الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي

الغدير في الكتاب والسنّة والأدب - ج ١

المؤلف:

الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي


المحقق: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميّة
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: قلم
الطبعة: ١
الصفحات: ٧١٦
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

محمد صاعقة : المتوفّىٰ (٢٥٥). وغيرهم(١).

فعدم إخراج البخاري ومسلم هذا الحديث المتّفق علىٰ صحّته وتواتره والحال هذه لا يكون قدحاً في الحديث إن لم يكن نقصاً في الكتابين ومؤلِّفيهما ، وكأنّ الشيخ محمود القادري فطن لهذا وحاول بقوله المذكور (ص ٣٠٤) ـ : وكم حديث صحيح ما أخرجه الشيخان ـ تقديس ساحة الكتابين ومؤلِّفيهما عن هذا النقص. لا أنَّه أراد إثبات صحّة الحديث بذلك ، كيف ؟ وهو يقول : اتّفق علىٰ ما ذكرنا جمهور أهل السنّة.

وغير خافٍ على النابه البصير أنَّ البادي بخلاف الإجماع في ردِّ الحديث هو ابن حزم الأندلسي(٢) ، وهو يقول : إنّ الأمّة لا تجتمع علىٰ خطأ. ثمّ تبعه في ذلك ابن تيميّة ، وجعل قوله مدرك قدحه في الحديث ، ولم يجد غميزة فيه غيره بيدَ أنَّه زاد عليه قوله : نقل عن البخاري وإبراهيم الحرّاني وطائفة من أهل العلم بالحديث أنَّهم طعنوا فيه وضعّفوه ، ذاهلاً عن قوله في منهاج السنّة (٤ / ١٣) : إنّ قصّة الغدير كانت في مرتجع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من حجّة الوداع ، وقد أجمع الناس علىٰ هذا.

ثمّ قلّدهما من راقه الانحياز عن الحقّ الثابت من نظراء التفتازاني والقاضي الإيجي والقوشجي والسيِّد الجرجاني ، وزادوا ضغثاً علىٰ إبّالة ، فلم يكتفوا في ردِّ الحديث بعدم إخراج الصحيحين ، ولم يقفوا علىٰ فِرية ابن تيميّة في عزوه الطعن إلى البخاري والحرّاني ، أو ما راقتهم النسبة إلى البخاري والحرّاني لمكان ضعف الناقل ـ ابن تيميّة ـ عندهم ، فقالوا بإرسال المسلّم : قد طعن فيه ابن أبي داود وأبو حاتم السجستاني. ثمّ جاء ابن حجر فزاد علىٰ أبي داود والسجستاني قوله : وغيرهم ... إلىٰ أن جاد الدهرُ بالهروي ، فزحزح السجستاني ، ووضع في محله الواقدي وابن خزيمة ، فقال في السهام الثاقبة : قدح في صحّة الحديث كثير من أئمّة الحديث ، كأبي داود ،

___________________________________

(١) سبقت تراجم هؤلاء جميعاً من (ص ٨٢ ـ ٩٣). (المؤلف)

(٢) ستقف على الرأي العام فيه بعد تمام المحاكمة. (المؤلف)

٥٨١

والواقدي ، وابن خزيمة ، وغيرهم من الثقات.

لا أدري ما أجرأهم على الرحمٰن (وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَىٰ)(١) ، وما عساني أن أقول في بحّاثة يذكر هذه النِّسب المفتعلة علىٰ أئمّة الحديث وحفّاظ السنّة في كتابه ؟ ألا مسائل هؤلاء عن مصدر هذه النقول والإضافات ؟ أفي مؤلَّف وجدوها ؟ فما هو ؟ وأين هو ؟ ولِمَ لم يسمّوه ؟ أم عن المشايخ رووها ؟ فلِمَ لم يسندوها ؟ ألا مسائل هؤلاء كيف خفي طعن مثل البخاري وقرنائه في الحديث علىٰ ذلك الجمّ الغفير من الحفّاظ والأعلام ومَهَرة الفنّ في القرون الأولىٰ إلى القرن السابع والثامن قرن ابن تيميّة ومقلِّديه ، فلم يَفُهْ به أحد ، ولا يوجد منه أثر في أيّ تأليف ومسند ، أو أنَّهم أوقفهم السير عليه ، ولكنّهم لم يروا في سوق الحقّ له قيمة ، فضربوا عنه صفحاً ؟

وبعد هذا كلّه فأين تجد مقيل القول بإنكار تواتره من مستوى الحقيقة ؟ والقول بأنّ الشيعة اتّفقوا على اعتبار التواتر فيما يُستدَلُّ به على الإمامة ، فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بحديث الغدير وهو من الآحاد ؟(٢) يقول الرجل ذلك وهو يرى الحديث متواتراً لرواية ثمانية صحابة(٣) ، وأنَّ في القوم من يرى الحديث متواتراً لرواية أربعة من الصحابة له ، ويقول : لا تحلّ مخالفته(٤) ، ويجزم بتواتر حديث «الأئمّة من قريش»(٥) ، ويقول : رواه أنس بن مالك ، وعبدالله بن عمر ، ومعاوية ، وروىٰ معناه جابر بن عبدالله ، وجابر بن سمرة ، وعبادة بن الصامت.

وآخر يقول ذلك في حديث آخر رواه عليّ عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويرويه عن عليّ اثنا

___________________________________

(١) طه : ٦١.

(٢) التفتازاني في المقاصد : ص ٢٩٠ [٥ / ٢٧٢] ، وابن حجر في الصواعق : ص ٢٥ [ص ٤٢] ، ومقلّديهما. (المؤلف)

(٣) راجع الصواعق : ص ١٣ [ص ٢٣]. (المؤلف)

(٤) قال ابن حزم في المحلّىٰ [٩ / ٦ مسألة ١٥١١] في مسألة عدم جواز بيع الماء : فهؤلاء أربعة من الصحابة رضي‌الله‌عنهم ، فهو نقل تواتر لا تحلّ مخالفته. (المؤلف)

(٥) راجع الفِصَل : ٤ / ٨٩. (المؤلف)

٥٨٢

عشر رجلاً فيقول(١) : هذه اثنتا عشرة طريقاً إليه ، ومثل هذا يبلغ حدّ التواتر.

