديث الولاية ، فتّاً في عضده ، وتخذيلاً عن تصديقه ، ويأبى الله إلّا أن يتمّ نوره.

قال الرازي(٢) بعد عدّ الوجوه :

إعلم أنَّ هذه الروايات وإن كثرت ، إلّا أنَّ الأولىٰ حمله علىٰ أنَّه تعالىٰ آمنه من مكر اليهود والنصارىٰ وأمره بإظهار التبليغ من غير مبالاة منه بهم ؛ وذلك لأنّ ما قبل هذه الآية بكثير وما بعدها بكثير ، لمّا كان كلاماً مع اليهود والنصارىٰ امتنع إلقاء هذه

___________________________________

(١) غرائب القرآن : ٦ / ١٩٤.

(٢) التفسير الكبير : ١٢ / ٥٠.

٤٤٢

الآية الواحدة في البين علىٰ وجه تكون أجنبيّة عمّا قبلها وما بعدها. انتهىٰ .

وأنت ترىٰ أنَّ ترجيحه لهذا الوجه مجرّد استنباط منه بملاءمة سياق الآيات من غير استناد إلىٰ أيّة رواية ، ونحن إذا علمنا أنَّ ترتيب الآيات في الذكر غير ترتيبها في النزول نوعاً ، فلا يهمّنا مراعاة السياق تجاه النقل الصحيح ، وتزيد إخباتاً إلىٰ ذلك بملاحظة ترتيب نزول السور المخالف لترتيبها في القرآن ، والآيات المكية في السّور المدنيّة وبالعكس ، قال السيوطي في الإتقان(١) (١ / ٢٤) :

فصلٌ : الإجماع والنصوص المترادفة علىٰ أنَّ ترتيب الآيات توقيفيّ لا شبهة في ذلك ، أمّا الإجماع فنقله غير واحد منهم : الزركشي في البرهان(٢) ، وأبو جعفر بن الزبير في مناسباته ، وعبارته : ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين.

ثمّ ذكر نصوصاً علىٰ أنَّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يلقِّن أصحابه ويعلِّمهم ما نزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا بتوقيف جبرئيل إيّاه علىٰ ذلك ، وإعلامه عند نزول كلّ آية : أنَّ هذه الآية تكتب عقب آية كذا في سورة كذا. انتهىٰ.

علىٰ أنَّ طبع الحال يستدعي أن يكون تهيّبه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من اليهود والنصارىٰ في أُولَيات البعثة ، وعلىٰ فرض التنازل بعد الهجرة بيسير ، لا في أُخريات أيّامه التي كان يهدِّد فيها دول العالم ، وتهابه الأُمم ، وقد فتح خيبر ، واستأصل شأفة بني قريضة والنضير ، وعنت له الوجوه ، وخضعت له الرقاب طوعاً وكرهاً ، وفيها كانت حجّة الوداع التي نزلت فيها الآية ، كما عرفت ذلك من الأحاديث السابقة ، ويعلمنا القرطبي في تفسيره(٣) (٦ / ٣٠) بالإجماع علىٰ أنَّ سورة المائدة مدنيّة ثمّ نقل عن النقّاش نزولها

___________________________________

(١) الإتقان في علوم القرآن : ١ / ١٧٢.

(٢) تفسير البرهان : ١ / ٦٤.

(٣) الجامع لأحكام القرآن : ٦ / ٢٢.

٤٤٣

في عام الحديبيّة سنة (٦) ، فأتبعه بالنقل عن ابن العربي : بأنّ هذا حديثٌ موضوعٌ لا يحلُّ لمسلم اعتقاده ... إلىٰ أن قال :

ومن هذه السورة ما نزل في حجّة الوداع ، ومنها ما نزل عام الفتح ، وهو قوله تعالىٰ : (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ ...)(١) الآية. وكلُّ ما نزل بعد هجرة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فهو مدني ، سواءٌ نزل بالمدينة أو في سفر من الأسفار ، إنَّما يرسم بالمكّي ما نزل قبل الهجرة.

وقال الخازن في تفسيره(٢) (١ / ٤٤٨) : سورة المائدة نزلت بالمدينة إلّا قوله تعالىٰ : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) فإنّها نزلت بعرفة في حجّة الوداع.

وأخرجا ـ القرطبي والخازن ـ عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قوله في حجّة الوداع : إنَّ سورة المائدة من آخر القرآن نزولاً.

وقال السيوطي في الإتقان(٣) (١ / ٢٠) : عن محمد بن كعب من طريق أبي عبيد : إنَّ سورة المائدة نزلت في حجّة الوداع فيما بين مكّة والمدينة.

وفي (١ / ١١) : عن فضائل القرآن لابن الضريس ، عن محمد بن عبدالله بن أبي جعفر الرازي ، عن عمرو بن هارون ، عن عثمان بن عطا الخراساني ، عن أبيه ، عن ابن عبّاس :

إنَّ أوّل ما أُنزل من القرآن : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) ثمَّ (ن) ثمَّ (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) إلىٰ أن عدَّ الفتح ، ثمّ المائدة ، ثمّ البراءة ، فجعل البراءة آخر سورة نزلت المائدة قبلها.

وروى ابن كثير في تفسيره (٢ / ٢) عن عبدالله بن عمر : أنَّ آخر سورة أُنزِلت

___________________________________

(١) المائدة : ٢.

