وهذا على سبيل المجاز أطلق للمحلّ على الحالّ ، ومثله قول مهلهل : [من الكامل]
|
نبئت أنّ النار بعدك أوقدت |
|
واستبّ بعدك يا كليب المجلس |
وما أحسن قوله : (فَلْيَدْعُ نادِيَهُ ، سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ)(١) فشتان ما بين النداءين والمناديين والمناديين.
قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا)(٢) أي لزموا الطريق المستقيم ، وهو ما أمر الله به فامتثلوه وما نهى عنه فاجتنبوه ، وهو أمر شاقّ ، ولذلك يروى عن سيد الخلق أنه قال : «شيّبتني هود وأخواتها» (٣) قيل : أشار بذلك إلى قومه تعالى : (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ)(٤).
قوله : (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ)(٥) يعني طريق الحقّ والدّين الحقّ ، وذلك على سبيل الاستعارة ؛ شبّه طريق الحقّ بدين مستقيم إذ لا عوج فيه ولا احديداب ولا حدوبة ، كذا دين الإسلام سهل مستقيم. وإليه أشار بقوله تعالى : (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)(٦)(يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ)(٧). ووافق قوله صلىاللهعليهوسلم : «بعثت بالحنيفية السّمحاء» (٨). ولا يرى أشقّ من سلوك الطرق المعوجّة الجائرة عن القصد ، وكذلك الدين غير الحقّ لا يرى أثقل منه ولا أشقّ على النفس من اعتقاده ، وإنّما يتحمله من يتحمله لشقاوته.
قوله : (حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ)(٩) أي تحلّلوا ما حلّلت وتحرّموا ما حرّمت ، فذلك تقويمها وإقامتها ، فإنّ من ضيّع حدودها فقد أضاعها ولم يقم منآدها ، والمراد : توفّونها
__________________
(١) ١٧ و ١٨ / العلق : ٩٦.
(٢) ٣٠ / فصلت : ٤١.
(٣) الترمذي ، تفسير الواقعة.
(٤) ١١٢ / هود : ١١.
(٥) ٦ / الفاتحة : ١.
(٦) ٧٨ / الحج : ٢٢.
(٧) ١٨٥ / البقرة : ٢.
(٨) النهاية : ١ / ٤٥١ ، وفيه «السمحة».
(٩) ٦٨ / المائدة : ٥.
![عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ [ ج ٣ ] عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4158_omdat-alhoffaz-fi-tafsir-ashraf-alalfaz-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
