وجهه : «يتكفّأ كأنّما يمشي في صبب» (١) وهذا يفسر ما ذكرته. وفي الحديث : «كان عليه الصلاة والسّلام لا يقبل [الثناء] إلا من مكافىء» (٢). قال القتيبيّ : معناه أنّه إذا أنعم على رجل فكافأه بالثناء عليه قبل ثناءه ، وإذا أثنى عليه قبل أن ينعم عليه لم يقبله. وهذا التفسير قد ردّه ابن الأنباريّ وقال : إنه غلط بيّن ، ولقد صدق ـ عليه الصلاة والسّلام ـ لا ينفكّ أحد عن إنعامه إذ كان الله قد بعثه للناس كافّة ورحم به وأنقذ ؛ فنعمه سابقة إليهم لا يخرج منها مكافىء ولا غير مكافىء. هذا والثناء عليه فرض لا يتمّ الإسلام إلا به. وإنّما (٣) المعنى أنه لا يقبل الثناء إلا من رجل يعرف حقيقة إسلامه ، ولا يدخل عنده في جملة المنافقين الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم. فإذا كان المثني عليه بهذه الصفة قبل ثناءه وكان مكافئا ما سلف من نعمه عليهالسلام عنده وإحسانه إليه. قال الأزهري : وفيه قول ثالث : إلا من مكافىء : إلا من مقارب مدحه (٤) غير مجاوز به حدّ مثله ولا مقصّر عمّا وفّقه الله إليه ؛ ألا تراه يقول : «لا تطروني كما أطرى النّصارى عيسى ولكن قولوا عبد الله ورسوله» (٥). فإذا وصف بكونه نبيّ الله ورسوله فقد وصف بما لا يوصف به أحد من أمته ، فهو مدح ومكافىء له. وفي الحديث : «لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفىء ما في إنائها» (٦) يكتفىء ، أي يقلب ويكبّ ؛ تفتعل ، من كفأت القدر : إذا كببتها لتفرغ ما فيها. وهو تمثيل (٧) لإمالة الضّرّة حقّ صاحبتها من زوجها إلى نفسها. وقال الكسائيّ : كفأت الإناء : كببته ، وأكفأته : أملته ، ومنه الحديث : «إذا مشى تكفّأ» تكفأ : أي تمايل إلى قدام كما تتكفّأ السفينة في جريها. والأصل فيه الهمز فترك. وفي حديث عليّ : «أنه تكفّأ لونه عام الرّمادة» (٨) أي تغيّر ،
__________________
(١) النهاية : ٣ / ٣. والحديث في صفته صلىاللهعليهوسلم ، والمعنى : في موضع منحدر وكلمة «يتكفأ» تلفيق من حديث آخر.
(٢) النهاية : ٤ / ١٨٠ ، والإضافة منه.
(٣) في الأصل : وأما.
(٤) ورواية الهروي : إلا من مقارب في مدحه.
(٥) النهاية : ٣ / ١٢٣. والإطراء : مجاوزة الحد في المدح.
(٦) النهاية : ٤ / ١٨٢. وفي الأصل : لتكفىء.
(٧) وفي الأصل : ميل.
(٨) المفردات : ٤ / ١٨٣ ، وفيه : «أنه انكفأ».
![عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ [ ج ٣ ] عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4158_omdat-alhoffaz-fi-tafsir-ashraf-alalfaz-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