(٢) تفسير الخازن : ١ / ٤٢٩.

(٣) الإتقان في علوم القرآن : ١ / ٥٢ و ٢٦.

٤٤٤

سورة المائدة والفتح ـ يعني سورة النصر ـ ونقل من طريق أحمد والحاكم والنسائي عن عائشة : أنَّ المائدة آخر سورة نزلت.

وبهذه كلّها تعرف قيمة ما رواه القرطبي في تفسيره(١) (٦ / ٢٤٤) ، وذكره السيوطي في لباب النقول(٢) (ص ١١٧) من طريق ابن مردويه والطبراني عن ابن عبّاس من أنَّ أبا طالب كان يرسل كلَّ يوم رجالاً من بني هاشم يحرسون النبيّ حتىٰ نزلت هذه الآية (وَاللَّـهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) ، فأراد أن يرسل معه من يحرسه ، فقال : «يا عمّ إنَّ الله عصمني من الجن والإنس».

فإنّه يستدعي أن تكون الآية مكية ، وهو أضعف من أن يقاوم الأحاديث المتقدّمة والإجماع الآنف ونصوص المفسِّرين.

ذيلٌ في المقام :

قال القرطبي في تفسيره(٣) (٦ / ٢٤٢) في قوله تعالىٰ : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ) :

هذا تأديب للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وتأديب لحَمَلة العلم من أمّته ألّا يكتموا شيئاً من أمر شريعته ، وقد علم الله تعالىٰ من أمر نبيّه أنَّه لا يكتم شيئاً من وحيه ، وفي صحيح مسلم(٤) عن مسروق عن عائشة أنَّها قالت : من حدّثك أنَّ محمداً صلى‌الله‌عليه‌وسلم كتم شيئاً من الوحي فقد كذب ، والله تعالى يقول : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ) الآية.

وقبّح الله الروافض حيث قالوا : إنَّه عليه‌السلام كتم شيئاً ممّا أَوحى الله إليه كان بالناس حاجة إليه. انتهىٰ.

___________________________________

(١) الجامع لأحكام القرآن : ٦ / ١٥٨.

(٢) لباب النقول في أسباب النزول : ص ٨٣.

(٣) الجامع لأحكام القرآن : ٦ / ١٥٧.

(٤) صحيح مسلم : ١ / ٢٠٨ ح ٢٨٧ كتاب الإيمان.

٤٤٥

وزاد القسطلاني في إرشاد الساري(١) (٧ / ١٠١) ضغثاً علىٰ إبّالة فقال : قالت الشيعة : إنَّه قد كتم أشياء علىٰ سبيل التقيّة.

وليتهما أوعزا إلىٰ مصدر هذه الفِرْية على الشيعة من عالم ذكرها ، أو مؤلَّف تضمّنها ، أو فرقة تنتحلها ، نعم لم يجدا شيئاً من ذلك ، بل حَسِبا أنَّهما مصدَّقان في كلِّ ما ينبزان به أمّةً من الأُمم علىٰ أيّ حال ، أو أنَّه ليس للشيعة تآليف محتوية علىٰ معتقداتهم هي مقاييس في كلّ ما يُعزىٰ إليهم ، أو أنَّ جيلهم المستقبل لا ينتج رجالاً يناقشون المفترين الحساب ، فمن هنا وهنا راقهما تشويه سمعة الشيعة ، كما راق غيرهم ، فتحرَّوا الوقيعة فيهم بالمفتريات ؛ ليثيروا عليهم عواطف ، ويخذِّلوا عنهم أُمماً ، فحدّثوا عنهم كما يحدِّثون عن الأُمم البائدة الذين لا مُدافع عنهم ، والشيعة لم تجرؤ قطُّ علىٰ قُدس صاحب الرسالة بإسناد كتمان ما يجب عليه تبليغه إليه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلّا أن يكون للتبليغ ظرف معيّن ، فما كان يسبق الوحي الإلٰهي بتقديم المظاهرة به قبل ميعاده.

أللّهمّ إن كانا ـ الرجلان ـ يُمعِنان النظر في أقاويل أصحابهم المقولة في الآية الكريمة من الوجوه العشرة التي ذكرها الرازي لَوقفا علىٰ قائل ما قذفا الشيعة به ، فإنَّ منهم من يقول : إنَّ الآية نزلت في الجهاد ، فإنَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يُمسك أحياناً من حثِّ المنافقين على الجهاد.

وآخر منهم يقول : إنَّها نزلت لمّا سكت النبيّ عن عيب آلهة الوثنيِّين !.

وثالث يقول : كتم آية التخيير عن أزواجه ـ كما مرّ (ص ٢٢٥) ـ فنزول الآية علىٰ هذه الوجوه ينبئ عن قعود النبيّ عمّا أُرسِل إليه ، حاشا نبيّ العظمة والقداسة.

(وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ * وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ)(٢)

___________________________________

(١) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري : ١٠ / ٢١٠.

(٢) الحاقّة : ٤٨ ـ ٤٩.

