الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ) (١) ودموعه تجري على خديه ، فأجهش القوم لبكائه ثم سكت وسكتوا ، فأصدر إليه عمر مسألته وأدى على جوابها ، فقال له عمر : يا أبا الحسن لقد أرادك الحق ولكن أبى قومك : فقال : يا أبا حفص احفظ عليك من هنا ومن هنا ، إن يوم الفصل كان ميقاتا ، فلمّا أراد عمر الإنصراف قال : ألا اُونسك يا بن عباس ؟
قال ابن عباس : فأخذ بيدي وقال : يا ابن عباس لقد كان ابن عمك أحق بهذا الأمر لولا ثلاث .
قلت : وما هي ؟ قال : حداثة سنه ، ومحبته لأهل بيته ، وبغض قريش له .
قال : فقلت يا أمير المؤمنين أتأذن في الجواب ؟ فقال : قل ، قلت : أمّا حداثة سنه فوالله ما استحدثه الله حين جعله أخاً لنبيه وجعل نفسه كنفسه ، وأمّا محبته لأهل بيته فقد عمل بقول الله تعالى فيهم : ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (٢) ، وأمّا بغض قريش له ، فعلى من نقمت قريش ؟ ! أعلى الله حيث أمر رسوله بحربها ؟ أم على رسوله حيث أمر عليّاً بقتالها ؟ أم على عليّ حيث أطاع الله ورسوله فيها ؟ قال : فجذب يده من يدي وقال : يا بن عباس إنك لتغرف مـن بحر » (٣) .
وعلى هذا النمط تأتي بقية المحاورات حيث تبدأ باستدراج من عمر ، ثم إثارة ، ثم استفزاز ، ثم إظهار الكوامن ، وبالتالي اعتراف بالحقيقة . ومع ذلك كله فلا تصل النتائج إلى القطيعة التامة بين الصاحبَين غير المتصافيَين . بل كان عمر
____________________
(١) القيامة / ٣٦ ـ ٣٧ .
(٢) الشورى / ٢٣ .
(٣) أنظر المنتخب للطريحي / ٣٣ ـ ٣٤ ط الثالثة بالحيدرية سنة ١٣٦٩ هـ ـ ١٩٤٩ م .
![موسوعة عبد الله بن عبّاس [ ج ٢ ] موسوعة عبد الله بن عبّاس](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1165_mosoa-abdollahebnabbas-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

