١١ ـ قوله تعالى : (يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ) [النساء : ١٥] الآية.
إن قلت : لم عفا ، أي ترك كثيرا ممّا أخفوه من كتابهم ، مع أنه مأمور ببيانه؟
قلت : إنما لم يبيّنه لأنه لم يؤمر ببيانه ، أو لأن المأمور ببيانه ما يكون فيه إظهار حكم شرعيّ ، كصفته ، وبعثته ، والبشارة به ، وآية الرجم ، دون ما لم يكن فيه ذلك ممّا فيه افتضاحهم ، وهتك أستارهم فيعفو عنه.
١٢ ـ قوله تعالى : (قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ) [النساء : ١٦].
إن قلت : كيف قال ذلك ، مع أن العبد ما لم يهده الله لا يتّبع رضوانه فيلزم الدّور؟
قلت : فيه إضمار تقديره : يهدي به الله من علم أنه يريد أن يتّبع رضوانه ، كما قال : (وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا) [المائدة : ٥] أي : والّذين أرادوا سبيل المجاهدة لنهدينهم سبيل مجاهدتنا.
١٣ ـ قوله تعالى : (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) [النساء : ١٨].
فإن قلت : لم كرّرها وختم الأولى بقوله : (وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) والثانية بقوله : (وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ؟)
قلت : لأنّ الأولى نزلت في النّصارى ، حين قالوا : (إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) فردّ الله عليهم بقوله : (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) تنبيها على أنه مالك لعيسى وغيره ، وأنه قادر على إهلاكه وإهلاك غيره.
والثانية : في اليهود والنّصارى ، حين قالوا : (نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) فردّ الله تعالى بقوله : (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) [آل عمران : ١٨٩] تنبيها على أن الجميع مملوكون له ومصيرهم إليه ، يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء ، ولو كان" عيسى" ابنه لم يملكه ولم يعذبه ، إذ الأب لا يملك ابنه ولا يعذّبه.
١٤ ـ قوله تعالى : (وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) [المائدة : ١٨] الآية.
فإن قلت : كيف أخبر الله عنهم أنّهم قالوا : نحن أبناء الله ، مع أنه لم يعرف