٤٤٦

إكمال الدين بالولاية

ومن الآيات النازلة يوم الغدير في أمير المؤمنين عليه‌السلام قوله تعالىٰ :

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)(١)

أصفقت الإماميّة عن بَكْرَةِ أبيهم علىٰ نزول هذه الآية الكريمة حول نصّ الغدير بعد إصحار النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بولاية مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام بألفاظ دُرِّيّة صريحة ، تتضمّن نصّاً جليّاً عرفته الصحابة وفهمته العرب ، فاحتجَّ به من بلغه الخبر ، وصافق الإماميّة علىٰ ذلك كثيرون من علماء التفسير وأئمّة الحديث وحفظة الآثار من أهل السنّة ، وهو الذي يساعده الاعتبار ويؤكِّده النقل الثابت في تفسير الرازي(٢) (٣ / ٥٢٩) عن أصحاب الآثار :

أنَّه لَمّا نزلت هذه الآية على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يُعمَّر بعد نزولها إلّا أحداً وثمانين يوماً ، أو اثنين وثمانين. وعيّنه أبو السعود في تفسيره(٣) بهامش تفسير الرازي (٣ / ٥٢٣).

وذكر المؤرِّخون منهم(٤) : أنَّ وفاته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الثاني عشر من ربيع الأوّل ، وكأنّ فيه تسامحاً بزيادة يوم واحد على الاثنين وثمانين يوماً بعد إخراج يومي الغدير والوفاة ، وعلىٰ أيٍّ فهو أقرب إلى الحقيقة من كون نزولها يوم عرفة ، كما جاء في صحيحي البخاري ومسلم(٥) وغيرهما لزيادة الأيّام حينئذٍ ، علىٰ أنَّ ذلك معتضدٌ

___________________________________

(١) المائدة : ٣ .

(٢) التفسير الكبير : ١١ / ١٣٩.

(٣) إرشاد العقل السليم إلىٰ مزايا القرآن الكريم : ٣ / ٧.

(٤) راجع تاريخ الكامل : ٢ / ١٣٤ [٢ / ٩ حوادث سنة ١١ ه‍] ، وإمتاع المقريزي : ص ٥٤٨ ، وتاريخ ابن كثير : ٦ / ٣٣٢ [البداية والنهاية : ٦ / ٣٦٥ حوادث سنة ١١ ه‍] وعدّه مشهوراً ، والسيرة الحلبيّة : ٣ / ٣٨٢ [٣ / ٣٥٣]. (المؤلف)

(٥) صحيح البخاري : ٤ / ١٦٠٠ ح ٤١٤٥ ، صحيح مسلم : ٥ / ٥١٧ ح ٣ كتاب التفسير.

٤٤٧

بنصوصٍ كثيرة لا محيص عن الخضوع لمفادها ، فإلى الملتقىٰ :

١ ـ الحافظ أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ : المتوفّىٰ (٣١٠).

روىٰ في كتاب الولاية بإسناده عن زيد بن أرقم نزول الآية الكريمة يوم غدير خُمّ في أمير المؤمنين عليه‌السلام في الحديث الذي مرّ (ص ٢١٥).

٢ ـ الحافظ ابن مردويه الأصفهانيّ : المتوفّىٰ (٤١٠) ، روىٰ من طريق أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخُدريّ :

أنَّها نزلت علىٰ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم غدير خُمّ حين قال لعليٍّ : «من كنتُ مولاه فعليّ مولاه».

ثمّ رواه عن أبي هريرة ، وفيه : أنَّه اليوم الثامنَ عشَرَ من ذي الحجّة ؛ يعني مرجعه عليه‌السلام من حجّة الوداع. تفسير ابن كثير (٢ / ١٤).

وقال السيوطي في الدرّ المنثور(١) (٢ / ٢٥٩) : أخرج ابن مردويه وابن عساكر(٢) بسند ضعيف عن أبي سعيد الخُدري قال :

لمّا نصب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عليّاً يوم غدير خُمّ ، فنادىٰ له بالولاية هبط جبرئيل عليه بهذه الآية (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ).

وأخرج ابن مردويه والخطيب(٣) وابن عساكر(٤) بسند ضعيف(٥) عن أبي

___________________________________

(١) الدرّ المنثور : ٣ / ١٩.

(٢) تاريخ مدينة دمشق : ١٢ / ٢٣٧ ، وفي ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب من تاريخ دمشق ، ـ الطبعة المحقّقة ـ : ٢ / ٨٥ ح ٥٨٨.

(٣) تاريخ بغداد : ٨ / ٢٩٠ رقم ٤٣٩٢.

(٤) تاريخ مدينة دمشق : ١٢ / ٢٣٥ ، وفي ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب من تاريخ دمشق ، ـ الطبعة المحقّقة ـ : ٢ / ٧٦ ح ٥٧٧.

(٥) ستعرف صحّته في صوم الغدير ، وأنَّ تضعيفه تحكّم ، والحديث واضح ، ورجال إسناده كلّهم ثقات. (المؤلف)

٤٤٨

هريرة قال : لمّا كان غدير خُمّ ـ وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة ـ قال النبيُّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم :

«من كنتُ مولاه فعليّ مولاه» ، فأنزل الله (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ).

وروىٰ عنه في الإتقان(١) (١ / ٣١) ـ طبع سنة (١٣٦٠) ـ بطريقيه.

وذكر البَدَخشي في مفتاح النجا(٢) عن عبدالرزّاق الرسعني ، عن ابن عبّاس ما مرّ (ص ٢٢٠).

