النقل وبين أصحاب هذه الأبحاث ، فقال أهل النقل من اليهود والنصارى إنّ هذا البحث التحليلي وكل فحص في تاريخ الكتاب المقدس ليس إلّا طعنا في الدين ، ونسبوا إلى هؤلاء الباحثين عدم الإيمان ، وزعموا أنّهم لا يريدون شيئا غير التشكيك والزندقة والإلحاد ، ولكن آراء المفكرين ـ أصحاب هذه المباحث ـ قد ذاعت الآن وانتشرت حتى طغت على آراء غيرهم ممن يتمسكون بالنقل ، فأنت ترى الآن أكثر علماء اليهود وعلماء النصارى يتبعون في أبحاثهم وتدريسهم طريقة هذا البحث التحليلي ولو خالف هؤلاء في بحثهم أهل النقل والطريقة القديمة.
وإذا تبيّنا أصل الاختلاف بينهما وجدناه في غير النص الموجود بين أيدينا الآن ، فأمّا أهل النقل فاعتمدوا على آراء القدماء وعلى هذه التخيّلات الّتي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم والّتي نقلها العلماء من دور إلى دور ، وإذا ما وجدوا بين هذه الآراء خلافا اختاروا واحدا منها ، وقالوا إنّه ثقة وغيره ضعيف أو كاذب. وأمّا أهل التنقيب فطريقتهم في البحث أن يجمعوا الآراء والظنون والأوهام والتصوّرات بأجمعها ، ليستنتجوا بالفحص والاكتشاف ما كان منها مطابقا للمكان والزمان وظروف الأحوال معتبرين المتن دون الاسناد يجتهدون في إقامة نص التوراة والإنجيل كما أقيم نص قصائد هوميروس أو نص رسائل أرسطو الفيلسوف.
بدأ نولدكه (noldede) الألماني باستعمال طريقة البحث هذه في نص القرآن الشريف في كتابه المشهور الجليل المسمّى : تاريخ القرآن. نشر هذا الكتاب سنة ١٨٦٠ م وهو الآن أساس كل بحث في علوم القرآن في أوربا ، ولم يكن في وسع نولدكه أن يقوم بالطبعة الثانية من كتابه ففوض ذلك إلى تلميذه شوالي (schwally) الّذي ضم إليه نتائج التدقيقات الحديثة ، وتوفّي شوالي في أثناء عمله فأخذ برجشتراسر (bergstrasser) في تكميله ، وبعد موت برجشتراسر أتمّ تلميذه برتزل (pretzl) طبع الكتاب. ولما ظهرت الطبعة الاولى من كتاب
![القرآن الكريم وروايات المدرستين [ ج ٢ ] القرآن الكريم وروايات المدرستين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4263_alquran-alkarim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
