والوجود الظّاهر بذاته المظهر لغيره هو المشيّة الّتى هي فعل الحقّ الاوّل تعالى وإضافته الى الأشياء وهي الولاية المطلقة الّتى جميع الولايات الجزئيّة حصص منها وكلّ موجود موجود بها وكلّ ظاهر ظاهر بها حتّى النّور العرضىّ الّذى به يظهر السّطوح والاشكال والألوان ، فانّه لو لا الوجود لما ظهر ذلك النّور على الأبصار ولما أظهر الأشياء ، وكلّ امام لمّا صار متّصلا بالمشيّة نحو اتّصال في الصّعود بعد ما كان متّصلا بها مثل سائر الأشياء في النّزول وبذلك الاتّصال يؤثّر فيمن اتّصل به ويفيده فعليّة وجوديّة في الصّعود لم تكن له تلك الفعليّة وبتلك الفعليّة يظهر عليه وجوده وفسّروا النّور بالإمام قبل الاتّصال بالإمام ، وتلك الفعليّة وجود حادث في فعليّات هذا المتّصل ومقوّمة لسائرها ومحيطة بها ، وهي الايمان الدّاخل في قلب المؤمن بالبيعة الخاصّة الولويّة ، وبتلك الفعليّة يظهر على المؤمن السّالك دقائق أخلاقه الّتى هي ادقّ من الشّعر وأخفى من دبيب النّملة السّوداء على الصّخرة الصمّاء في اللّيلة الظّلماء ، ويظهر عليه مثل هذا الشّرك الخفىّ ولم تكن تظهر عليه أمثال هذه قبل ذلك ، ولم تكن تظهر بنور الشّمع والسّراج ، ولا بنور الكواكب والقمر ، ولا بنور الشّمس الّتى هي أنور ، ولمثل هذا النّور وهذا الظّهور قد يرى المؤمن نفسه أسوء من كلّ مسيء واشدّ ذنبا من كلّ مذنب ، وقد يصير مبغضا لنفسه اشدّ بغض ، ولمثل هذا الظّهور يصير الدّنيا سجنا له ، هذا هو الظّهور العلمىّ والحالىّ الوجدانىّ ، وقد يظهر الامام بصورته الملكوتيّة النّورانيّة على صدر السّالك وهذا الظّهور هو ظهور القائم (ع) في العالم الصّغير وحينئذ تشرق ارض وجود السّالك بنور ربّه إشراقا اشدّ من اشراق ارض العالم الكبير بنور الشّمس ولشدّة الاشراق لا ترى فيها عوجا ولا امتا ، ويومئذ تحدّث اخبارها ، وأخرجت أثقالها ، فعليكم بالاتّصال بهذا النّور فان لم يظهر عليكم الامام بصورته الملكوتيّة فلا اقلّ من ظهور الرّذائل والخصائل بنوره ولا اقلّ من ادراك قبح الرّذائل ثمّ الانزجار منها وادراك حسن الخصائل ثمّ الرّغبة فيها والطّلب لها (وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) ترغيب وتهديد (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ) ظرف لخبير أو لا ذكروا مقدّرا كأنّه قيل : فما نفعل حتّى يستقيم ايماننا بهذا النّور؟ ـ فقال : اذكروا حضوركم عند ربّكم حتّى يسهل عليكم الايمان بهذا النّور وتستقيموا على الايمان به (ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ) يوم ظهور غبن المغبون ، أو يوم غبن أهل الجنّة أهل النّار بنزولهم منازل أهل النّار في الجنّة ، وفي الخبر يوم يغبن أهل الجنّة أهل النّار (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً) اىّ صالح كان حتّى يظهر بعمل صالح ما صحّة ايمانه أو يعمل صالحا عظيما هو قبول الولاية بالبيعة الخاصّة الولويّة (يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) قد مضى الآيتان مكرّرتين (ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) جواب لسؤال مقدّر كأنّه قيل : ان كان من يؤمن بالله ويعمل صالحا كذا وكذا في الآخرة فلم يصيبهم المصائب في الدّنيا؟ ـ فقال : اصابة المصيبة لا تكون الّا بإذن الله ، وليست الّا لحكمة تكميل المؤمن ، أو كأنّه قيل : كأنّ كفر الكافر ليس بإذن الله؟ ـ فقال : ما أصاب من مصيبة الّا بإذن الله غاية الأمر انّ مصيبة المؤمن تكون تكميلا له ، ومصيبة الكافر أو كفره كانت باستعداده السّابق ونقمة له (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ) بالبيعة العامّة (يَهْدِ قَلْبَهُ) للايمان الخاصّ والبيعة الخاصّة ، أو من يؤمن بالله بالبيعة الخاصّة يهد قلبه الى العلم بانّ اصابة المصائب ليست الّا بإذن الله ، عن الصّادق (ع) انّ القلب ليترجّج (١) فيما بين الصّدر والحنجرة حتّى يعقد على الايمان ، فاذا عقد على الايمان قرّ وذلك قول الله عزوجل : ومن يؤمن بالله يهد قلبه (وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) فيعلم القلوب وايمانها وسائر أحوالها (وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) في جميع ما قالاه لكم أو في خصوص ولاية علىّ (ع) وهذا هو المنظور ، فانّ المقصود من طاعة الله ورسوله (ص) في سائر ما امر رسوله (ص) انتهاء الطّاعة الى قبول
__________________
(١) اى يتزلزل وترجرج تحرّك واضطرب.
![تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة [ ج ٤ ] تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3373_tafsir-bayan-alsaade-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