ثمّ قال : وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخُدري رضي‌الله‌عنه مثله ، وفي آخره :

فنزلت (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) الآية ، فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الله أكبر علىٰ إكمال الدين ، وإتمام النعمة ، ورضا الربّ برسالتي ، والولاية لعليّ بن أبي طالب».

ونقله بهذا اللفظ عن تفسيره الإربلي في كشف الغمّة(٣) (ص ٩٥).

وقال القطيفي في الفرقة الناجية : روىٰ أبو بكر بن مردويه الحافظ بإسناده إلىٰ أبي سعيد الخُدريّ :

أنَّ النبيَّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم دعا الناس إلىٰ غدير خُمّ أمر بما كان تحت الشجرة من شوك فقُمَّ ، وذلك يوم الخميس ودعا الناس إلىٰ عليٍّ ، فأخذ بضَبْعيه(٤) ، فرفعهما حتىٰ نظر الناس إلىٰ بياض إبط رسول الله ، فلم يفترقا حتىٰ نزلت هذه الآية : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) ، فقال ... إلىٰ آخر ما يأتي عن أبي نعيم الأصبهاني حرفياً.

٣ ـ الحافظ أبو نعيم الأصبهانيّ : المتوفّىٰ (٤٣٠).

روىٰ في كتابه ما نزل من القرآن في عليّ(٥) قال :

___________________________________

(١) الإتقان : ١ / ٥٣.

(٢) مفتاح النجا : الورقة ٣٤ باب ٣ فصل ١١.

(٣) كشف الغمّة : ١ / ٣٣٠.

(٤) مثنّىٰ ضبع ، وهو وسط العَضُد أو العَضُد كلّها.

(٥) ما نزل من القرآن في عليّ عليه‌السلام : ص ٥٦.

٤٤٩

حدّثنا محمد بن أحمد بن عليّ بن مخلد المحتسب ، المتوفّىٰ (٣٥٧) ، قال : حدّثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، قال : حدّثني يحيى الحِمّاني ، قال : حدّثني قيس بن الربيع ، عن أبي هارون العبدي ، عن أبي سعيد الخُدري رضي‌الله‌عنه :

أنَّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم دعا الناس إلىٰ عليٍّ في غدير خُمّ وأمر بما تحت الشجرة من الشوك فقُمّ ، وذلك يوم الخميس ، فدعا عليّاً ، فأخذ بضَبعيه ، فرفعهما حتىٰ نظر الناس إلىٰ بياض إبطي رسول الله ، ثمّ لم يتفرّقوا حتىٰ نزلت هذه الآية : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) الآية. فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الله أكبر علىٰ إكمال الدين ، وإتمام النعمة ، ورضا الربّ برسالتي وبالولاية لعليٍّ عليه‌السلام من بعدي.

ثمّ قال : من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه ، أللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه ، وانصُرْ من نَصَره ، واخذُلْ من خَذَله».

فقال حسّان : ائذن لي يا رسول الله أن أقول في عليٍّ أبياتاً تسمعهنّ. فقال : «قُل علىٰ بركة الله».

فقام حسّان ، فقال : يا معشر مشيخة قريش أُتبعها قولي بشهادة من رسول الله في الولاية ماضية. ثمّ قال :

يُناديهمُ يومَ الغديرِ نَبيُّهُمْ

بخُمٍّ فَأَسْمِعْ بالرسول مناديا

يقول فمَن مولاكُمُ ووَليُّكُم

فقالوا ولم يُبدوا هناك التعاميا

إلٰهك مولانا وأنت وليُّنا

ولم تَرَ منّا في الولاية عاصيا

فقال له قم يا عليُّ فإنّني

رَضِيتُك منْ بعدي إماماً وهاديا

فمَن كنتُ مولاهُ فهذا وليُّه

فكونوا له أنصارَ صدقٍ مَواليا

هناك دعا أللّهمّ والِ وليَّه

وكُن للذي عادىٰ عليّاً مُعاديا

وبهذا اللفظ رواه الشيخ التابعي سُلَيم بن قيس الهلالي في كتابه(١) ، عن أبي

___________________________________

(١) كتاب سُلَيم بن قيس : ٢ / ٨٢٨ ح ٣٩.

٤٥٠

سعيد الخُدري ، قال :

إنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعا الناس بغدير خمّ ، فأمر بما كان تحت الشجر من الشوك فقمّ ، وكان ذلك يوم الخميس ، ثمّ دعا الناس إليه ، وأخذ بضَبْعِ عليّ بن أبي طالب ، فرفعها حتىٰ نظرتُ إلىٰ بياض إبط رسول الله. الحديث بلفظه.

٤ ـ الحافظ أبو بكر الخطيب البغداديّ : المتوفّىٰ (٤٦٣).

روىٰ في تاريخه (٨ / ٢٩٠) عن عبدالله بن عليّ بن محمد بن بشران ، عن الحافظ عليّ بن عمر الدارقطني ، عن حبشون الخلّال ، عن عليّ بن سعيد الرملي ، عن ضمرة ، عن ابن شوذب ، عن مطر الورّاق ، عن ابن حوشب ، عن أبي هريرة ، عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

وعن أحمد بن عبدالله النيري ، عن عليِّ بن سعيد ، عن ضمرة ، عن ابن شوذب ، عن مطر ، عن ابن حوشب ، عن أبي هريرة ، عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنَّه قال :

«من صام يوم الثامن عشَرَ من ذي الحجّة كُتب له صيام ستّين شهراً» ، وهو يوم غدير خُمّ لمّا أخذ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بيد عليّ بن أبي طالب ، فقال : «ألستُ أولىٰ بالمؤمنين ؟ قالوا : بلىٰ يا رسول الله. قال : من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه».

