وبقي ملك الأندلس في عقبه إلى أن أخذ ما بقي من الأندلس العدوّ الكافر واستولى على حضرة الملك غرناطة أعادها الله للإسلام ، كما نبيّن ذلك إن شاء الله ، وخلت جزيرة الأندلس من أهل الإسلام ، فأبدلت من النور بالظلام ، حسبما اقتضته الأقدار النافذة والأحكام ، والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
قال ابن خلدون : واتفق بنو الأحمر سلاطين غرناطة أن يجعلوا مشيخة الغزاة لواحد يكون من أقارب بني مرين سلاطين المغرب ؛ لأنهم أوّل من ولي الأندلس عند استيلاء بني عمّهم على ملك المغرب لما بينهم من المنافسة ، وكان لهؤلاء في الجهاد مواقف مشهورة ، منها ما كتب على قبر شيخ الغزاة عثمان بن أبي العلاء لتستدلّ عند ذلك على ما ذكرناه «بحمد الله تعالى ، هذا قبر شيخ الحماة وصدر الأبطال والكماة ، واحد الجلالة ، ليث الإقدام والبسالة ، علم الأعلام ، حامي ذمار الإسلام ، صاحب الكتائب المنصورة ، والأفعال المشهورة ، والمغازي المسطورة ، وإمام الصفوف ، القائم بباب «الجنّة تحت ظلال السيوف» ، سيف الجهاد ، وقاصم الأعاد ، وأسد الآساد ، العالي الهمم ، الثابت القدم ، الهمام المجاهد الأرضى ، البطل الباسل الأمضى ، المقدّس ، المرحوم أبي سعيد عثمان ابن الشيخ الجليل الهمام الكبير ، الأصيل الشهير ، المقدّس المرحوم أبي العلاء إدريس بن عبد الله بن عبد الحق ، كان عمره ثمانيا وثمانين سنة أنفقه ما بين روحة في سبيل الله وغدوة ، حتى استوفى في المشهور سبعمائة واثنتين وثلاثين غزوة ، وقطع عمره جاهدا مجتهدا في طاعة الربّ ، محتسبا في إدارة الحرب ، ماضي العزائم في جهاد الكفّار ، مصادما بين جموعهم تدفّق التّيّار ، وصنع الله تعالى له فيهم من الصنائع الكبار ، ما سار ذكره في الأقطار ، أشهر من المثل السّيّار ، حتى توفي رحمه الله وغبار الجهاد طيّ أثوابه ، وهو مراقب لطاغية الكفّار وأحزابه ، فمات على ما عاش عليه ، وفي ملحمة الجهاد قبضه الله تعالى إليه ، واستأثر به سعيدا مرتضى ، وسيفه على رأس ملك الروم منتضى ، مقدّمة قبول وإسعاد ، ونتيجة جهاد وجلاد ، ودليلا على نيّته الصالحة ، وتجارته الرابحة ، فارتجّت الأندلس لبعده ، أتحفه الله تعالى رحمة من عنده! توفي يوم الأحد الثاني لذي الحجة من عام ثلاثين وسبعمائة» انتهى.
ومنها ما كتب به لسان الدين بن الخطيب ـ رحمه الله! ـ في تولية علي بن بدر الدين مشيخة الغزاة ما نصّه : «هذا شيخ الغزاة الذي فتح على الإسلام أبواب السّرّاء ، وراق طرازا مذهّبا على عاتق الدولة الغرّاء ، وأعمل عوامل الجهاد ، في طاعة ربّ العباد شارعة لأهل الكفر والعناد ، من باب الإعمال والإغراء ، أمر به فلان صدر صدور أودّائه ، وحسامه المشهور على أعدائه ، ووليّه الذي خبر صدق وفائه ، وجلّى في مضمار الخلوص له مغبّرا في وجوه أكفائه ،
![نفح الطّيب [ ج ١ ] نفح الطّيب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2786_nafh-altayeb-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
