وبالجملة : أنّ الاستثناء المفرغ صريح في إفادة الحصر ، وأمّا الاستثناء التامّ بعد النفي فلا يمكن إخراجه عن إفادة الحصر إلاّ بجعل الاخراج فيه قبل الحكم ، أو بجعل « إلاّ » فيه وصفية ، وكلّ منهما خلاف الظاهر ، بل إنّ الأوّل ـ أعني الاخراج قبل الحكم ليكون ما بعد « إلاّ » مسكوتا عنه ـ غير معقول كما أفاده شيخنا قدسسره وقد مرّ شرحه.
وهكذا الحال في الاستثناء بعد الاثبات فإنّه يدلّ على نفي الحكم عمّا بعد إلاّ ، ولا يعدل عن هذا الظاهر إلاّ بقرينة قوية تدلّ على أنّ « إلاّ » مسوقة للوصف ، أو على أن الاخراج قبل الحكم ليكون ما بعد إلاّ مسكوتا عنه ، وقد عرفت ما في الأوّل والثاني. لكن الاستثناء من الاثبات خارج عن محلّ الكلام من الحصر ، فإنّ مرجع الحصر إلى نفي الحكم عمّا عدا المحصور عليه وإثباته للمحصور عليه ، مثل قولك ما قام أحد إلاّ زيدا ، يكون ما بعد « إلاّ » محصورا عليه. أمّا مثل قام القوم إلاّ زيدا ، فإنّ الأمر فيه بالعكس ، أعني أنّه من قبيل نفي الحكم عمّا بعد إلاّ ، وإثباته لما عداه ، هذا.
ولكن عدّ الحصر من أقسام المفهوم لا يخلو من تسامح ، فإنّ النفي والاثبات فيه بدلالة المنطوق كما رجّحه في الكفاية (١). نعم الاستثناء من الاثبات داخل في المفهوم ، باعتبار أنّه يفهم من الاستثناء في مثل « قام القوم إلاّ زيد » أنّ زيدا لم يقم ، لكنّه أيضا بدلالة « إلاّ » على مخالفة ما بعدها لما قبلها ، لا أنّه من قبيل المفهوم الذي هو لازم المنطوق.
وينبغي أن يعلم أنّ أصل خلاف أبي حنيفة إنّما هو في أنّ الاستثناء من النفي لا يدلّ على الاثبات فيما بعد « إلاّ » ، مستشهدا على ذلك بمثل « لا صلاة إلاّ
__________________
(١) كفاية الأصول : ٢١١.
![أصول الفقه [ ج ٥ ] أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F973_osol-alfeqh-05%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