فقال عمر بن الخطّاب : بخٍ بخٍ يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولىٰ كلِّ مسلم. فأنزل الله (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) الآية.

٥ ـ الحافظ أبو سعيد السجستانيّ : المتوفّىٰ (٤٧٧).

في كتاب الولاية بإسناده عن يحيى بن عبدالحميد الحِمّاني الكوفي ، عن قيس ابن الربيع ، عن أبي هارون ، عن أبي سعيد الخُدري :

أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا دعا الناس بغدير خُمّ أمر بما كان تحت الشجرة من الشوك فقُمّ وذلك يوم الخميس ... إلىٰ آخر اللفظ المذكور بطريق أبي نعيم الأصبهاني.

٤٥١

٦ ـ أبو الحسن ابن المغازليّ ، الشافعيّ : المتوفّىٰ (٤٨٣).

روىٰ في مناقبه(١) عن أبي بكر أحمد بن محمد بن طاوان ، قال : أخبرنا أبو الحسين أحمد بن الحسين بن السمّاك ، قال : حدّثني أبو محمد جعفر بن محمد بن نصير الخلدي ، حدّثني عليّ بن سعيد بن قتيبة الرملي ، قال : حدّثني ضمرة بن ربيعة القرشي ، عن ابن شوذب ، عن مطر الورّاق ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي هريرة ... إلىٰ آخر اللفظ المذكور بطريق الخطيب البغدادي.

العمدة(٢) (ص ٥٢). وذكره جمع آخرون.

٧ ـ الحافظ أبو القاسم الحاكم الحسكانيّ : المترجم (ص ١١٢).

قال(٣) : أخبرنا أبو عبدالله الشيرازي ، قال : أخبرنا أبو بكر الجرجرائي ، قال : حدّثنا أبو أحمد البصري ، قال : حدّثنا أحمد بن عمّار بن خالد ، قال : حدّثنا يحيى بن عبدالحميد الحِمّاني ، قال : حدّثنا قيس بن الربيع ، عن أبي هارون العبدي ، عن أبي سعيد الخُدري : أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا نزلت هذه الآية (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) قال :

«الله أكبر علىٰ إكمال الدين ، وإتمام النعمة ، ورضا الربّ برسالتي ، وولاية عليّ ابن أبي طالب من بعدي.

وقال : من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه ، أللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه ، وانصُر من نصره ، واخذُل من خذله».

٨ ـ الحافظ أبو القاسم بن عساكر الشافعيّ ، الدمشقيّ : المتوفّىٰ (٥٧١).

___________________________________

(١) مناقب عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام : ص ١٨ ح ٢٤.

(٢) العمدة لابن البطريق : ص ١٠٦.

(٣) شواهد التنزيل : ١ / ٢٠١ ح ٢١١.

٤٥٢

روى الحديث المذكور بطريق ابن مردويه عن أبي سعيد وأبي هريرة ، كما في الدرّ المنثور(١) (٢ / ٢٥٩).

٩ ـ أخطب الخطباء الخوارزميّ : المتوفّىٰ (٥٦٨).

قال في المناقب(٢) (ص ٨٠) :

أخبرنا سيّد الحفّاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه بن شهردار الديلمي فيما كتب إليّ من همدان ، أخبرني أبو الفتح عبدوس بن عبدالله بن عبدوس الهمداني كتابةً [أخبرني الشريف أبو طالب المفضّل بن محمد الجعفري بأصبهان ، أخبرني الحافظ أبو بكر بن مردويه إجازة ، حدّثني جدّي](٣) ، حدّثني عبدالله بن إسحاق البغوي ، حدّثني الحسن بن عليل الغنوي ، حدّثني محمد بن عبدالرحمن الزرّاع ، حدّثني قيس بن حفص ، حدّثني عليّ بن الحسن العبدي ، عن أبي هارون العبدي ، عن أبي سعيد الخُدري أنَّه قال :

إنَّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم دعا الناس إلىٰ غدير خُمّ أمر بما كان تحت الشجرة من الشوك فقمَّ ، وذلك يوم الخميس ، ثمّ دعا الناس إلىٰ عليٍّ ، فأخذ بضَبْعه ، فرفعها حتىٰ نظر الناس إلىٰ إبطيه(٤) ، حتىٰ نزلت هذه الآية (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ). الآية ... إلىٰ آخر الحديث بلفظٍ مرّ بطريق أبي نعيم الأصفهاني.

وروىٰ فى المناقب(٥) (ص ٩٤) بالإسناد عن الحافظ أحمد بن الحسين البيهقي ، عن الحافظ أبي عبدالله الحاكم ، عن أبي يعلى الزبير بن عبدالله الثوري ، عن أبي جعفر

___________________________________

(١) الدرّ المنثور : ٣ / ١٩.

(٢) المناقب : ص ١٣٥ ح ١٥٢.

(٣) مابين المعقوفين أثبتناه من المصدر.

