بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) قد مضى وجه الأداء بالماضي في السّور السّابقة ، والإتيان بالمضارع في هذه السّورة وفي التّغابن (الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ) قد مضى بيان قدسه تعالى والفرق بينه وبين تسبيحه في البقرة عند قوله تعالى : (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) (الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) التّوصيف بهذه الأوصاف لبيان علّة تسبيح الأشياء تماما له ، وقرئ الكلّ بالرّفع على المدح (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ) كلام منقطع عن سابقه وبيان للامتنان على أمّة محمّد (ص) وتمهيد للتّعريض الآتي (يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) قد مضى بيان لهذه الآية ووجه تقديم التّزكية على التّعليم فيها ، ووجه تقديم التّعليم على التّزكية في دعاء إبراهيم (ع) بقوله : (رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ) (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ) من الامّيّين أو من جنسهم من سائر النّاس من الأعاجم وهو عطف على الامّيّين أو على مفعول يعلّمهم والمراد بالآخرين التّابعون وتابعوا التّابعين الى يوم القيامة ، أو غير أهل مكّة من أهل العالم من الفارس والتّرك والرّوم ، أو المراد بالآخرين آخرون في الرّتبة ، وروى انّ النّبىّ (ع) قرأ هذه الآية فقيل له : من هؤلاء؟ ـ فوضع يده على كتف سلمان رحمهالله وقال : لو كان الايمان في الثّريا لنالته رجال من هؤلاء (لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ) وسيلحقون بهم الى يوم القيامة (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ذلِكَ) اى بعث رسول من جنس البشر أو بعث مثل محمّد (ص) الّذى يزكّيهم ثمّ يعلّمهم الكتاب والحكمة (فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ) من الأمم فيكون منّة منه تعالى على أمّة محمّد (ص) ، أو ذلك الرّسالة وتذكير اسم الاشارة باعتبار الخبر كأنّه قال : ذلك الفضل الّذى هو الرّسالة والنّبوّة فضل الله يؤتيه من يشاء من افراد البشر (وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) فيعطى أزيد من ذلك أو لا ينقص من فضله شيء بإيتاء الرّسالة للمستحقّين أو ذو الفضل العظيم على النّاس ببعثة محمّد (ص) فيهم (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ) حملهم التّوراة انبياؤهم وعلماؤهم بان علّموهم التّوراة وكلّفوهم العمل بها ، وهذا بيان لحال اليهود وذمّ لهم لكنّه تعريض بمنافقى أمّة محمّد (ص) الّذين لم يقرّوا بعلىّ (ع) والّذين لم يعملوا بالقرآن (ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها) بان لم يعملوا بها (كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً) في كلفة الحمل والتّعب فيها وعدم الانتفاع بها بل التّضرّر بثقلها وتعب حملها ، فمن تعلّم القرآن ولم يعمل بما فيه كائنا من كان كان من أهل هذا المثل مثل الصّحابة الّذين اهتمّوا بحفظ القرآن عن التّغيير وبتلاوته وقراءته ولم يعملوا بما فيه من مراعاة العترة ومودّتهم واتّباعهم ، وكذلك من تعلّم القرآن وعلم احكامه وعمل بما فيه ، ومن تعلّم احكام الشّريعة وعمل بها لكن كان منظوره من علم ذلك الحيوة الدّنيا لا الحيوة الآخرة كان من أهل هذا المثل ، ونعم ما قال المولوىّ :
|
علمهاى أهل دل حمّالشان |
|
علمهاى أهل تن احمالشان |
|
علم چون بر دل زند بارى شود |
|
علم چون بر تن زند بارى شود |
|
گفت ايزد يحمل أسفاره |
|
بار باشد علم كان نبود ز هو |
![تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة [ ج ٤ ] تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3373_tafsir-bayan-alsaade-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
