حقّها علما وعملا. قال بعضهم : لم يأمر الله تعالى بالصلاة حيثما أمر ولا مدح بها حيثما مدح إلا بلفظ الإقامة ، تنبيها على أن المقصود بها توفية شروطها والإتيان بهيئاتها كاملة مستكملة الفرائض والسّنن لا الإتيان بهيئاتها. وكذلك سؤاله صلىاللهعليهوسلم في قوله : (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ)(١) أي وفّقني لتوفية شرائطها وآدابها كاملة. وقيل : قد يعبّر بالإقامة للصلاة عن الإقرار بوجودها كقوله تعالى : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) إلى قوله : (فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ)(٢) أي أقرّوا بوجوبها. وقد يعبّر عن الإظهار لشعارها ، ومنه قوله تعالى : (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ)(٣) لأنّ المراد الأئمة.
قوله : (إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً)(٤) المقام ـ بالضمّ ـ من أقام ، وهو يصلح للمصدر والزمان والمكان والمفعول به ، والمراد به هنا مكان الإقامة ـ بالفتح من قام ـ وهو صالح لما تقدّم غير المفعول به. وقد قرىء : (لا مُقامَ لَكُمْ)(٥) بالوجهين ، وكذا (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ)(٦).
قوله : (الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ)(٧) هي بمعنى الإقامة كقوله : (دارُ الْخُلْدِ)(٨) وقد يعبّر بالإقامة عن الدوام والاستقرار كقوله تعالى : (وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ)(٩) يعني دائم ولا ينقطع ، وإليه أشار بقوله : (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ) أي مكان تدوم فيه إقامتهم.
قوله : (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)(١٠) تقويم الشيء : تثقيفه ، وأشار
__________________
(١) ٤٠ / إبراهيم : ١٤.
(٢) ٥ / التوبة : ٩.
(٣) ٤١ / الحج : ٢٢.
(٤) ٦٦ / الفرقان : ٢٥.
(٥) ١٣ / الأحزاب : ٣٣. قال الفراء : قراءة العوام بفتح الميم إلا عبد الرحمن (وكذا حفص) فإنه ضم الميم ، وقال : فمن قال : «لا مقام» فكأنه أراد : لا موضع قيام ، ومن قرأ : «لا مقام» كأنه أراد : لا إقامة لكم (معاني القرآن : ٢ / ٣٣٦).
(٦) ٥١ / الدخان : ٤٤.
(٧) ٣٥ / فاطر : ٣٥.
(٨) ٢٨ / فصلت : ٤١.
(٩) ٢٧ / المائدة : ٥ ، وغيرها.
(١٠) ٤ / التين : ٩٥.
![عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ [ ج ٣ ] عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4158_omdat-alhoffaz-fi-tafsir-ashraf-alalfaz-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