وآخر يرىٰ حديث : «تقتلك الفئة الباغية» متواتراً ، ويقول(٢) : تواترت الروايات به ، روي ذلك عن عمّار وعثمان وابن مسعود وحذيفة وابن عبّاس في آخرين ، وجوّد السيوطي قول من حدّد التواتر بعشرة ، وقال في ألفيّته(٣) (ص ١٦) :

وما رواه عددٌ جمٌّ يجبْ

إحالة اجتماعهم على الكذبْ

فمتواترٌ وقومٌ حدّدوا

بعشرةٍ وهو لديَّ أجودُ

هذه نظريّتهم المشهورة في تحديد التواتر ، لكنّهم إذا وقفوا علىٰ حديث الغدير اتّخذوا له حدّاً أعلىٰ لم تبلغه رواية مائةٍ وعشرة صحابي أو أكثر بالغاً ما بلغ.

ومن غرائب اليوم ما جاء به أحمد أمين في كتابه ظهر الإسلام تعليق (ص ١٩٤) : من أنَّه يرويه الشيعة عن البراء بن عازب.

وأنت تعلم أنَّ نصيب رواية البراء ـ من إخراج علماء أهل السنّة ـ أوفر من كثير من روايات الصحابة ، فقد عرفت (ص ١٨ ، ١٩ ، ٢٠) و (ص ٢٧٢ ـ ٢٨٣) : أنَّه أخرجها ما يربو على الأربعين رجلاً من فطاحل علمائهم ، وفيهم مثل أحمد وابن ماجة والترمذي والنسائي وابن أبي شيبة ونظرائهم ، وجملة من أسانيدها صحيحة رجالها كلّهم ثقات ، لكن أحمد أمين راقه أن تكون الرواية معزوَّةً إلى الشيعة فحسب ، إسقاطاً للاحتجاج بها ، وليس هذا ببدعٍ من تقوّلاته في صحائف إسلامه صبحاً وضحىً وظهراً.

(كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا * فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَـٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا)(٤)

___________________________________

(١) راجع تاريخ ابن كثير : ٧ / ٢٨٩ [البداية والنهاية : ٧ / ٣٢١ حوادث سنة ٣٧ ه‍]. (المؤلف)

(٢) تهذيب التهذيب : ٧ / ٤٠٩ [٧ / ٣٥٨ رقم ٦٦٥] ، والإصابة : ٢ / ٥١٢ [رقم ٥٧٠٤]. (المؤلف)

(٣) ألفيّة السيوطي في علم الحديث : ص ٤٤.

(٤) الكهف : ٥ ـ ٦.

٥٨٣

٥٨٤

الرأي العام في ابن حزم الأندلسي

المتوفّىٰ (٤٥٦)

ما عساني أن أكتب عن شخصيّة أجمع فقهاء عصره علىٰ تضليله والتشنيع عليه ونهي العوام عن الاقتراب منه ، وحكموا بإحراق تآليفه ومدوّناته مهما وجدوا الضلال في طيّاتها كما في لسان الميزان(١) (٤ / ٢٠٠) ، ويعرِّفه الآلوسي عند ذكره بقوله : الضالّ المضلّ ، كما في تفسيره (٢١ / ٧٦).

ما عساني أن أقول في مؤلِّف لا يتحاشىٰ عن الكذب على الله ورسوله ، ولا يبالي بالجرأة علىٰ مقدَّسات الشرع النبويِّ ، وقذف المسلمين بكلّ فاحشة ، والأخذ بمخاريق القول وسقطات الرأي.

ما عساني أن أذكر عن بحّاثة لا يُعرَف مبدؤه في أقواله ، ولا يستند علىٰ مصدر من الكتاب والسنّة في آرائه ، غير أنَّه إذا أفتىٰ تحكّم ، وإذا حكم مان ، يعزو إلى الأمّة الإسلاميّة ما هي بريئة منه ، ويضيف إلى الأئمّة وحفّاظ المذهب ما هم بُعداء منه ، تعرب تآليفه عن حقّ القول من الرأي العام في ضلاله ، وإليك نماذج من آرائه :

قال في فقهه المُحلّىٰ (١٠ / ٤٨٢) :

مسألة : مقتول كان في أوليائه غائب أو صغير أو مجنون ، اختلف الناس في

___________________________________

(١) لسان الميزان : ٤ / ٢٢٩ رقم ٥٧٣٧.

٥٨٥

هذا. ثمّ نقل عن أبي حنيفة أنَّه يقول : إنّ للكبير أن يقتل ولا ينتظر الصغار. وعن الشافعي : أنَّ الكبير لا يستقيد حتىٰ يبلغ الصغير ، ثمّ أورد على الشافعية بأنّ الحسن ابن عليّ قد قتل عبدالرحمن بن ملجم ولعليٍّ بنون صغار ، ثمّ قال : هذه القصّة ـ يعني قتل ابن ملجم ـ عائدةٌ على الحنفيّين بمثل ما شنّعوا على الشافعيّين سواء سواء ؛ لأنّهم والمالكيين لا يختلفون في أنَّ من قتل آخر علىٰ تأويل فلا قَوَد في ذلك ، ولا خلاف بين أحد من الأمّة في أنَّ عبدالرحمن بن ملجم لم يقتل عليّاً رضي‌الله‌عنه إلّا متأوِّلاً مجتهداً مقدِّراً أنَّه علىٰ صواب ، وفي ذلك يقول عمران بن حطّان شاعر الصفريّة :

يا ضربةً من تقيٍّ ما أراد بها

إلّا ليبلغَ من ذي العرش رضوانا

إنّي لأذكره حيناً فأحسبه

أوفى البريّة عند الله ميزانا

أي لَأُفكّر فيه ثمّ أحسبه ... ، فقد حصل الحنفيّون في خلاف الحسن بن عليّ على مثل ما شنّعوا به على الشافعيّين ، وما ينقلون أبداً من رجوع سهامهم عليهم ، ومن الوقوع فيما حفروه(١).

فهلمّ معي نسائل كلّ معتنق للإسلام ، أين هذه الفتوى المجرّدة من قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حديث صحيح لعليّ عليه‌السلام : «قاتلك أشقى الآخرين» ؟ وفي لفظ : «أشقى الناس». وفي الثالث : «أشقى هذه الأمّة كما أنَّ عاقر الناقة أشقىٰ ثمود».

أخرجه الحفّاظ الأثبات والأعلام الأئمّة بغير طريق ، ويكاد أن يكون متواتراً على ما حدّد ابن حزم التواتر به. منهم :

إمام الحنابلة أحمد في المسند(٢) (٤ / ٢٦٣) ، والنسائي في الخصائص(٣) (ص ٣٩) ،

___________________________________

(١) وحكاه عنه ابن حجر في تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير ـ طبعة الهند سنة (١٣٠٣ ه‍) ـ : ص ٤١٦ [٤ / ٤٦]. (المؤلف)

(٢) مسند أحمد : ٥ / ٣٢٦ ح ١٧٨٥٧.

