بمجيئه ، فلمّا وقعت عينه عليه قال له : أحضر الكيس الأحمر ، فتملّك الرعب قلبه وارتعش ، وقال : دعني آتي به من منزلي ، فوكل به من حمله إلى منزله. وجاء بالكيس ، وقد نقص منه ما لا يقدح في مسرّة صاحبه ، فجبره (١) ، ودفعه إلى صاحبه ، فقال : والله لأحدّثنّ في مشارق الأرض ومغاربها أن ابن أبي عامر يحكم على الطيور وينصف منها ، والتفت ابن أبي عامر إلى الزبّال فقال له : لو أتيت به أغنيناك ، لكن تخرج كفافا (٢) لا عقابا ولا ثوابا.
وتوفي ، رحمه الله ، في غزاته للإفرنج بصفر سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة ، وحمل في سريره على أعناق الرجال ، وعسكره يحفّ به ، وبين يديه ، إلى أن وصل إلى مدينة سالم.
ودامت دولته ستّا وعشرين سنة ، غزا فيها اثنتين وخمسين غزوة واحدة في الشتاء وأخرى في الصيف ، انتهى كلام ابن سعيد ، وفي بعضه مخالفة لبعض كلام ابن خلدون.
وقال الفتح في «المطمح» في حق المصحفي الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي ، ما صورته (٣) : تجرد للعليا ، وتمرّد (٤) في طلب الدنيا ، حتى بلغ المنى ، وتسوّغ ذلك الجنى (٥) ، ووصل إلى المنتهى ، وحصل على ما اشتهى ، دون مجد تفرّع من دوحته (٦) ، ولا فخر نشأ بين مغداه وروحته ، فسما دون سابقة ، ورمى إلى رتبة لم تكن لنفسه مطابقة ، فبلغ نفسه ، ونزع عن جنسه ، ولم يزل يستقلّ ويضطلع ، وينتقل من مطلع إلى مطلع ، حتى التاح في أفق الخلافة ، وارتاح إليها بعطفه كنشوان السّلافة ، واستوزره المستنصر ، وعنه كان يسمع وبه يبصر ، وحجب الإمام ، وأسكب برأيه ذلك الغمام ، فأدرك لذلك ما أدرك ، ونصب لأمانيه الحبائل والشرك ، فاقتنى اقتناء مدّخر ، وأزرى بمن سواه وسخر ، واستعطفه ابن أبي عامر ونجمه غائر لم يلح ، وسرّه مكتوم لم يبح ، فما عطف ، ولا جنى من روضة دنياه ولا قطف ، وأقام في تدبير الأندلس ما أقام وبرهانه مستقيم ، ومن الفتن عقيم ، وهو يجري من السعد في ميدان رحب ، ويكرع من العزّ في مشرب عذب ، ويفضّ ختام السرور ، وينهض بملك على لبّته مزرور ، وكان له أدب بارع ، وخاطر إلى نظم القريض مسارع ، فمن محاسنه التي بعثها إيناس دهره وإسعاده ، وقاله حين ألهته سلماه وسعاده ، قوله : [الطويل]
|
لعينيك في قلبي عليّ عيون |
|
وبين ضلوعي للشجون فنون |
__________________
(١) جبره : أكمل نقصه.
(٢) كفافا : لا له ولا عليه.
(٣) انظر المطمح ٤ ـ ٨.
(٤) تمرد في طلب الدنيا : تجاوز الحدّ في ذلك.
(٥) تسوغه : وجده سائغا. والجنى : الثمرة.
(٦) الدوحة : الشجرة الكبيرة الملتفة. وشبهت العرب أصولها بالدوحة.
![نفح الطّيب [ ج ١ ] نفح الطّيب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2786_nafh-altayeb-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
