الانحصار ، على تأمّل في ذلك مرّت الاشارة إليه (١) من أنّ أصل ثبوت تقييد الحكم في ناحية الجزاء لا يثبت إلاّ التقييد في الجملة ، ويبقى الترديد بين كونه على نحو العلّية التامّة أو على نحو الانحصار بحاله ، وهما معا في رتبة واحدة ، فلا وجه لتقديم أحد التصرفين على الآخر.
هذا كلّه فيما تقتضيه صناعة الاطلاق والتقييد ، ولكن ربما كان الظهور العرفي في بعض القضايا على خلاف ذلك ، كما في مثل إذا بلت انتقض وضوءك ، وإذا نمت انتقض وضوءك ، فإنّ الانتقاض وإن كان حكما شرعيا وهو مقيّد بالنوم مرّة وبالبول أخرى ، فيكون حاله حال وجوب القصر مثلا ، إلاّ أنّ الظاهر العرفي من ذلك هو أنّ المتكلّم بمثل هذه القضايا ناظر إلى أمر موجود محقّق ، وهو الطهارة من الحدث ، وأنّه يرتفع وينتقض بالبول وينتقض بالنوم ، فيكون كلّ منهما سببا لذلك الانتقاض. وكذلك الحال فيما لو أشرت إلى شيء طاهر من الخبث وقلت إنّ هذا إن لاقى البول تنجّس وإن لاقى الدم تنجّس.
والحاصل : أنّ مثل هذه القضايا تكون في مقام تعداد الأسباب ، ويكون المتحصّل من مجموعها هو أنّ كلّ واحد سبب مستقل ، فيكون من قبيل تعدّد الأسباب والمسبّب واحد ، فيكون السبب هو القدر الجامع إن كان هناك جامع عرفي ، وإن لم يكن كان السبب هو أحدها على البدل وإن رجع ذلك عقلا إلى كون المؤثّر هو القدر الجامع ، فيكون وزان هذه القضايا الشرعية وزان القضايا العادية في مقام الإخبار بالأسباب العادية ، مثل قولك مشيرا إلى ماء بارد إنّك إن وضعته في الشمس ذهبت برودته وإن قرّبته إلى النار ذهبت برودته.
وإن شئت فقل : إنّا نعلم من الخارج أنّه ليس الاجتماع معتبرا في هذه
__________________
(١) في الصفحة : ٢٢ ـ ٢٣.
![أصول الفقه [ ج ٥ ] أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F973_osol-alfeqh-05%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
