خارجا من دين الله فانّه إذا جاء الفتح المطلق للسّالك يرى جميع الحدود والتّعيّنات مرتفعة كما قيل :
|
صورت خود را شكستى سوختى |
|
صورت كلّ را شكست آموختى |
وإذا انقلب البصر ورأى السّالك ذلك كان زمان ارتحاله الكلّىّ ونقلته العظمى قريبا فيستنبط من هذا أيضا نعى نفسه (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) اى نزّه ربّك أو لطيفتك الانسانيّة عمّا لا يليق بشأنه تعالى وشأنها وليكن تنزيهك بالجمع بين صفات الجلال والجمال ولا تكن كموسى (ع) ناظرا الى المظاهر ولا كعيسى (ع) ناظرا الى الظّاهر ، وكن ناظرا الى المظاهر والظّاهر من دون رجحان أحد النّظرين الى الآخر ، فانّ هذا معنى التّسبيح بالحمد يعنى إذا جاء نصر الله المطلق والفتح المطلق بحيث ترى الكلّ يدخلون في دين الله أفواجا فجاهد حتّى لا يختفى الكثرات عن نظرك ولا تشتغل بالتّوحيد عن حضورك ، والكلّ جنودك بل تكون جامعا بين الوحدة والكثرة والحقّ والخلق (وَاسْتَغْفِرْهُ) واطلب منه ستر الحدود حتّى لا يغلب رؤية الحدود على رؤية الحقّ الاوّل تعالى في المظاهر (إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً) كثير المراجعة على العباد ، أو استغفره لجنودك ما ترى عليهم من الحدود والنّقائص انّه كان توّابا على جميع خلقه.
سورة تبّت
مكّيّة خمس ايات
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ) تبّ تبّا وتببا وتبابا وتبيبا نقص وخسر ، وتبّ الشّيء قطعه ، ونسبة التّبّ الى يديه لأجل قطعه حياته الابديّة ووصلته الاخرويّة بيديه ، ولكون اعماله الّتى هي سبب الخسران والهلاك ظاهرة على يديه في الأغلب ، والجملة الاولى دعائيّة والثّانية خبريّة أو كلتاهما دعائيّة أو خبريّة ، ويكون الاولى بالنّسبة الى الدّنيا والاخرى بالنّسبة الى الآخرة ، أو بملاحظة انّ الاولى بالنّسبة الى نفسه والثّانية بالنّسبة الى الإغناء بالمال ، وابو لهب هذا عمّ رسول الله (ص) واسمه عبد العزّى وكنّوه بتلك الكنية لبريق وجنتيه ، وأتى بكنيته دون اسمه لمراعاة الجناس مع قوله : ذات لهب ، وكان شديد المعاداة لمحمّد (ص) : قيل : رأيت في سوق ذي المجاز شابّا يقول : ايّها النّاس قولوا : لا اله الّا الله تفلحوا ، وإذا برجل خلفه يرميه قد أدمى ساقيه ، ويقول : ايّها النّاس انّه كذّاب فلا تصدّقوه ، فقلت : من هذا؟ ـ فقالوا : هو محمّد (ص) يزعم انّه نبىّ وهذا عمّه ابو لهب : يزعم انّه كذّاب (ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ) لفظة ما موصولة وهي فاعل تبّ اى تبّ الإغناء الّذى اغنى عنه ماله أو مصدريّة وهي مع صلتها فاعل تبّ ، أو فاعل تبّ ابو لهب ، وما نافية والجملة خبريّة أو دعائيّة أو لفظة ما استفهاميّة (وَما كَسَبَ) ما موصولة أو مصدريّة أو نافية أو استفهاميّة ومعطوفة على ما اغنى أو مصدريّة أو موصولة ومعطوفة على ماله والمقصود ممّا كسب ما كسبه بما له من الأرباح والعرض والجاه والخدم والحشم ، أو المقصود ممّا كسب أولاده ، أو المجموع ، وهذا اخبار منه (ص) بما سيقع وقد وقع الأمر كما أخبر فانّه لمّا أنذره النّبىّ (ص) بالنّار قال : ان كان ما تقول حقّا افتد بمالي وولدي ، فافترسه أسد في طريق الشّام وقد احدق به العير ولم يغن عنه ماله ولا ولده ، ومات بالعدسة بعد وقعة بدر بايّام معدودة وترك ثلاثا حتّى أنتن ثمّ استأجروا بعض السّودان حتّى دفنوه (سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ) اى سيقاسى حرّها (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ
![تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة [ ج ٤ ] تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3373_tafsir-bayan-alsaade-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