(٣) خصائص أمير المؤمنين : ص ١٦٢ ح ١٥٣ ، وفي السنن الكبرىٰ : ٥ / ١٥٣ ح ٨٥٣٨.

٥٨٦

وابن قتيبة في الإمامة والسياسة(١) (١ / ١٣٥) ، والحاكم في المستدرك عن عمّار(٢) (٣ / ١٤٠) والذهبيُّ في تلخيصه وصحّحاه ، ورواه الحاكم(٣) عن ابن سنان الدؤلي (ص ١١٣) وصحّحه وذكره الذهبيُّ في تلخيصه ، والخطيب في تاريخه عن جابر بن سَمُرة (١ / ١٣٥) ، وابن عبدالبَرّ في الاستيعاب هامش الإصابة (٣ / ٦٠) ذكره عن النسائي ، ثمّ قال : وذكره الطبري وغيره أيضاً ، وذكره ابن إسحاق في السيرة ، وهو معروف من رواية محمد بن كعب القرظي ، عن يزيد(٤) بن جشم ، عن عمّار بن ياسر ، وذكره ابن أبي خيثمة من طرق.

وأخرجه محبُّ الدين الطبريّ في رياضه(٥) عن عليٍّ من طريق أحمد وابن الضحّاك ، وعن صهيب من طريق أبي حاتم والملا ، ورواه ابن كثير في تاريخه(٦) (٧ / ٣٢٣) من طريق أبي يعلىٰ ، و (ص ٣٢٥) من طريق الخطيب ، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه(٧) (٦ / ٤١١) عن ابن عساكر والحاكم والبيهقي ، و (ص ٤١٢) بعدّة طرق عن ابن عساكر(٨) ، و (ص ٤١٣) من طريق ابن مردويه ، و (ص ١٥٧) من طريق الدارقطني ، و (ص ٣٩٩) من طريق أحمد والبغوي والطبراني والحاكم وابن مردويه وأبي نعيم وابن عساكر وابن النجّار.

وأين هذا من قوله الآخر صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليّ : «ألا أخبرك بأشدِّ الناس عذاباً يوم

___________________________________

(١) الإمامة والسياسة : ١ / ١٣٩.

(٢) المستدرك على الصحيحين : ٣ / ١٥١ ح ٤٦٧٩ ، وكذا في التلخيص.

(٣) المصدر السابق : ٣ / ١٢٢ ح ٤٥٩٠ ، وكذا في التلخيص.

(٤) كذا في النسخ ، والصحيح : عن أبي يزيد بن خثيم. (المؤلف)

(٥) الرياض النضرة : ٣ / ٢٠٨.

(٦) البداية والنهاية : ٧ / ٣٥٨ حوادث سنة ٤٠ ه‍.

(٧) كنز العمّال : ١٣ / ١٩٢ ح ٣٦٥٧١ ، ص ١٩٣ ح ٣٦٥٧٧ و ٣٦٥٧٨ ، ص ١٩٦ ح ٣٦٥٨٧ ، ١١ / ٦١٧ ح ٣٢٩٩٨ ، ١٣ / ١٤٠ ح ٣٦٤٤٢ ، ص ١٤١ ح ٣٦٤٤٣.

(٨) تاريخ مدينة دمشق : ١٢ / ٤٠٩ ، وفي ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام من تاريخ دمشق ـ الطبعة المحقّقة ـ : ٣ / ٣٣٥ ح ١٣٨١.

٥٨٧

القيامة ؟ قال : أخبرني يا رسول الله.

قال : فإنّ أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة عاقر ناقة ثمود ، وخاضب لحيتك بدم رأسك» ؟ رواه ابن عبد ربّه في العقد الفريد(١) (٢ / ٢٩٨).

وأين هذا من قوله الثالث صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «قاتلك شبه اليهود ، وهو يهود» ؟ أخرجه ابن عديّ في الكامل ، وابن عساكر كما في ترتيب جمع الجوامع(٢) (٦ / ٤١٢).

وأين هذا ممّا ذكره ابن كثير في تاريخه(٣) (٧ / ٣٢٣) من أنَّ عليّاً كان يكثر أن يقول : «ما يحبس أشقاها ؟» وأخرجه السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه(٤) (٦ / ٤١١) بطريقين عن ابن سعد وأبي نعيم وابن أبي شيبة ، و (ص ٤١٣) من طريق ابن عساكر.

وأين هذا من قول أمير المؤمنين الآخر لابن ملجم : «لا أراك إلّا من شرّ خلق الله» ؟ رواه الطبري في تاريخه(٥) (٦ / ٨٥) ، وابن الأثير في الكامل(٦) (٣ / ١٦٩).

وقوله الآخر عليه‌السلام : «ما ينظر بي الأشقىٰ ؟» أخرجه أحمد بإسناده كما في البداية والنهاية(٧) (٧ / ٣٢٤).

وقوله الرابع لأهله : «والله لَوددت لو انبعث أشقاها» ، أخرجه أبو حاتم والملّا في سيرته كما في الرياض(٨) (٢ / ٢٤٨).

___________________________________

(١) العقد الفريد : ٤ / ١٥٥.

(٢) كنز العمّال : ١٣ / ١٩٥ ح ٣٦٥٨٢.

(٣) البداية والنهاية : ٧ / ٣٥٨ حوادث سنة ٤٠ ه‍.

(٤) كنز العمّال : ١٣ / ١٨٧ ح ٣٦٥٥٧ ، ص ١٩٤ ح ٣٦٥٨٠.

(٥) تاريخ الأُمم والملوك : ٥ / ١٤٥ حوادث سنة ٤٠ ه‍.

(٦) الكامل في التاريخ : ٢ / ٤٣٥ حوادث سنة ٤٠ ه‍.

(٧) البداية والنهاية : ٧ / ٣٥٩ حوادث سنة ٤٠ ه‍.

(٨) الرياض النضرة : ٣ / ٢٠٨.

٥٨٨

وقوله الخامس : «ما يمنع أشقاكم ؟» كما في الكامل(١) (٣ / ١٦٨) ، وفي كنز العمّال(٢) (٦ / ٤١٢) من طريق عبدالرزّاق وابن سعد.

وقوله السادس : «ما ينتظر أشقاها ؟». أخرجه المحاملي(٣) كما في الرياض النضرة(٤) (٢ / ٢٤٨).

