قبلتكم بيت المقدس إلّا امتحانا للنّاس ، فإنّ الذين اتبعوا الرسول (ص) في صلاتهم بمكّة كانوا قد خالفوا قبلة قومهم ، وانفصلوا عنهم.
وفي المدينة عند ما تحوّلت القبلة أيضا ، كان منه امتحانا لمن أسلم من اليهود وحلفائهم ولغيرهم في اتباعهم أمر الرسول (ص) في ما يوحى إليه ، وإن كانت لكبيرة إلّا على من هداه الله ، وكانت نتيجة عمل من صلّى إلى بيت المقدس في ما سبق تبديل القبلة ، سواء الأحياء منهم أو الأموات ، فإنّ الله لا يضيع عملهم.
* * *
كان هذا ما تحدّث الله به ـ سبحانه ـ من أمر الناس في هذه القصّة.
أمّا ما كان من أمر الرسول (ص) ، فكان شأنه فيها ما أخبر الله عنه وقال : (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ...) وإنّ الّذين أوتوا الكتاب علموا أن هذا التحول في القبلة هو الحقّ من ربّهم غير أنّه : (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ) ـ كما زعموا ـ (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ).
قد يكون المقصود من هذا الخطاب أمّة الرسول (ص) ، وخاطب نبيّه بذلك من باب : (إيّاك أعني واسمعي يا جارة). كما له نظائر كثيرة في القرآن ، ويدلّ على ذلك ما في الآية الّتي قبلها : (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها).
إذا فالرسول (ص) هو الّذي كان يطلب تحويل القبلة ، وينتظر الإذن له. ويظهر من فحوى الكلام أنّه كان في أمّته من ثقل عليه هذا الأمر ، وهو المعنيّ بهذا الخطاب.
![القرآن الكريم وروايات المدرستين [ ج ٢ ] القرآن الكريم وروايات المدرستين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4263_alquran-alkarim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
