سليمان فعذّبه واستصفى أمواله (١) ، وآل أمره إلى أن وجّهه إلى قومه بوادي القرى لعلّهم يعطفون عليه ويؤدّون عنه ، فمات بها ، وقد نصّ ابن بشكوال على أنه مات بوادي القرى.
أما معارفه السلطانية فيكفيه ولاية ما خلف مصر إلى البحر المحيط بين بريّ البربر والأندلس.
وأما الأدبية فقد جاءت عنه بلاغة في النثر والنظم تدخله ـ مع نزارتها ـ في أصحاب درّ الكلام. وذكر ابن بشكوال أنه من التابعين الذين رووا الحديث ، وأن روايته عن تميم الداريّ ، وذكره في كتب الأئمة من المصنّفين أنبه وأوعب من أن يخصّص بذكره واحد منهم ، وهو غرّة التواريخ الأندلسية ، وذكره إلى الآن جديد في ألسن الخاصّة والعامّة من أهلها.
ومن مسهب الحجاري : كان قد جمع ـ رحمه الله! ـ من خلال الخير ما أعانه الله سبحانه به على ما بنى له من المجد المشيّد ، والذكر الشهير المخلّد ، الذي لا يبليه الليل والنهار ، ولا يعفّي جديده بلى الأعصار ، إلّا أنه كان يغلب عليه ما لا يكاد رئيس يسلم منه ، وهو الحقد والحسد ، والمنافسة لا تخلو من ذلك ، وأنشد بعض الرؤساء : [الطويل]
وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
فقلبه الرئيس وقال : «من يترك الحقدا» ، ثم قال : إن السيد إذا ترك إضمار الخير والشّرّ والمجازاة عليهما اجترئ عليه ، ونسب للضعف والغفلة ، وهل رأيت صفقة أخسر من غفلة رئيس أحقده غيره فنسي ذلك أو تناساه ، وعدوّه لا يغفل عنه ، وحاسده لا ينفعه عنده إلّا الراحة منه ، وهو في واد آخر عنه ، ولله درّ القائل (٢) : [الطويل]
|
ووضع النّدى في موضع السّيف بالعلا |
|
مضرّ ، كوضع السيف في موضع النّدى |
ولكن الأصوب أن يكون الرأي ميزانا : لا يزن الوافي لناقص ، ولا يزن الناقص لواف ، ويدبّر أمره على ما يقتضيه الزمان ، ويقدر فيه حسن العاقبة.
ونصّ ابن بشكوال على أن موسى بن نصير مات بوادي القرى سنة سبع وتسعين ، وغزا (٣) الأندلس سنة إحدى وتسعين ، ودخلها سنة ثلاث وتسعين ، وقفل عنها إلى الوليد بن
__________________
(١) استصفى أمواله : صادرها.
(٢) البيت لأبي الطيب المتنبي وقبله :
|
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته |
|
وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا |
(٣) في ب : وأغزى.
![نفح الطّيب [ ج ١ ] نفح الطّيب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2786_nafh-altayeb-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