ليت شعري أيّ اجتهاد يؤدِّي إلىٰ وجوب قتل الإمام المفترض طاعته ؟ أو أيّ اجتهاد يسوِّغ جعل قتله مهراً لنكاح(٥) امرأة خارجيّة عشقها أشقىٰ مراد ؟ أو أيّ مجال للاجتهاد في مقابل النصّ النبويّ الأغرّ ؟ ولو فتح هذا الباب لتسرّب الاجتهاد منه إلىٰ قتلة الأنبياء والخلفاء جميعاً ، لكن ابن حزم لا يرضىٰ أن يكون قاتل عمر أو قتلة عثمان مجتهدين ، ونحن ـ أيضاً ـ لا نقول به.

ثمّ ليتني أدري أيّ أُمّة من الأُمم أطبقت علىٰ تعذير عبدالرحمن بن ملجم في ما ارتكبه ؟ ليته دلّنا عليها ؛ فإنّ الأمّة الإسلاميّة ليس عندها شيء من هذا النقل المائن ، أللّهمّ إلّا الخوارج المارقين عن الدين ، وقد اقتصّ الرجل أثرهم ، واحتجّ بشعر قائلهم عمران.

أللّهمّ ما عمران بن حطّان وحكمه في تبرير عمل ابن ملجم من إراقة دم وليّ الله الإمام الطاهر أمير المؤمنين ؟ ما قيمة قوله حتّىٰ يُستدَلّ به ويُركَن إليه في أحكام الإسلام ؟ وما شأن فقيه ـ ابن حزم ـ من الدين يحذو حذو مثل عمران ، ويأخذ قوله

___________________________________

(١) الكامل في التاريخ : ٢ / ٤٣٤ حوادث سنة ٤٠ ه‍.

(٢) كنز العمّال : ١٣ / ١٩١ ح ٣٦٥٧٠.

(٣) الأمالي : ص ١٧٨ ح ١٥٠.

(٤) الرياض النضرة : ٣ / ٢٠٨.

(٥) راجع الإمامة والسياسة : ١ / ١٣٤ [١ / ١٣٧] ، تاريخ الطبري : ٦ / ٨٣ [٥ / ١٤٤] ، المستدرك : ٣ / ١٤٣ [٣ / ١٥٤ ح ٤٦٩٠] ، والكامل : ٣ / ١٦٨ [٢ / ٤٣٥] ، والبداية والنهاية : ٧ / ٣٢٨ [٧ / ٣٦١ حوادث سنة ٤٠ ه‍]. (المؤلف)

٥٨٩

في دين الله ، ويخالف به النبيّ الأعظم في نصوصه الصحيحة الثابتة ، ويردّها ويقذف الأمّة الإسلاميّة بسَخَبِ خارجيٍّ مارق ؟ وهذا معاصره القاضي أبو الطيّب طاهر بن عبدالله الشافعي(١) يقول في عمران ومذهبه هذا :

إنّي لَأَبرأ ممّا أنت قائلُهُ

عن ابنِ مُلْجمٍ الملعون بُهتانا

يا ضربةً من شقيٍّ ما أراد بها

إلّا ليهدمَ للإسلامِ أركانا

إنّي لأذكرُه يوماً فألعنُهُ

دنياً وألعنُ عمراناً وحطّانا

عليه ثمّ عليه الدهرَ متّصلاً

لعائنُ الله إسراراً وإعلانا

فأنتُما من كلابِ النار جاء به

نصُّ الشريعةِ برهاناً وتبيانا(٢)

وقال بكر بن حسّان الباهلي :

قل لابن ملجمَ والأقدارُ غالبةٌ

هدّمت ـ ويلَكَ ـ للإسلامِ أركانا

قتلتَ أفضلَ من يمشي علىٰ قدمٍ

وأوّلَ الناسِ إسلاماً وإيمانا

وأعلمَ الناسِ بالقرآنِ ثمّ بما

سنَّ الرسولُ لنا شرعاً وتبيانا

صهرَ النبيِّ ومولانا وناصرَهُ

أضحت مناقبُهُ نوراً وبُرهانا

وكان منه علىٰ رغم الحسود له

مكانَ هارونَ من موسى بن عمرانا

وكان في الحرب سيفاً صارماً ذَكَراً

ليثاً إذا ما لقى الأقرانُ أقرانا

ذكرتُ قاتلَهُ والدمعُ منحدرٌ

فقلتُ : سُبحانَ ربِّ الناسِ سُبحانا

إنِّي لأحسبُهُ ما كان من بشرٍ

يخشى المعادَ ولكن كان شيطانا

أشقىٰ مُرادٍ إذا عُدّتْ قبائلها

وأخسرُ الناسِ عند اللهِ ميزانا

كعاقر الناقة الأُولى التي جَلَبتْ

علىٰ ثمودَ بأرضِ الحِجْر خُسرانا

___________________________________

(١) من فقهاء الشافعية ، قال ابن خلّكان في تاريخه ١ / ٢٥٣ [٢ / ٥١٢ رقم ٣٠٧] : كان ثقة صادقاً ديّناً ورعاً عارفاً بأُصول الفقه وفروعه ، محقِّقاً في علمه ، سليم الصدر ، حسن الخلق ، صحيح المذهب ، يقول الشعر علىٰ طريقة الفقهاء ، ولد بآمل (٣٤٨) ، وتُوفِّي ببغداد (٤٥٠). (المؤلف)

(٢) مروج الذهب ٢ / ٤٣ [٢ / ٤٣٥]. (المؤلف)

٥٩٠

قد كان يُخبرُهُم أنْ سوفَ يخْضِبُها

قبل المنيّةِ أزماناً فأزمانا

فلا عفا اللهُ عنه ما تحمّله(١)

ولا سقىٰ قبرَ عمرانَ بنِ حَطّانا

لقولِهِ في شقيٍّ ظلَّ مجترماً

ونالَ ما ناله ظلماً وعدوانا

(يا ضربةً من تقيٍّ ما أراد بها

إلّا ليبلغَ من ذي العرشِ رِضْوانا)

بل ضربةً من غويٍّ أورثَتْهُ لَظىً(٢)

وسوف يلقىٰ به الرحمنَ غضبانا

كأنّه لم يرد قصداً بضربتِهِ

إلّا لَيَصلىٰ عذابَ الخُلدِ نيرانا(٣)

وقال ابن حجر في الإصابة (٣ / ١٧٩) : صاحب الأبيات بكر بن حمّاد التاهرتي ، وهو من أهل القيروان في عصر البخاري ، وأجازه عنها السيّد الحميري الشاعر المشهور الشيعيّ وهي في ديوانه. انتهىٰ.

