ومن ذلك بناؤه قنطرة على نهر قرطبة الأعظم ، ابتدأ بناءها المنصور سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة ، وفرغ منها في النصف من سنة تسع وسبعين ، وانتهت النفقة عليها إلى مائة ألف دينار وأربعين ألف دينار ، فعظمت بها المنفعة ، وصارت صدرا في مناقبه الجليلة. وكانت هنالك قطعة أرض لشيخ من العامّة ، ولم يكن للقنطرة عدول عنها ؛ فأمر المنصور أمناءه بإرضائه فيها ، فحضر الشيخ عندهم ، فساوموه بالقطعة ، وعرّفوه وجه الحاجة إليها وأنّ المنصور لا يريد إلّا إنصافه فيها ، فرماهم الشيخ بالغرض الأقصى عنده فيما ظنّه أنها لا تخرج عنه بأقلّ من عشرة دنانير ذهبا ، كانت عنده أقصى الأمنيّة ، وشرطها صحاحا. فاغتنم الأمناء غفلته ، ونقدوه الثّمن ، وأشهدوا عليه ، ثم أخبروا المنصور بخبره ، فضحك من جهالته ، وأنف من غبنه ، وأمر أن يعطى عشرة أمثال ما سأل ، وتدفع له صحاحا كما قال ، فقبض الشيخ مائة دينار ذهبا ؛ فكاد أن يخرج من عقله ، وأن يجنّ عند قبضها من الفرح ، وجاء محتفلا في شكر المنصور ، وصارت قصّته خبرا سائرا.
ومن ذلك أيضا بناء قنطرة على نهر إستجة ، وهو نهر شنيل ، وتجشم لها أعظم مؤنة ، وسهّل الطريق الوعرة والشّعاب الصعبة.
ومن ذلك أيضا أنه خطّ بيده مصحفا كان يحمله معه في أسفاره وغزواته (١).
يدرس فيه ، ويتبرّك به.
ومن قوة رجائه أنه اعتنى بجمع ما علق بوجهه من الغبار في غزواته ومواطن جهاده ، فكان الخدم يأخذونه عنه بالمناديل في كل منزل من منازله ، حتى اجتمع له منه صرّة ضخمة ، عهد بتصييره في حنوطه (٢) ، وكان يحملها حيث سار مع أكفانه ، توقّعا لحلول منيّته ، وقد كان اتّخذ الأكفان من أطيب مكسبه من الضّيعة الموروثة عن أبيه ، وغزل بناته. وكان يسأل الله تعالى أن يتوفّاه في طريق الجهاد ؛ فكان كذلك.
وكان متّسما بصحّة باطنه ، واعترافه بذنبه ، وخوفه من ربّه ، وكثرة جهاده. وإذا ذكّر بالله ذكر ، وإذا خوّف من عقابه ازدجر ، ولم يزل متنزّها عن كل ما يفتتن به الملوك سوى الخمر ، لكنه أقلع عنها قبل موته بسنتين. وكان عدله في الخاصّة والعامّة وبسط الحقّ على الأقرب فالأقرب من خاصّته وحاشيته أمرا مضروبا به المثل.
__________________
(١) في ب لا توجد كلمة «وغزواته».
(٢) الحنوط : طيب يوضع في ماء غسل الميت.
![نفح الطّيب [ ج ١ ] نفح الطّيب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2786_nafh-altayeb-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
