وتلك المرتبة هي مرتبة بيان الحكم والاعلان به وتبليغه على النحو المتعارف ، ولا ريب أنّ هذه المرتبة لا تؤثّر على المرتبة الأولى بعد فرض أنّها أثّرت أثرها ، بأن جعل الشارع الحكم على طبقها.
نعم ربما كان الوقت غير ملائم لجعل الحكم بحيث كانت هناك مفسدة تمنع من جعله ، لكن هذا وإن كان ممكنا إلاّ أنّ فرض الكلام إنّما هو خلافه ، لأنّ فرض الكلام إنّما هو بعد أن كانت مصلحة الجعل تامّة غير مزاحمة بشيء ، وإنّما كان المانع مانعا من إظهاره والإعلان به.
والغرض من هذا كلّه مجرّد الامكان لينفتح لنا كون المسألة من باب التخصيص المنفصل ، مثلا لو كان ولدك يضرّه لبس الحرير بأن يكون لبسه له موجبا لوقوعه في حمّى أيّام قلائل ، لكنّك لو أخبرته بأنّه حرام عليه يموت ، ففي هذه الصورة تارة يكون الشارع الحكيم قد جعل له حرمة لبس الحرير لكنّه لا يخبره به مخافة موته من جهة إخباره به ، فكان الضرر الأهمّ في الإخبار لا في أصل الجعل والتشريع. وأخرى لا يجعل له الحرمة بل يؤخّر جعلها حتّى يرتفع محذور إخباره بها وعند ذاك يجعلها ويخبره بها لأجل جهة تمنع من أصل الجعل ، والكسر والانكسار إنّما يجري في الصورة الثانية دون الأولى.
والخلاصة : هي أنّ المفسدة الغالبة إن كانت في نفس الجعل كان المقام من قبيل الكسر والانكسار ورجع الأمر إلى النسخ ، وإن لم تكن المفسدة الغالبة إلاّ في البيان بعد الجعل لم يكن لغلبتها أثر إلاّ ترك البيان مع بقاء الحرمة الواقعية على ما هي عليه ، فلا يكون المقام إلاّ من قبيل تأخير البيان لا من باب النسخ ، وفي الحقيقة يكون الكسر والانكسار في البيان ، فإنّه واجب في حدّ نفسه على الحكيم من باب اللطف ، لكونه موصلا لهم إلى المصلحة الواقعية ومبعدا لهم عن
![أصول الفقه [ ج ٥ ] أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F973_osol-alfeqh-05%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