وفي الاستيعاب(٤) (٢ / ٤٧٢) : أبو بكر بن حمّاد التاهرتي ، وذكر له أبياتاً في رثاء مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام أوّلها :

وهزَّ عليٌّ بالعراقينِ لحيةً(٥)

مُصيبتها جلّتْ علىٰ كلّ مسلم

وقال محمد بن أحمد الطيّب(٦) ردّا علىٰ عمران بن حطّان :

يا ضربةً من غَدورٍ صار ضاربُها

أشقى البريّةِ عند الله إنسانا

___________________________________

(١) في الكامل [٢ / ٤٣٩ حوادث سنة ٤٠ ه‍] : فلا عفا اللهُ عنهُ سوءَ فِعْلتِهِ. (المؤلف)

(٢) في الكامل : بل ضربة من غويٍّ أوْردَتْهُ لَظىً. (المؤلف)

(٣) مروج الذهب : ٢ / ٤٣ [٢ / ٤٣٥] ، الاستيعاب [القسم الثالث / ١١٢٨] في ترجمة أمير المؤمنين ، الكامل لابن الأثير : ٣ / ١٧١ [٢ / ٤٣٩] ، تمام المتون للصفدي : ص ١٥٢ [ص ٢٠١]. (المؤلف)

(٤) الاستيعاب : القسم الثالث / ١١٣١ رقم ١٨٥٥.

(٥) إشارة إلىٰ قوله عليه‌السلام : «ما يحبس أشقاها يخضبها من أعلاها ، يخضب هذه ـ يعني لحيتهُ ـ من هذه ـ يعني هامتهُ ـ».

(٦) يوجد البيتان في كامل المبرد : ٣ / ٩٠ [٢ / ١٤٦] طبعة محمد بن عليّ صبيح وأولاده ، وليسا من أصل الكتاب كما لا يخفىٰ. (المؤلف)

٥٩١

إذا تفكّرتُ فيهِ ظَلْتُ ألعنُهُ

وألعنُ الكلبَ عمرانَ بنَ حطّانا

علىٰ أنَّ قتل الإمام المجتبىٰ لابن ملجم وتقرير المسلمين له على ذلك صحابيّهم وتابعيّهم ، حتىٰ إن كلَّ أحدٍ منهم كان يودُّ أنَّه هو المباشر لقتله ، يدلّنا علىٰ أنَّ فعل اللعين لم يكن ممّا يتطرّق إليه الاجتهاد فضلاً عن أن يبرّره ، ولو كان هناك اجتهاد فهو في مقابلة النصوص المتضافرة ، فكان من الصالح العامّ لكافّة المسلمين اجتياح تلك الجرثومة الخبيثة ، وهو واجب أيِّ أحد من الأمّة الإسلاميّة ، غير أنَّ إمام الوقت السيِّد المجتبىٰ تقدّم إلىٰ تلك الفضيلة كتقدّمه إلىٰ غيرها من الفضائل.

فليس هو من المواضيع التي حرّرها ابن حزم فتحكّم أو تهكّم على الشافعية والحنفيّة والمالكيّة ، وإنَّما هو من ضروريّات الإسلام في قاتل كلِّ إمامِ حقٍّ ، ولذلك ترى أنَّ القائلين بإمامة عمر بن الخطاب لم يشكّوا في وجوب قتل قاتله ، ولم يرَ أحد منهم للاجتهاد هناك مجالاً ، كما سيأتي في كلام ابن حزم نفسه : أنَّه لم يرَ له مجالاً لقَتَلَة عثمان.

فشتّان بين ابن حزم وبين ابن حجر ، هذا يبرِّر عمل عبدالرحمن ، وذاك يعتذر عن ذكر اسمه في كتابه لسان الميزان(١) ، ويصفه بالفتك وأنَّه من بقايا الخوارج في تهذيب التهذيب(٢) (٧ / ٣٣٨).

وابن حجر في كلامه هذا اتّبع أثر الحافظ أبي زرعة العراقيِّ في قوله في طرح التثريب (١ / ٨٦) :

انتدب له ـ لعليٍّ ـ قومٌ من الخوارج فقاتلهم فظفر بهم ثمّ انتدب له من بقاياهم أشقى الآخرين عبدالرحمن بن ملجم المرادي ، وكان فاتكاً ملعوناً فطعنه.

___________________________________

(١) لسان الميزان : ٣ / ٥٣٤ رقم ٥٠٧٧.

(٢) تهذيب التهذيب : ٧ / ٢٩٧.

٥٩٢

ومن نماذج آرائه :

قوله في الفِصَل (٤ / ١٦١) في المجتهد المخطئ :

وعمّار رضي‌الله‌عنه قتله أبو الغادية يسار بن سبع السلمي ، شهد عمّار بيعة الرضوان فهو من شهداء الله له بأنّه علم ما في قلبه ، وأنزل السكينة عليه ، ورضي عنه ، فأبو الغادية رضي‌الله‌عنه متأوِّل مجتهد مخطئ فيه باغٍ عليه مأجور أجراً واحداً ، وليس هذا كقتلة عثمان رضي‌الله‌عنه لأنّهم لا مجال للاجتهاد في قتله ؛ لأنّه لم يقتل أحداً ولا حارب ولا قاتل ولا دافع ولا زنىٰ بعد إحصان ولا ارتدَّ فيسوِّغ المحاربةَ تأويلٌ ، بل هم فسّاقٌ محاربون سافكون دماً حراماً عمداً بلا تأويل علىٰ سبيل الظلم والعدوان ، فهم فسّاقٌ ملعونون. انتهىٰ.

لم أجد معنىً لاجتهاد أبي الغادية ـ بالمعجمة ـ وهو من مجاهيل الدنيا ، وأفناء الناس ، وحُثالة العهد النبويّ ، ولم يُعرَّف بشيء غير أنَّه جُهنيٌّ ، ولم يُذكَر في أيِّ معجم بما يعرب عن اجتهاده ، ولم يُروَ منه شيءٌ من العلم الإلٰهيّ سوىٰ قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «دماؤكم وأموالكم حرام» وقوله : «لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» ، وكان أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتعجّبون من أنَّه سمع هذا ويقتل عمّاراً(١) ، ولم يَفُهْ أيُّ أحد من أعلام الدين إلىٰ يوم مجيء ابن حزم باجتهاد مثل أبي الغادية.

ثمّ لم أدرِ معنىٰ هذا الاجتهاد في مقابل النصوص النبويّة في عمّار ، ولست أعني بها قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الصحيح الثابت المتواتر(٢) لعمّار : «تقتلك الفئة الباغية» ، وفي لفظ : «الناكبة عن الطريق» ، وإن كان لا يدع مجالاً للاجتهاد في تبرير قتله ، فإنّ

___________________________________

(١) الاستيعاب : ٢ / ٦٨٠ [القسم الرابع / ١٧٢٥ رقم ٣١٠٩] ، والإصابة : ٤ / ١٥٠ [رقم ٨٨١].

