الصحيحين ، وقد مرّ بنا ما جاء في صحيح مسلم وغيره عن أنس من أنّه قال :
صلّيت خلف النبيّ (ص) وأبي بكر وعمر وعثمان ، فكانوا يستفتحون بالحمد لله ربّ العالمين لا يذكرون (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ). وجاء فيها ـ أيضا ـ عن أنس وغيره انّ الرسول (ص) والخلفاء كانوا يجهرون بقراءة البسملة في سورة الحمد من الصلاة الجهرية. والمجموعتان من الروايتين متناقضتان ولا يمكن أن توصف كلتاهما بالصحّة ، فلا بدّ إذا من البحث عن ميزان آخر لمعرفة الصحيحة منهما للعمل بموجبها وترك المجموعة الأخرى ، ونقترح في مثل هذه الموارد أن ندرس المجتمع الّذي روي فيه الحديث ، أي طرفي الزمان والمكان للحديث مع تجرّد علمي بحت ، فإنّه ينير لنا السبيل للقيام بتمحيص سنّة الرسول (ص).
وإذا عملنا بهذا الاقتراح ، رأينا أنّ المجتمع في المدينة في عصر الصحابة يناسب المجموعة الاولى من الأحاديث ؛ لأنّ ضجة المصلّين في مسجد الرسول (ص) على خليفة المسلمين معاوية ، تتناسب مع رؤيتهم الرسول والخلفاء من بعده وهم يجهرون بالبسملة في صلواتهم ، ولمّا خالف معاوية من سبقه في ذلك جابهوه مرّتين بذلك الاستنكار الشديد ، ولا يصدق عكسه أي : أن يكونوا صلّوا خلف رسول الله (ص) والخلفاء من بعده وسمعوهم يقرءون الفاتحة دون البسملة ومع ذلك جابهوا خليفتهم بالاستنكار ، فلا بدّ إذا أن نقول : إنّ روايات المجموعة الثانية لم تكن قد رويت في عصر الصحابة في المدينة بل رويت بعد واقعة عدم قراءة معاوية البسملة في الصلاة في مسجد الرسول (ص) وفضح صحابة الرسول (ص) إيّاه ، ولا يناسب المدينة أن تكون مكان اختلاق تلكم الروايات في عصر الصحابة الّذين جهروا باستنكارهم على الخليفة عدم قراءتها.
إذا فانّه ينبغي القول بأنّ تلكم الروايات رويت بادئ بدء خارج المدينة وفي الشام ـ مثلا ـ واسندت روايتها إلى الصحابة وانتقلت روايتها بعد عصر
![القرآن الكريم وروايات المدرستين [ ج ٢ ] القرآن الكريم وروايات المدرستين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4263_alquran-alkarim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
