وقلبه وتنحطم بحيث كأنّه لم يكن له انسانيّة وقلب وإذا نظرت حقّ النّظر رأيته لم يكن فيه شيء من صفات الإنسان (إِنَّها) اى الحطمة أو النّار (عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ) اى مطبقة اى يطبق أبوابها عليهم ، أو ينطبق النّار عليهم بحيث لا تدع منهم شيئا (فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) العمد بالتّحريك والعمد بالضّمّتين ، وقرئ بهما جمع العود ، والظّرف حال عن الضّمير المجرور بعلى يعنى انّهم موثّقون على الاعمدة الطّويلة ، أو حال عن الضّمير المنصوب اى انّ النّار بأبوابها مطبقة عليهم حالكونها في مسامير من الحديد المحمى يعنى انّ الأبواب تطبق عليهم ثمّ تشدّ بمسامير من الحديد ، وقيل : المراد عمد السّرادق الّتى في قوله تعالى : أحاط بهم سرادقها ، وقيل : المراد بالعمد الأغلال الّتى يقيّدون بها.
سورة الفيل
مكّيّة ، خمس آيات
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ) الخطاب عامّ أو خاصّ بمحمّد (ص) يعنى انّ قضيّتهم مشهورة بحيث تكاد ترى لكلّ راء وان كان قد مضى زمانها ، ومحمّد (ص) فتح الله بصيرته بحيث صار الماضي والآتي في نظره كالحاضر (أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ) لخراب البيت (فِي تَضْلِيلٍ) في الافناء والإهلاك أو في عدم الاهتداء الى المقصد ، قد اجمع الرّواة انّ الّذى قصد بالفيل الكعبة هو ملك اليمن ، وقيل : كان من قبل النّجاشىّ ملك الحبشة على اليمن وكان حركته الى مكّة بأمره ، والنّجاشىّ هذا كان جدّ النّجاشىّ الّذى كان في زمن النّبىّ (ص) وأقرّبه ، وكان اسم ملك اليمن أبرهة بن الصّباح الاشرم وكنيته ابو يكسوم بنى كعبة باليمن وامر النّاس ان يحجّوا إليها ، وانّ رجلا من بنى كنانة خرج حتّى قدم اليمن ثمّ نظر إليها فقعد فيها لقضاء حاجته فغضب أبرهة لذلك واحلف ان يهدم البيت ، ثمّ خرج بجنوده ونزل على ستّة أميال من مكّة فبعث مقدّمته وأصاب مقدّمته مأتى بعير لعبد المطلّب فلمّا بلغه خرج حتّى أتى القوم فاستأذن على أبرهة فأذن له بعد ما عرفوه انّه رئيس القوم فدخل عليه وهو على سريره فعظّمه ونزل من سريره وجلس معه ثمّ قال : ما حاجتك؟ ـ قال : حاجتي مأتا بعير أصابتها مقدّمتك ، قال : أعجبتني رؤيتك وزهّدنى فيك كلامك ، قال : ولم ايّها الملك؟ ـ قال: لأنّى جئت لأهدم بيت عزّكم وشرفكم وجئت تسألنى حاجتك ولا تسأل عن انصرافي عن بيتكم؟! فقال : انا ربّ الإبل وللبيت ربّ يمنعك منه ، فأمر ابو يكسوم بردّ ابله فخرج فلمّا أصبحوا بعثوا فيلهم فلم ينبعث ، وقيل: كان معهم فيل واحد اسمه محمود ، وقيل : ثمانية افيال ، وقيل : اثنا عشر ، فظهر عليهم طير من قبل البحر مع كلّ ثلاثة أحجار حجر في منقاره وحجران في رجليه ، وكانت ترفرف على رؤسهم وترمى في دماغهم فيدخل الحجر في دماغهم ويخرج من ادبارهم وينتقض أبدانهم فصاروا كما قال تعالى كعصف مأكول ، ولم يبق منهم الّا رجل واحد هرب فجعل يحدّث النّاس بما رأى إذ طلع عليه طائر منها بعد ما وصل الى اليمن فرفع رأسه فقال : هذا منها وجاء الطّير حتّى حاذى رأسه ثمّ القى الحجر عليه فخرج من دبره فمات ، وكان ذلك في العام الّذى ولد فيه رسول الله (ص) ، وقيل : كان قبل مولده بثلاث وعشرين سنة ، وقيل : بأربعين سنة (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ) أبابيل جمع بلا واحد يقال : ابّل أبابيل اى فرّق ، أو هو جمع الابّالة بكسر الهمزة وتشديد الباء ، أو جمع الابّيل كسكّيت بمعنى القطعة من الطّير ، والإبل والمتتابعة منها ، وكان الطّير هذه الطّير المعروفة بابابيل ، وفي خبر عن الباقر (ع): كان
![تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة [ ج ٤ ] تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3373_tafsir-bayan-alsaade-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