(المؤلف)

(٢) ذكر تواتره ابن حجر في الإصابة : ٢ / ٥١٢ [رقم ٥٧٠٤] ، وتهذيب التهذيب : ٧ / ٤٠٩ [٧ / ٣٥٨ رقم ٦٦٥]. (المؤلف)

٥٩٣

قاتله مهما تأوّل فهو عادٍ عليه ناكبٌ عن الطريق ، ونحن لا نعرف اجتهاداً يسوِّغ العدوان الذي استقلَّ العقل بقبحه ، وعاضده الدين الإلٰهيّ الأقدس ، وإن كان أوّله معاوية أو ردّه ـ لمّا حدّث به عبدالله بن عمرو ، وقال عمرو بن العاص : يا معاوية أما تسمع ما يقول عبدالله ؟! ـ بقوله :

إنَّك شيخٌ أخرق ، ولا تزال تُحدِّث بالحديث ، وأنت ترحض في بولك ، أنحن قتلناه ؟ إنَّما قتله عليٌّ وأصحابه جاءوا به حتىٰ ألقوه بين رماحنا(١) ، وبقوله : أفسدت عليَّ أهل الشام ، أكلّ ما سمعت من رسول الله تقوله ؟

فقال عمرو : قُلتها ولستُ أعلم الغيب ، ولا أدري أنَّ صفّين تكون ، قلتها وعمّار يومئذٍ لك وليّ ، وقد رَويتَ أنت فيه مثل ما رَويتُ.

ولهما في القضيّة معاتبة مشهورة وشعر منقول ، منه قول عمرو :

تعاتبُني أنْ قلتُ شيئاً سَمعتُهُ

وقد قلتَ لو أنصفتَني مثلَهُ قبلي

أنعلُكَ فيما قُلْتَ نعلٌ ثَبيتةٌ

وتزلقُ بي في مثل ما قُلتَه نعلي

وما كان لي علمٌ بصفّينَ أنَّها

تكون وعمّارٌ يحثُّ علىٰ قتلي

ولو كان لي بالغيب علمٌ كتمتُها

وكابدتُ أقواماً مراجلُهم تغلي

أبى الله إلّا أنَّ صدرَكَ واغرٌ

عليَّ بلا ذنبٍ جَنَيْتُ ولا ذَحْلِ

سوىٰ أنَّني والراقصاتِ عشيّةً

بنصرك مدخولُ الهوىٰ ذاهلُ العقلِ

وأجابه معاوية بأبيات منها :

فيا قبّحَ الله العتابَ وأهلَهُ

ألم تَرَ ما أصبحتُ فيه من الشغلِ

فدع ذا ولكن هل لك اليومَ حيلةٌ

تردُّ بها قوماً مراجلهم تغلي

___________________________________

(١) تاريخ الطبري : ٦ / ٢٣ [٥ / ٤١] ، وتاريخ ابن كثير : ٧ / ٣٦٩ [٧ / ٢٩٩ حوادث سنة ٣٧ ه‍].

(المؤلف)

٥٩٤

دعاهم عليٌّ فاستجابوا لدعوةٍ

أحبَّ إليهم من ثَرى المال والأهل(١)

كما لستُ أعني ما أخرجه الطبرانيّ(٢) عن ابن مسعود عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إذا اختلف الناس كان ابن سميّة مع الحقِّ»(٣) ، وإن كان قاطعاً للحِجاج ، فإنّ المُناوئ لابن سميّة ـ عمار ـ على الباطل لا محالة ، ولا تجد اجتهاداً يبرِّر مناصرة المبطل على المُحقّ بعد ذلك النصّ الجليّ.

وإنَّما أعني ما أخرجه الحاكم في المستدرك(٤) (٣ / ٣٨٧) وصحّحه ، وكذلك الذهبيّ في تلخيصه ، بالإسناد عن عمرو بن العاص : إنّي سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «أللّهمّ أولعت قريش بعمّار ، إنّ قاتل عمّار وسالبه في النار».

وأخرجه السيوطيّ من طريق الطبرانيّ في الجامع الصغير(٥) (٢ / ١٩٣) ، وابن حجر في الإصابة (٤ / ١٥١).

وأخرج السيوطيّ في جمع الجوامع كما في ترتيبه(٦) (٧ / ٧٣) قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعمّار : «يدخل سالبك وقاتلك في النار». من طريق ابن عساكر(٧) ، و (٦ / ١٨٤) من طريق الطبرانيّ في الأوسط ، و (ص ١٨٤) من طريق الحاكم.

وأخرج الحافظ أبو نعيم وابن عساكر(٨) كما في ترتيب جمع الجوامع(٩) (٧ / ٧٢)

___________________________________

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٢ / ٢٧٤ [٨ / ٢٧ خطبة ١٢٤]. (المؤلف)

(٢) جمع الجوامع للسيوطي كما في ترتيبه : ٦ / ١٨٤ [كنز العمّال : ١١ / ٧٢١ ح ٣٣٥٢٥]. (المؤلف)

(٣) المعجم الكبير : ١٠ / ٩٦ ح ١٠٠٧١.

(٤) المستدرك على الصحيحين : ٣ / ٤٣٧ ح ٥٦٦١ ، وكذا في تلخيصه.

(٥) الجامع الصغير : ٢ / ٢٣٣ ح ٥٩٩٨.

(٦) كنز العمّال : ١٣ / ٥٣١ ح ٣٧٣٨٢ ، ص ٧٢١ ح ٣٣٥٢٢ ، ص ٧٢٤ ح ٣٣٥٤٤.

(٧) تاريخ مدينة دمشق : ١٢ / ٦٦١ ، وفي مختصر تاريخ دمشق : ١٨ / ٢١٩.

(٨) مختصر تاريخ دمشق : ١٨ / ٢١٩.

(٩) كنز العمّال : ١٣ / ٥٢٨ ح ٣٧٣٦٧.

٥٩٥

عن زيد بن وهب قال : كان عمّار بن ياسر قد ولع بقريش وولعت به ، فغدوا عليه فضربوه ، فجلس في بيته ، فجاء عثمان بن عفّان يعوده ، فخرج عثمان ، وصعد المنبر ، فقال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «تقتلك الفئة الباغية ، قاتل عمّار في النار».

وأخرج الحافظ أبو يعلىٰ وابن عساكر(١) كما في ترتيب جمع الجوامع(٢) (٧ / ٧٤) عن عبدالله بن عمر قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول لعمّار : «تقتلك الفئة الباغية ، بشِّر قاتل عمّار بالنار».

