كما انّ هذه الأرض مستشرقة بنور الشّمس ، وإذا تبدّل ارض العالم الصّغير وصارت ارض الملكوت غالبة على ارض الملك استشرقت ارض البدن بنور ملكوت الامام بل ارض العالم الكبير تصير مشرقة بنور ملكوته ويصير الإنسان مستغنيا بنور الامام عن نور الشّمس كما قال المولوىّ قدسسره عن الشّيخ المغربىّ :
|
گفت عبد الله شيخ مغربي |
|
شصت سال از شب نديدم من شبى |
|
من نديدم ظلمتى در شصت سال |
|
نى بروز ونى بشب از اعتدال |
ولمّا كان الإنسان أنموذجا من العالم كان إذا تولّد بالولادة الثّانية وظهر عليه ملكوت امامه ظهر عليه كيفيّة اشراق الأرض بنور ربّها ، قال الصّادق (ع) : ربّ الأرض امام الأرض ، قيل : فاذا خرج يكون ماذا؟ ـ قال: إذا يستغنى النّاس عن ضوء الشّمس ونور القمر ويجتزءون بنور الامام ، وعنه (ع) : إذا قام قائمنا أشرقت الأرض بنور ربّها واستغنى العباد عن ضوء الشّمس وذهبت الظّلمة ، وكلّ ذلك في العالم الصّغير اشارة الى التّولّد الثّانى وظهور ملكوت الامام (وَوُضِعَ الْكِتابُ) قد مضى في سورة الكهف بيان وضع الكتاب (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ) الّذين هم رسل الله الى الخلق ليسئلوا عن اجابة الخلق لهم وطاعتهم وانقيادهم لله (وَالشُّهَداءِ) اى خلفاء الرّسل (ع) في دعوة الخلق الّذين يشهدون بأفعالهم وأحوالهم وأخلاقهم وأقوالهم على النّاس بعد الأنبياء (ع) (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) بين العباد أو بين النّبيّين والشّهداء وبين الخلق (بِالْحَقِ) بحيث لا يشوب القضاء باطل أصلا (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ) قد سبق معنى توفية كلّ نفس ما عملت في سورة آل عمران (وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ) حال يعنى انّ الإتيان بالنّبيّين والشّهداء ليس لجهل الله بهم وبأفعالهم (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا) بالولاية بقطعها تكليفا وتكوينا حتّى يموتوا وهم كافرون (إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً) جمع الزّمرة الفوج والجماعة في تفرقة ، ولمّا كان أهل الجحيم بحسب اختلاف أحوالهم متفرّقين بالسّبق وعدمه وشدّة العذاب وخفّته استعمل الزّمر فيهم (حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها) جعل فتحت هاهنا جوابا لاذا اشارة الى انّ أبواب الجحيم مغلقة قبل الوصول إليها فاذا وصلوا إليها تفتح لهم بخلاف أبواب الجنان فانّها مفتوحة على الخلق قبل إتيانهم إليها ، ووجهه انّ الإنسان بعد خلق آدم من التّراب المجموع من السّماوات والأرضين والسّجّين والعلّيّين في ارض بدنه يؤوى آدمه في الجنّة الدّنيا فيكون آدمه في الجنّة من اوّل خلقته فأبواب الجنّة من اوّل خلقته مفتوحة عليه وهو داخل فيها وليس يخرج منها الّا بعصيانه ، وامّا أبواب الجحيم فهي مغلقة لانّ الجحيم وأبوابها ضدّ لفطرة آدم فهي مغلقة عليه الّا إذا خرج من الجنان وسيق الى النّيران فاذا سيق الى النّيران تفتح أبوابها عليه ولذلك لم ينسب الله تعالى في شيء من الآيات الدّخول الى أبواب الجنان ونسب الدّخول في كثير من الآيات الى أبواب الجحيم (وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ) كأنّهم قالوا : لكنّا كنّا كافرين وحقّت كلمة العذاب علينا لكفرنا فلم نتنبّه بتنبيههم (قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها) في جهنّم (فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ) قد مضى بيان التّقوى ومعانيها ومراتبها في اوّل البقرة وفي أواسطها وفي غيرها (إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً) جماعات مختلفين بحسب الحال والمراكب والمراتب والمنازل (حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها) جواب إذا محذوف اى دخلوها ، أو كان لهم من الكرامة ما لا يمكن وصفها وقد ذكرنا في قرينه وجه إسقاط الواو هناك والإتيان بها هاهنا ، وقيل : الإتيان بالواو هاهنا لكون أبواب الجنان ثمانية
![تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة [ ج ٤ ] تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3373_tafsir-bayan-alsaade-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
