عبثا ، ولم يقفل سدى ، والرأي والمصلحة أن تلقي أنت أيضا عليه قفلا أسوة بمن تقدّمك من الملوك ، وكان آباؤك وأجدادك لم يهملوا هذا ، فلا تهمله ، وسر سيرهم ، فقال لهم : إن نفسي تنازعني إلى فتحه ، ولا بدّ لي منه ، فقالوا له : إن كنت تظن أن فيه مالا فقدّره ونحن نجمع لك من أموالنا نظيره ، ولا تحدث علينا بفتحه حادثا لا نعرف عاقبته ، فأصرّ على ذلك ، وكان رجلا مهيبا ، فلم يقدروا على مراجعته ، وأمر بفتح الأقفال ، وكان على كل قفل مفتاحه معلقا. فلما فتح الباب لم ير في البيت شيئا إلّا مائدة عظيمة من ذهب وفضة مكلّلة بالجواهر ، وعليها مكتوب : هذه مائدة سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام ، ورأى في البيت ذلك التابوت ، وعليه قفل ، ومفتاحه معلّق ، ففتحه ، فلم يجد فيه سوى رقّ (١) ، وفي جوانب التابوت صور فرسان مصوّرة بأصباع محكمة التصوير على أشكال العرب ، وعليهم الفراء ، وهم معمّمون على ذوائب جعد ، ومن تحتهم الخيل العربية ، وهم متقلّدون السيوف المحلّاة ، معتقلون الرماح ، فأمر بنشر ذلك الرّقّ ، فإذا فيه : متى فتح هذا البيت وهذا التابوت المقفلان بالحكمة دخل القوم الذين صورهم في التابوت إلى جزيرة الأندلس ، وذهب ملك من فيها من أيديهم ، وبطلت (٢) حكمتهم ؛ فلما سمع لذريق ما في الرّقّ ندم على ما فعل ، وتحقّق انقراض دولتهم ، فلم يلبث إلّا قليلا حتى سمع أن جيشا وصل من المشرق جهّزه ملك العرب ليفتح بلاد الأندلس ، انتهى.
فهذا هو بيت الحكمة الذي أشار إليه لذريق ، والله أعلم بحقيقة الأمر في ذلك كله.
على أن في هذا السياق مخالفة لما سنذكره عن بعض ثقات مؤرّخي الأندلس وغيرهم في شأن المائدة وغيرها ، وما ذكر في هذه القصة من جلب الماء من برّ العدوة إلخ فيه بعد عندي ؛ لأن بلاد الأندلس أكثر بلاد الله مياها وأنهارا ، فأنّى تحتاج إلى جلب الماء إليها من العدوة الأخرى؟ إلّا أن يقال : إن المرأة أرادت تعجيز الرجل بذلك ، أو اختبار حكمته حتى يفعل هذا الأمر الغريب ، وعلم الله من وراء ذلك كله ، وفوق كل ذي علم عليم ، ومنتهى العلم إلى الله الحكيم.
وقال ابن حيّان في «المقتبس» : «ذكروا أن لذريق لم يكن من أبناء الملوك ، ولا بصحيح النسب في القوط ، وأنه إنما نال الملك من طريق الغصب والتسوّر عندما مات غيطشة (٣) الملك الذي كان قبله ، وكان أثيرا لديه ، مكينا ، فاستصغر أولاده لمكانه ، واستمال طائفة من الرجال
__________________
(١) الرقّ : جلد رقيق يكتب عليه ، وفي التنزيل العزيز(وَكِتابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ).
(٢) الذوائب : جمع ذؤابة ، وهي ضفيرة الشعر ، والجعد : جمع جعداء وهي التي فيها تقبض والتواء.
(٣) في ب : إغطشة.
![نفح الطّيب [ ج ١ ] نفح الطّيب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2786_nafh-altayeb-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
