كان المَفروض أنْ تَفقد السيّدة زينب الكُبرىٰ وَعْيَها ، وتَنهار أعصابُها ، وتَنسىٰ كلَّ شيء حتّىٰ نفسَها ، وتَتعطّل ذاكرتُها أمامَ جبال المصائب والفَجائع ، والهموم والأحزان .
نعم ، هكذا كان المفروض ، ولكنّ إيمانها الراسخ العجيب بالله تعالىٰ ، وقلبها المطمئن بِذكْر الله ( عزّ وجلّ ) كان هو الحاجز عن صدور كلّ ما يُنافي الوقار والإتّزان ، والخروج عن الحالة الطبيعيّة .
وليس معنىٰ ذلك السكوت الذي يُساوي عدمَ الإهتمام بتلك الفاجعة أو عدمَ المبالاة بما جرىٰ ، بل لا بُدَّ مِن إيقاظ الشعور العام بتلك الجناية العظمىٰ ، التي صَدَرتْ مِن أرجَس عِصابة علىٰ وجْه الأرض .
فلا عَجَب إذا هاجتْ أحزانُها هَيجانَ البحار المُتلاطمة الأمواج ، وتَفايض قلبُها الكبير . . بالعواطف والمحبّة ، وجعلتْ تَندبُ أخاها بكلمات في ذروة الفصاحة والبلاغة ، وتُعتبر أبلغ كلمات سَجَّلها التاريخ في الرثاء والتأبين ، وفي مقام التَوَجّع والتَفَجّع . (١)
قال الراوي : فوالله لا أنسىٰ زينبَ بنت علي وهي تَندب أخاها
____________________
(١) وكان ذلك حينما مَرّوا بقافلة الأُسارىٰ علىٰ مَصْرَع الإمام الحسين ( عليه السلام ) يوم الحادي عشر مِن المحرّم .