(٤) في فرائد السمطين [١ / ٧٤ باب ١٢ ح ٤٠] نقلاً عن الخوارزمي : ثمّ لم يتفرّقا حتىٰ نزلت ... ، وفي لفظه الآخر عنه : ثمّ لم يتفرّقوا حتىٰ نزلت ... مثل لفظ أبي نعيم. (المؤلف)

(٥) المناقب : ص ١٥٦ ح ١٨٤.

٤٥٣

أحمد بن عبدالله البزّاز ، عن عليّ بن سعيد الرملي ، عن ضمرة ، عن ابن شوذب ، عن مطر الورّاق ... إلىٰ آخر ما مرّ عن الخطيب البغدادي سنداً ومتناً.

١٠ ـ أبو الفتح النطَنْزي : روىٰ في كتابه الخصائص العلويّة عن أبي سعيد الخُدري بلفظ مرّ (ص ٤٣) ، وعن الخُدري وجابر الأنصاري أنَّهما قالا :

لمّا نزلت (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) الآية ، قال النبيُّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الله أكبر علىٰ إكمال الدين ، وإتمام النعمة ، ورضا الربّ برسالتي ، وولاية عليّ بن أبي طالب بعدي».

وفي الخصائص بإسناده عن الإمامين الباقر والصادق عليهما‌السلام قالا : «نزلت هذه الآية ـ يعني آية التبليغ ـ يوم الغدير ، وفيه نزلت (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) قال : وقال الصادق عليه‌السلام :أي (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) بإقامة حافظه ، (وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) ؛ أي بولايتنا (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) أي تسليم النفس لأمرنا».

وبإسناده في خصائصه ـ أيضاً ـ عن أبي هريرة حديث صوم الغدير بلفظ مرّ بطريق الخطيب البغدادي ، وفيه نزول الآية في عليٍّ يوم الغدير.

١١ ـ أبو حامد سعد الدين الصالحانيّ :

قال شهاب الدين أحمد في توضيح الدلائل علىٰ ترجيح الفضائل :

وبالإسناد المذكور عن مجاهد رضي‌الله‌عنه قال : نزلت هذه الآية (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ) بغدير خُمّ ، فقال رسول الله ـ صلّىٰ الله عليه وعلىٰ آله وبارك وسلّم ـ : «الله أكبر علىٰ إكمال الدين ، وإتمام النعمة ، ورضا الربّ برسالتي ، والولاية لعليّ».رواه الصالحاني(١).

___________________________________

(١) قال شهاب الدين في توضيح دلائله : قال الإمام العالم الأديب الأريب ، المحلّىٰ بسجايا المكارم ، الملقّب بين الأجلّة الأئمّة الأعلام بمحيي السنّة ، وناصر الحديث ، ومجدّد الإسلام ، العالم الربّاني ، والعارف السبحاني سعد الدين أبو حامد محمود بن محمد بن حسين بن يحيى الصالحاني في عباراته الفائقة وإشاراته الرائقة من كتابه ، شكر الله تعالىٰ مسعاه ، وأكرم بفضله مثواه ... إلخ. (المؤلف)

٤٥٤

١٢ ـ أبو المظفّر سبط ابن الجوزيّ الحنفيّ ، البغداديّ : المتوفّىٰ (٦٥٤).

ذكر في تذكرته(١) (ص ١٨) ما أخرجه الخطيب البغدادي المذكور (ص ٢٣٢) من طريق الحافظ الدارقطني.

١٣ ـ شيخ الإسلام الحمّوئيّ ، الحنفيّ : المتوفّىٰ (٧٢٢).

روىٰ في فرائد السمطين في الباب الثاني عشر(٢) قال :

أنبأني الشيخ تاج الدين أبو طالب عليّ بن أنجب بن عثمان بن عبيدالله الخازن ، قال : أنبأنا الإمام برهان الدين ناصر بن أبي المكارم المطرزي إجازة قال : أنبأنا الإمام أخطب خوارزم أبو المؤيّد الموفَّق بن أحمد المكي الخوارزمي ، قال : أخبرني سيّد الحفّاظ فيما كتب إليَّ من همدان ... إلىٰ آخر ما مرّ عن أخطب الخطباء الخوارزمي سنداً ومتناً.

وروىٰ عن سيّد الحفّاظ أبي منصور شهردار بن شيرويه بن شهردار الديلمي قال : أخبرنا الحسن بن أحمد بن الحسن الحدّاد المقري الحافظ قال : نبّأنا أحمد(٣) ابن عبدالله بن أحمد قال : نبّأنا محمد بن أحمد ، قال : نبّأنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، قال : نبّأنا يحيى الحِمّاني قال : نبّأنا قيس بن الربيع ، عن أبي هارون العبدي ، عن أبي سعيد الخُدري :

أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم دعا الناس إلىٰ عليٍّ ... إلىٰ آخر الحديث بلفظ مرّ بطريق أبي نعيم (ص ٢٣٢).

ثمّ قال : حديثٌ له طرق كثيرة إلىٰ أبي سعيد سعد بن مالك الخُدري الأنصاريّ.

___________________________________

(١) تذكرة الخواص : ص ٣٠.

(٢) فرائد السمطين : ١ / ٧٢ ح ٣٩.

(٣) هو الحافظ أبو نعيم الأصفهاني.

٤٥٥

١٤ ـ عماد الدين بن كثير القرشيّ ، الدمشقيّ ، الشافعيّ : المتوفّىٰ (٧٧٤).