وفي جمع الجوامع كما في ترتيبه(٣) (٧ / ٧٥ و ٦ / ١٨٤) من طريق الحافظ ابن عساكر(٤) ، عن أُسامة بن زيد قال : قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ما لهم ولعمّار ، يدعوهم إلى الجنّة ، ويدعونه إلى النار ؟ قاتله وسالبه في النار».

أخرجه ابن كثير في تاريخه(٥) (٧ / ٢٦٨).

وفي ترتيب الجمع(٦) (٧ / ٧٥) من طريق ابن عساكر(٧) عن مسند عليّ :

«إنّ عمّاراً مع الحقِّ ، والحقُّ معه ، يدور عمّار مع الحقّ أينما دار ، وقاتل عمّار في النار».

وأخرج أحمد وابن عساكر(٨) عن عثمان ، وابن عساكر عن أُمّ سلمة عن

___________________________________

(١) تاريخ مدينة دمشق : ١٢ / ٦٣٧.

(٢) كنز العمّال : ١٣ / ٥٣٧ ح ٣٧٤٠٦.

(٣) المصدر السابق : ١١ / ٧٢٤ ح ٣٣٥٤٥ و ١٣ / ٥٤٠ ح ٣٧٤١٥.

(٤) تاريخ مدينة دمشق : ١٢ / ٦٢٦.

(٥) البداية والنهاية : ٧ / ٢٩٨ حوادث سنة ٣٧ ه‍.

(٦) كنز العمّال : ١٣ / ٥٣٨ ح ٣٧٤١١.

(٧) تاريخ مدينة دمشق : ١٢ / ٦٢٢.

(٨) المصدر السابق : ١٢ / ٦٣٦.

٥٩٦

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعمّار : «تقتلك الفئة الباغية ، قاتلك في النار». كنز العمّال(١) (٦ / ١٨٤) ، وأخرجه عن أُمّ سلمة ابن كثير في تاريخه(٢) (٧ / ٢٧٠) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة.

وأخرج أحمد في مسنده(٣) (٤ / ٨٩) عن خالد بن الوليد قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من عادىٰ عمّاراً عاداه الله ، ومن أبغض عمّاراً أبغضه الله» ، وأخرجه(٤) الحاكم في المستدرك (٣ / ٣٩١) بطريقين صحّحهما هو والذهبيُّ ، والخطيب في تاريخه (١ / ١٥٢) ، وابن الأثير في أُسد الغابة (٤ / ٤٥) ، وابن كثير في تاريخه (٧ / ٣١١) ، وابن حجر في الإصابة (٢ / ٥١٢) ، والسيوطيّ في جمع الجوامع كما في ترتيبه (٧ / ٧٣) من طريق ابن أبي شيبة وأحمد ، وفي (٦ / ١٨٤) من طرق أحمد وابن حبّان والحاكم.

وأخرج الحاكم في المستدرك(٥) (٣ / ٣٩٠) بإسناد صحّحه هو والذهبيّ عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلفظ : «من يسبُّ عمّاراً يسبّه الله ، ومن يبغض عمّاراً يبغضه الله ، ومن يسفّه عمّاراً يسفِّهه الله» ، ورواه السيوطيّ في الجمع كما في ترتيبه(٦) (٧ / ٧٣) من طريق ابن النجّار والطبرانيّ بلفظ «من سبّ عمّاراً سبّه الله ، ومن حقّر عمّاراً حقّره الله ، ومن سفّه عمّاراً سفّهه الله».

وأخرج الحاكم في المستدرك(٧) (٣ / ٣٩١) بإسناده بلفظ : «من يحقِّر عمّاراً

___________________________________

(١) كنز العمّال : ١١ / ٧٢٥ ح ٣٣٥٤٩.

(٢) البداية والنهاية : ٧ / ٣٠٠ حوادث سنة ٣٧ ه‍.

(٣) مسند أحمد : ٥ / ٥٠ ح ١٦٣٧٣.

(٤) المستدرك على الصحيحين : ٣ / ٤٤١ ح ٥٦٧٤ ، أُسد الغابة : ٤ / ١٣٢ رقم ٣٧٩٨ ، البداية والنهاية : ٧ / ٣٤٥ حوادث سنة ٣٧ ه‍ ، كنز العمّال : ١٣ / ٥٣٢ ح ٣٧٣٨٧ و ١١ / ٧٢٢ ح ٣٣٥٣٤ ، مصنّف ابن أبي شيبة : ١٢ / ١٢٠ ح ١٢٣٠٢ ، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان : ١٥ / ٥٥٦ ح ٧٠٨١.

(٥) المستدرك على الصحيحين : ٣ / ٤٣٩ ح ٥٦٧٠.

(٦) كنز العمّال : ١٣ / ٥٣٣ ح ٣٧٣٨٨ و ٣٧٣٩٠.

(٧) المستدرك على الصحيحين : ٣ / ٤٤١ ح ٥٦٧٥.

٥٩٧

يحقِّره الله ، ومن يسبّ عمّاراً يسبّه الله ، ومن يبغض عمّاراً يبغضه الله».

وأخرجه السيوطيّ في جمع الجوامع كما في ترتيبه(١) (٧ / ٧٣) من طريق أبي يعلىٰ وابن عساكر(٢) ، وفي (٦ / ١٨٥) عن أبي يعلىٰ وابن قانع والطبرانيّ والضياء المقدسيّ في المختارة.

وأخرج الحاكم في المستدرك(٣) (٣ / ٣٨٩) بإسناد صحّحه هو والذهبيّ في تلخيصه بلفظ : «من يسب عمّاراً يسبّه الله ، ومن يعادِ عمّاراً يعادِهِ الله».

وأخرج أحمد في المسند(٤) (٤ / ٩٠) بإسناده بلفظ «من يعادِ عمّاراً يعادِهِ الله عزَّ وجلَّ ، ومن يبغضه يبغضه الله عزَّ وجلَّ ومن يسبّه يسبّه الله عزَّ وجلَّ».

فأين هذه النصوص الصحيحة المتواترة(٥) من اجتهاد أبي الغادية ؟ أو أين هو من تبرير ابن حزم عملَ أبي الغادية ؟ أو أين هو من رأيه في اجتهاده ، ومحاباته له بالأجر الواحد ؟ وهو في النار لا محالة بالنصِّ النبويِّ الشريف ، وهل تجد بغضاً أو تحقيراً أعظم من القتل ؟

وهناك دروس في هذه كلّها يقرأها علينا التاريخ. قال ابن الأثير في الكامل(٦) (٣ / ١٣٤) :

إنّ أبا الغادية قتل عمّاراً ، وعاش إلىٰ زمن الحجّاج ، ودخل عليه فأكرمه الحجّاج ، وقال له : أنت قتلت ابن سميّة ؟ يعني عمّاراً. قال : نعم.

