سورة المدّثر
مكّيّة ، ستّ وخمسون آية.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) تدثّر تلفّف بثيابه ، روى عن الرّسول (ص) انّه قال : جاورت شهرا بحراء فلمّا قضيت جواري نزلت فاستبطنت (١) الوادي فنوديت ، فنظرت امامى وخلفي وعن يميني وشمالي فلم أر أحدا ، ثمّ نوديت فرفعت رأسى فاذا هو على العرش في الهواء يعنى جبرئيل فقلت : دثّروني دثّروني فصبّوا علىّ ماء فأنزل الله عزوجل : يا ايّها المدّثّر ، وفي خبر : فرعبت ورجعت الى خديجة فقلت : دثّروني ، فنزل جبرئيل يا ايّها المدّثّر (قُمْ) عن نومك أو عن التحافك أو عن الكثرات أو عن طبعك (فَأَنْذِرْ) العباد عن الشّيطان وعن مساوي النّفس وعن رذائلها وعن سخط الله وعقوباته ، ولمّا كان ينبغي ان يكون الرّسول (ص) واقعا بين الوحدة والكثرة جامعا لهما بحيث لا يستر جهة الوحدة ولا يتدنّس بعلائق الكثرة حين الاشتغال بالكثرة ولا يغفل عن الكثرة حين الاستغراق في الوحدة قال تعالى : قم عن الاشتغال بالكثرات وتوجّه الى جهة الوحدة وانذر بعد ذلك حتّى لا يذهب إنذارك جهة الوحدة عنك (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) اى لكن ربّك فكبّر حتّى لا ترى شيئا الّا ورأيت الله محيطا به ، وقدّم الرّبّ لشرافته ولارادة الحصر ، والفاء زائدة للتّأكيد ، أو لتقدير امّا أو توهّمه (وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ) كناية عن تطهير القلب من ادناس الكثرات فانّه كثيرا يكنّى بتلوّث الثّياب عن تلوّث القلب وتعلّقاته ، وعن الصّادق (ع) في خبر انّه قال : شمّر ، وفي خبر : ارفعها ولا تجرّها ، وفي خبر عنه : وثيابك فقصّر (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) الرّجز بالضّمّ والكسر وقرئ بهما القذر وعبادة الأوثان والعذاب والشّرك ، والكلّ مناسب ، وقيل : المعنى اهجر الأصنام ، وقيل : اجتنب المعاصي ، وقيل : اجتنب الفعل القبيح والخلق الذّميم ، وقيل : اجتنب حبّ الدّنيا لأنّه رأس كلّ خطيئة (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) اى لا تعط طلبا لاكثر ممّا أعطيت ، أو لا تمنن على العباد عادّا لعطائك كثيرا ، أو لا تمنن بحسناتك على الله مستكثرا لها ، أو لا تمنن ما أعطاك من النّبوّة أو القرآن أو الدّين على النّاس مستكثرا به الأجر من العباد ، وقيل : هو نهى عن الرّبا المحرّم (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) على مشاقّ التّكليف وأثقال النّبوّة ، أو فاصبر على أذى القوم ، أو على محاربة العرب والعجم ، أو على الطّاعات والمصائب وعن المعاصي (فَإِذا نُقِرَ) الفاء سببيّة يعنى لانّه إذا نقر (فِي النَّاقُورِ) اى نفخ في الصّور في النّفخة الاولى أو الثّانية أو حين ظهور القائم (ع) (فَذلِكَ) اليوم (يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ) على الكافرين متعلّق بعسير أو بيسير ، وهذا التّقييد يدلّ على سهولته ويسره على المؤمنين ، وعن الصّادق (ع) في هذه الآية: انّ منّا إماما مظفّرا مستترا فاذا أراد الله إظهاره نكت في قلبه نكتة فظهر فقام بأمر الله (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً) الوحيد بمعنى المتوحّد وهو حال عن فاعل خلقت ، أو عن من ، أو عائده المحذوف ، أو المراد به الوليد بن المغيرة فانّه كان يسمّى وحيدا في قومه فيكون بدلا من من ، أو لانّه كان لا يعرف له أب ، والوحيد من لا يعرف له أب ، وحينئذ يكون حالا عن من (وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً) اى كثيرا أو متّصلا منافعه لا يقطع في فصل ، ولا يكون كسائر الضّياع وسائر الأموال ، أو ممدودا ما بين مكّة الى الطّائف
__________________
(١) اى وصلت الى بطنها.
![تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة [ ج ٤ ] تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3373_tafsir-bayan-alsaade-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