روىٰ في تفسيره (٢ / ١٤) من طريق ابن مردويه عن أبي سعيد الخُدري وأبي هريرة : أنَّهما قالا : إنَّ الآية نزلت يوم غدير خُمّ في عليّ.

وروىٰ في تاريخه(١) (٥ / ٢١٠) حديث أبي هريرة المذكور بطريق الخطيب البغدادي. وله هناك كلامٌ يأتي بيانه في صوم الغدير.

١٥ ـ جلال الدين السيوطيّ ، الشافعيّ : المتوفّىٰ (٩١١).

رواه في الدرّ المنثور(٢) (٢ / ٢٥٩) من طريق ابن مردويه والخطيب وابن عساكر بلفظ مرّ في رواية ابن مردويه.

وقال في الإتقان(٣) (١ / ٣١) في عدّ الآيات السفريّة :

منها (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) في الصحيح عن عمر أنَّها نزلت عشيّة عرفة يوم الجمعة عام حجّة الوداع ، له طرقٌ كثيرةٌ ، لكن أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخُدري : أنَّها نزلت يوم غدير خُمّ. وأخرج مثله من حديث أبي هريرة ، وفيه : أنَّه اليوم الثامن عَشَرَ من ذي الحجّة مرجعه من حجّة الوداع وكلاهما لا يصحّ. انتهىٰ.

قلنا : إن كان مراده من عدم الصحّة غميزة في الإسناد ، ففيه أنَّ رواية أبي هريرة صحيحة الإسناد عند أساتذة الفنّ ، منصوصٌ علىٰ رجالها بالتوثيق ، وسنفصِّل ذلك عند ذكر صوم الغدير ، وحديث أبي سعيد له طرق كثيرة ، كما مرّ في كلام الحمّوئي في فرائده ، علىٰ أنَّ الرواية لم تختصّ بأبي سعيد وأبي هريرة ، فقد عرفت أنَّها رواها جابر بن عبدالله ، والمفسّر التابعيّ مجاهد المكّي ، والإمامان الباقر والصادق ـ صلوات الله عليهما ـ وأسند إليهم العلماء مُخبتين إليها.

___________________________________

(١) البداية والنهاية : ٥ / ٢٣٢ حوادث سنة ١٠ ه‍.

(٢) الدرّ المنثور : ٣ / ١٩.

(٣) الإتقان في علوم القرآن : ١ / ٥٣.

٤٥٦

كما أنَّها لم تختصّ روايتها من العلماء وحفّاظ الحديث بابن مردويه ، وقد سمعت عن السيوطي نفسه في دُرّه المنثور رواية الخطيب وابن عساكر ، وعرفت أنَّ هناك جمعاً آخرين أخرجوها بأسانيدهم ، وفيهم مثل الحاكم النيسابوري ، والحافظ البيهقي ، والحافظ ابن أبي شيبة ، والحافظ الدارقطني ، والحافظ الديلمي ، والحافظ [أبي عليّ] الحدّاد ، وغيرهم. كلُّ ذلك من دون غمز فيها عن أيٍّ منهم.

وإن كان يريد عدم الصحّة من ناحية معارضتها لما رُوي من نزول الآية يوم عرفة فهو مجازِفٌ في الحكم الباتّ بالبطلان علىٰ أحد الجانبين ، وهب أنَّه ترجّح في نظره الجانب الآخر ، لكنّه لا يستدعي الحكم القطعي ببطلان هذا الجانب ، كما هو الشأن عند تعارض الحديثين ، لا سيّما مع إمكان الجمع بنزول الآية مرّتين ، كما احتمله سبط ابن الجوزي في تذكرته(١) (ص ١٨) ، كغير واحدةٍ من الآيات الكريمة النازلة غير مرّةٍ واحدةٍ ، ومنها البسملة النازلة في مكّة مرّة ، وفي المدينة أخرىٰ ، وغيرها ممّا يأتي.

علىٰ أنَّ حديث نزولها يوم الغدير معتضد بما قدّمناه عن الرازي وأبي السعود وغيرهما من أنَّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يعمّر بعد نزولها إلّا أحداً أو اثنين وثمانين يوماً. فراجع (ص ٢٣٠) ، والسيوطي في تحكّمه هذا قلّد ابن كثير ، فإنّه قال في تفسيره (٢ / ١٤) بعد ذكر الحديث بطريقيه : لا يصح هذا ولا هذا. فالبادي أظلم.

١٦ ـ ميرزا محمد البَدَخْشيّ ، ذكر في مفتاح النجا(٢) ما أخرجه ابن مردويه كما مرّ في (ص ٢٣١).

وبعد هذا كلّه ، فإن تعجب فعجبٌ قول الآلوسي في روح المعاني(٣) (٢ / ٢٤٩) :

___________________________________

(١) تذكرة الخواص : ص ٣٠.

(٢) مفتاح النجا : الورقة ٣٤ باب ٣ فصل ١١.

(٣) روح المعاني : ٦ / ٦١.

٤٥٧

أخرج الشيعة عن أبي سعيد الخُدري أنَّ هذه الآية نزلت بعد أن قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعليٍّ ـ كرّم الله وجهه ـ في غدير خُمّ : «من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه». فلمّا نزلت قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ : «الله أكبر علىٰ إكمال الدين ، وإتمام النعمة ، ورضا الربِّ برسالتي ، وولاية عليّ ـ كرّم الله تعالىٰ وجهه ـ بعدي» ، ولا يخفىٰ أنَّ هذا من مُفترياتهم ، وركاكة الخبر شاهدٌ علىٰ ذلك في مبتدأ الأمر. انتهىٰ.