___________________________________

(٨) كنز العمّال : ١٣ / ٥٣٣ ح ٣٧٣٨٩ و ١١ / ٧٢٦ ح ٣٣٥٥٣.

(٩) تاريخ مدينة دمشق : ١٢ / ٦٢٥.

(١٠) المستدرك على الصحيحين : ٣ / ٤٣٩ ح ٥٦٦٧ ، وكذا في تلخيصه.

(١١) مسند أحمد : ٥ / ٥٢ ح ١٦٣٨٠.

(١٢) علىٰ ما اختاره ابن حزم من حدّ التواتر في سائر الأحاديث. (المؤلف)

(١٣) الكامل في التاريخ : ٢ / ٣٨٢ حوادث سنة ٣٧ ه‍.

٥٩٨

فقال : من سرّه أن ينظر إلىٰ عظيم الباع يوم القيامة ، فلينظر إلىٰ هذا الذي قتل ابن سميّة.

ثمّ سأله أبو الغادية حاجته ، فلم يجبه إليها ، فقال : نُوطّئ لهم الدنيا ، ولا يُعطونا(١) منها ، ويزعم أنّي عظيم الباع يوم القيامة.

فقال الحجّاج : أجل والله من كان ضرسه مثل أُحد وفخذه مثل جبل ورقان ومجلسه مثل المدينة والربذة إنَّه لعظيم الباع يوم القيامة ، والله لو أنَّ عمّاراً قتله أهل الأرض كلّهم لدخلوا كلّهم النار. وذكره ابن حجر في الإصابة (٤ / ١٥١).

وفي الاستيعاب(٢) هامش الإصابة (٤ / ١٥١) : أبو الغادية كان محبّاً في عثمان ، وهو قاتل عمّار ، وكان إذا استأذن علىٰ معاوية وغيره يقول : قاتل عمّار بالباب ، وكان يصف قتله له إذا سُئل عنه لا يُباليه ، وفي قصّته عجب عند أهل العلم ، روىٰ عن النبيّ قوله : «لا ترجعوا بعدي كُفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» ، وسمعه منه ، ثمّ قتل عمّاراً.

وهذه كلّها تنمُّ عن غايته المتوخّاة في قتل عمّار ، واطِّلاعه ووقوفه علىٰ ما أخبر به النبيُّ الأقدس في قاتل عمّار ، وعدم ارتداعه ومبالاته بقتله بعدهما ، غير أنَّه كان بطبع الحال علىٰ رأي إمامه معاوية ، ويقول لمحدّثي قول النبيّ بمقاله المذكور : إنَّك شيخ أخرق ، ولا تزال تحدّث بالحديث ، وأنت ترحض في بولك.

وأنت أعرف منّي بمغزىٰ هذا الكلام ومقدار أخذ صاحبه بالسنّة النبويّة واتِّباعه لما يُروىٰ عن مصدر الوحي الإلٰهي ، وبأمثال هذه كان اجتهاد أبي الغادية فيما ارتكبه أو ارتبك فيه.

___________________________________

(١) كذا في المصدر.

(٢) الاستيعاب : القسم الرابع / ١٧٢٥ رقم ٣١٠٩.

٥٩٩

وغاية ما عند ابن حزم في قتلة عثمان : أنَّ اجتهادهم في مقابلة النّص : «لا يحلُّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إلٰه إلّا الله وأنّي رسول الله إلّا بإحدىٰ ثلاث : الثيّب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة»(١).

لكنّه لا يقول ذلك في قاتل عليّ عليه‌السلام ومقاتليه وقاتل عمّار ، وقد عرفت أنَّ الحالة فيهم عين ما حسبه في قتلة عثمان.

ثمّ إنّ ذلك علىٰ ما أصّله هو في غير مورد لا يؤدّي إلّا إلىٰ خطأ القوم في اجتهادهم ، فَلِمَ لَم يُحابِهِم الأجر الواحد ، كما حابىٰ عبدالرحمن بن ملجم ونظراءه ؟ نعم ، له أن يعتذر بأنّ هذا قاتل عليّ ، وأولئك قتلة عثمان !

علىٰ أنَّ نفيه المجال للاجتهاد هناك إنَّما يصحُّ علىٰ مزعمته في الاجتهاد المصيب ، وأمّا المخطئ منه فهو جارٍ في المورد كأمثاله من مجاريه عنده.

ثمّ إنّ الرجل في تدعيم ما ارتآه من النظريّات الفاسدة وقع في ورطة لا تروقه ، ألا وهي سبُّ الصحابة بقوله : فهم فسّاقٌ ملعونون ، وذهب جمهور أصحابه إلىٰ تضليل من سبّهم بين مُكفِّر ومفُسِّق ، وأنَّه موجب للتعزير عند كثير من الأئمّة بقول مطلق من غير تفكيك بين فرقة وأخرىٰ أو استثناء أحد منهم ، وهو إجماعهم علىٰ عدالة الصحابة أجمعين(٢).

___________________________________

(١) أخرجه البخاري [في صحيحه : ٦ / ٢٥٢١ ح ٦٤٨٤] ، ومسلم [في صحيحه : ٣ / ٥٠٦ ح ٢٥] ، وأبو داود [في سننه : ٤ / ١٢٦ ح ٤٣٥٢] ، والترمذي [في سننه : ٤ / ١٢ ح ١٤٠٢] ، والنسائي [في السنن الكبرىٰ : ٢ / ٢٩١ ح ٣٤٧٩] ، وابن ماجة [في سننه : ٢ / ٨٤٧ ح ٢٥٣٤] ، والدارمي في السنن [٢ / ١٧٢] ، وابن سعد في الطبقات [٣ / ٦٧] ، وأحمد [١ / ٦٣١ ح ٣٦١٤] ، والطيالسي [ص ٣٧ ح ٢٨٩] في المسندين ، وابن هشام في السيرة ، والواقدي في المغازي : ص ٤٣٠ و ٤٣٢. (المؤلف)

(٢) راجع الصارم المسلول علىٰ شاتم الرسول : ص ٥٧٢ ـ ٥٩٢ ، والإحكام في أصول الأحكام [للآمدي] : ٢ / ٦٣١ [٢ / ١٠٢] ، والشرف المؤبّد : ص ١١٢ ـ ١١٩ [ص ٢٣٢ ـ ٢٤٧]. (المؤلف)

٦٠٠