المذكور ، وقال له : يا فلان ، أتسلّمني في هذه الحالة؟ فقال له المولى ، من شدّة ما كان فيه من الضجر : قد أسلمك خالقك ومالكك الذي هو أرحم الراحمين ، فدمعت عيناه ، وجعل يرفعهما إلى السماء خاضعا مهينما (١) بشفتيه ، فما سفرت تلك الليلة إلّا عن قبض روحه ، رحمة الله عليه! فقد كان له من الأثر ما يوجب أن يترحّم عليه ، وإنّ فعل سليمان به وبولده وكونه طرح رأس ابنه عبد العزيز الذي تركه نائبا عنه بالأندلس وقد جيء به من أقصى المغرب بين يديه من وصماته (٢) التي تعدّ عليه طول الدهر ، لا جرم أنّ الله تعالى لم يمتّعه بعده بملكه وشبابه.
وذكر ابن حيّان أن موسى كان عربيّا فصيحا ، وقد سبق من مراجعة يزيد بن المهلّب ما يدلّ على بلاغته ، ويكفي منها ما ذكره ابن حيّان أنه كتب إلى الوليد بن عبد الملك فيما هاله من فتوح الأندلس وغنائمها «إنها ليست الفتوح ، ولكنها الحشر».
وقال الحجاري : إن منازعة جرت بينه وبين عبد الله بن يزيد بن أسيد بمحضر عبد الملك بن مروان ألجأته إلى أن قال شعرا منه : [البسيط]
|
جاريت غير سؤوم في مطاولة |
|
لو نازع الحقل لم ينزع إلى حصر |
وتقدّم ما ذكره غير واحد كابن حيّان أن موسى مولى عبد العزيز بن مروان ، وكذا ذكره الحجاري ، ثم (٣) تجهّز مع أمّ البنين بنت عبد العزيز حين ابتنى بها الوليد بن عبد الملك ، فكانت تنمي مكانته عند الوليد إلى أن بلغ ما بلغ. وأشهر من كان في صحبة موسى بن نصير من مواليه طارق المشهور بالفتوح العظيمة ، وطريف ، وقد جرى ذكرهما في كتابنا هذا بما اقتضاه الاختصار.
وقال ابن سعيد ، بعد ذكره الخلاف في أن (٤) موسى هل هو لخمي صريح أو بالولاء ، أو بربري ، أو مولى لعبد العزيز بن مروان ، ما صورته : وكان في عقبه نباهة في السلطة ، ولّي ابنه عبد العزيز سلطنة الأندلس ، وعبد الملك سلطنة المغرب الأقصى ، وعبد الله سلطنة إفريقية. وذكر الحجاري أن أصله من وادي القرى بالحجاز ، وأنه خدم بني مروان بدمشق ، وتنبّه شأنه ، فصرّفوه في ممالكهم إلى أن ولي إفريقية وما وراءها من المغرب في زمن الوليد بن عبد الملك ، فدوّخ أقاصي المغرب ، ودخل الأندلس من جبل موسى المنسوب إليه المجاور لسبتة ، ودوّخ بلاد الأندلس ، ثم أوفده الوليد إلى الشام ، فوافق مرضه ، ثم موته وخلافة أخيه
__________________
(١) هينم : تكلم بصوت خفي لا يسمع.
(٢) وصمات : جمع وصمة ، وهي العيب والعار.
(٣) في ب : أنه تجهّز.
(٤) أن : ساقطة في ب.
![نفح الطّيب [ ج ١ ] نفح الطّيب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2786_nafh-altayeb-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