ونحن لا نحتمل أنَّ الآلوسي لم يقف علىٰ طرق الحديث ورواته حتىٰ حداه الجهل الشائن إلىٰ عَزْو الرواية إلى الشيعة فحسب ، لكن بواعثه دعته إلى التمويه والجَلَبة أمام تلك الحقيقة الراهنة ، وهو لا يحسب أنَّ وراءه من يناقشه الحساب بعد الاطّلاع علىٰ كتب أهل السنّة ورواياتهم.

ألا مُسائِلٌ هذا الرجل عن تخصيصه الرواية بالشيعة ؟ وقد عرفت من رواها من أئمّة الحديث وقادة التفسير وحملة التاريخ من غيرهم.

ثمّ عن حصره إسناد الحديث بأبي سعيد ؟ وقد مضت رواية أبي هريرة وجابر ابن عبدالله ومجاهد والإمامين الباقر والصادق عليهما‌السلام له.

ثمّ عن الركاكة التي حسبها في الحديث ، وجعلها شاهداً علىٰ كونه من مُفتريات الشيعة : أهي في لفظه ؟ ولا يعدوه أن يكن لِدَةَ سائرِ الأحاديث المرويّة ، وهو خالٍ عن أيّ تعقيد ، أو ضعف في الأسلوب ، أو تكلّف في البيان ، أو تنافر في التركيب ، جارٍ علىٰ مجاري العربيّة المحضة.

أو في معناه ؟ وليس فيه منها شيء ، غير أن يقول الآلوسي : إنَّ ما يُروىٰ في فضل أمير المؤمنين عليه‌السلام وما يُسند إليه من فضائل كلّها ركيكة ؛ لأنّها في فضله ، وهذا هو النّصب المُسِفُّ بصاحبه إلىٰ هُوّة الهلكة ، وليت شعري ما ذنب الشيعة إن رووا صحيحاً وعضدتهم علىٰ ذلك روايات أهل السنّة ؟ غيرَ أنَّ الناصب مع ذلك يتيه في

٤٥٨

غلوائه ، ويجاثيك على العناد ، فيقول : أخرج الشيعة ... ولا يخفىٰ أنَّ هذا من مُفترياتهم ...

وبوسعنا الآن أن نسرد لك الأحاديث الركيكة التي شحن بها كتابه الضخم ؛ حتىٰ يميز الناقد المنصفُ الركيكَ من غيره ، لكنّا نمرُّ عليها كراماً.



(كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّـهُ)(١)

___________________________________

(١) المدَّثِّر : ٥٤ ـ ٥٦.

٤٥٩

العذاب الواقع

ومن الآيات النازلة بعد نصِّ الغدير قوله تعالىٰ من سورة المعارج :

(سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِّنَ اللَّـهِ ذِي الْمَعَارِجِ)(١)

وقد أذعنت له الشيعة ، وجاء مثبتاً في كتب التفسير والحديث لمن لا يُستهان بهم من علماء أهل السنّة ، ودونك نصوصها :

١ ـ الحافظ أبو عُبيد الهرويّ : المتوفّىٰ بمكّة (٢٢٣ ، ٢٢٤) ، المترجم (ص ٨٦).

روىٰ في تفسيره غريب القرآن قال : لمّا بلّغ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في غدير خُمّ ما بلّغ ، وشاع ذلك في البلاد أتىٰ جابر(٢) بن النضر بن الحارث بن كلدة العبدري. فقال :

يا محمد أمرتَنا من الله أن نشهد أن لا إلٰه إلّا الله ، وأنَّك رسول الله ، وبالصلاة ، والصوم ، والحجّ ، والزكاة ، فقبلنا منك ، ثمّ لم ترضَ بذلك حتىٰ رفعتَ بضَبْع ابن عمِّك ففضّلته علينا ، وقلت : من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه ، فهذا شيء منك ، أم من الله ؟ فقال رسول الله : «والذي لا إلٰه إلّا هو إنَّ هذا من الله».

فولّىٰ جابر يريد راحلته ، وهو يقول : أللّهمّ إن كان ما يقول محمد حقّاً فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حجارةً من السماء ، أَو ائْتِنا بعذاب أَليم.

فما وصل إليها حتىٰ رماه الله بحجر ، فسقط علىٰ هامته ، وخرج من دبره ،

___________________________________

(١) المعارج : ١ ـ ٣.

(٢) في رواية الثعلبي الآتية التي أصفق العلماء علىٰ نقلها أسمته : الحارث بن النعمان الفِهْري ، ولا يبعد صحّة ما في هذه الرواية من كونه جابر بن النضر ؛ حيث إنَّ جابراً قتل أميرُ المؤمنين عليه‌السلام والدَه النضر صبراً بأمر من رسول الله ، لمّا أُسِر يوم بدر الكبرىٰ ، كما يأتي (ص ٢٤١) ، وكانت الناس ـ يومئذٍ ـ حديثي عهد بالكفر ، ومن جرّاء ذلك كانت البغضاء محتدمةً بينهم على الأوتار الجاهليّة. (المؤلف)

٤٦٠